البحث في رموز"بئر الأرواح"

سوسن البرغوتي

في كثير من أعماله الأدبية يجنح الأديب القاص عدنان كنفاني إلى الحركة التصويرية، ففي قصة "بئر الأرواح"، وفي أجواء تجمع الأسطورة والملحمة في آن، منح الكاتب قيمة لتألق الحس الإنساني الشغوف بالسكينة بعد خوض غمار تجارب أرضية عدة، وبانتصار الخير لحياة أخرى تفصله عن المادة.

شكل لوحات متعددة، وجمعها بإطار عام من خلال رموز تجلّت في سيدة روحانية تعمل في خدمة الصخرة التي تشير إلى حياة البرزخ، بتعلّقها في الهواء دون عمد، وفي الوقت نفسه قريبة من الأرض.

وسط تلك الأجواء والأصداء يثب برشاقة ناقلاً عمله الأدبي من مقاعد مدرسة الكلاسيكية والمدرسة الأصولية، إلى حداثة تميل إلى الرمزية باعتدال، محلقاً في فضاء الأدب العالمي بامتياز، باستبعاد المفردات المنمقة التزينية التي تأتي عادة على حساب الحدث والمعنى، فجاءت مقطوعة موسيقية بإيقاعات متنوعة، ومتناغمة مع الفكرة والموضوع، ووظفت الخصائص الفنية، ليثري الأحداث ببعد أدبي عميق، وفي جو أثيري وبرزخي، منقطع عن ماديّة "اللحم والعظم".

الطقوس الروحانية تجسدت في اختلاف طبائع  الأرواح، وهي تلتصق بهواجس الأجساد قبل الرحلة المجهولة إلى العالم الآخر، ولكنها تؤكد سيرتها على الأرض إن هي عادت للحياة.

أكثر ما يميّز القصة ويضعها في تصنيفات الأدب العالمي، هو ربط الحياة بالموت، والأرواح بمكان قدسي لجميع الأديان، وتمازج اللغة بالذاكرة وبالأبعاد الثلاث، الزمان..المكان..والإنسان.

عمل الأديب على المزج بين عالمين مختلفين وأماكن متباعدة، برمزية تجنح للحداثة، بتناصٍّ واتكاءٍ على التاريخ في بعض شخصيات تخيلية على إيقاع ملحميّ "إن جاز التعبير"، وبنى جسراً بارعاً بين كتاباته السابقة، وبين حبكة حديثة، تقترب من جدارية الأسطورة، وتحيكها بتمازج شخصيات واقعية وخيالية في آن، موظفة لنجاة النفس الأمارة بالسوء محرّرة من الجسد.

نغمات الصور الشعرية والتألق النثري في صورة آخذة لعوالم قيمية، بارتباط الإنسان بالمكان، وعبر زمن يوحد مزاجية الأرواح وركونها إلى الراحة والهدوء.

يتجلى في  إصرار الأديب عدنان كنفاني على تكرار التوقيت: "في الساعة الخامسة مساءاً"، ما يلفت الانتباه إلى أهمية هذه الإشارة، وهنا كما عودنا الأديب يترك للقارئ مساحة لإشغال العقل في تحليل أهمية الوقت، وطرح أسئلة ذهنية مفادها.. لماذا؟، هل يقصد بذلك أفول ضجيج النهار والولوج إلى هدوء في وقت الأصيل؟، أو أنه ينسج حركة متسارعة متحفزة لاكتشاف النور والهداية في البئر. يعود ليظلل الحالات الثلاث بعيداً عن الضوء، ليسمو ويرتفع بعاطفة جياشة لسيدة هي "هاجر" تتلهف لإنقاذ طفلها من الموت، فتلتقي الملحمة والأسطورة في تجسيد صورة حقيقية للروح في سكون وهدوء النفس المطمئنة.

من حيّ القصبة في نابلس، إلى واد غير ذي زرع، وما بينهما نزعة توريث العرش وسطوة الذات في نزعة الملك "السلطة" المقتنع وهو الأكثر انحرافاً بجحود الشعب ومطالبته رفع الظلم والقهر والفقر، ويرجعها إلى طرف حاقد عليه وعلى ملكه.
ثم الجندي الذي  يحمل في جيناته عقدة الأقوى والأفضل، ويستهين بتلك الرصاصة التي أودت بحياته، بعدما ترك الرفاهية باحثاً عن الخروج من روتين حضارة الشاشات والأزرار، وفي كلا الحالتين، تكريس للنرجسية المفرطة بغض النظر عن آلام الآخرين واستعبادهم.

أما الإيماء دون التصريح للصمود في القصة، فهي تأتي من خلال معاناة بائع شراب الخروب في حيّ من أحياء مدينة نابلس في فلسطين النابضة بمقاومة المحتل، مهما حاول ذلك المحتل اقتلاع ارتباط الإنسان بأرضه وتراثه: "لقد التصقت في ذلك الركن حتى صرت جزءاً منه، وصار جزءاً مني"، ودون استخدام الشعارات الصاخبة المتعارف عليها، ليكرر صورة الإيثار والتمسك بحق الحياة رغم الخوف في مناخ الاقتراب من الفناء "تتسلق الهضاب علّها ترى على مرمى الرمل الأصفر شبحاً بشريّاً"، وهذه الحركة التصويرية ترمز إلى تعلق وتشبث الصبية السمراء بالحياة من أجل "طفل تبحث شفتاه اليابستان عبثاً عن قطرة حليب في ثدي أمّه الجاف"، وتصمد في مكان يحفه الجفاف والقحط ومخاطر المجهول، بحثاً عن النجاة.

الأرواح وسيدة البئر، يلتقون في رحلة البحث عن النجاة والخلاص، وتنتهي بصعود الروح وانسلاخها عن الجسد، لترسو في ساعة الخلاص تحت صخرة مباركة، متجسدة في حارستها "سارة" التي جعلت الأسطورة منها حارسة لبئر الأرواح: (ـ أيتها الأرواح، ادخلي البئر آمنة، حتى يوم الدين..)

نجح الأديب عدنان كنفاني في نهاية القصة بمشاركة المتلقي في عملية البناء الابداعي، ويفتح من خلال جملة تسدل الستار على فصول القصة، نهاية مفتوحة، خصبة لأسئلة كثيرة وتساؤلات أكثر، وفضاء يمكن للمتلقي أن يحّلق معه في أجوائه(ثم أطبقت عليهم، وجلست تراقب بطن الصخرة بفزع، بانتظار أرواح أخرى.)، أما مفردة الفزع، لها دلالات عدة، فإما أنها إشارة إلى رهبة الموت وعالم غيبي، أو الخوف من رحلة إلى عالم المحاسبة وتطهير الروح من آثام الجسد "المادة"، أو لتفسيرات وتأويلات مغايرة...

بئر الأرواح، قصّة تملك كل مقومات الرواية، لكن قصد تكثيفها ببراعة محترف، ليدخل من خلالها إلى العمق الإنساني للقضية، دون أن يصرّح بها بالشعارات والصخب والضجيج.