نقد اللاوعي المهني

سوسن البرغوتي
تزامن ظهور إقامة دعوات قضائية مع وجود الاحتلال الأمرو- صهيوني وغياب القانون السيادي وفوضى عارمة تجتاح البلاد، وبالتالي تجييش ملاحق السلطة المقربين لطاقم "المستقبل" برؤية خارجية مسيطرة، ولنكن أكثر دقة في استخدام المصطلحات لموظفين الهيمنة الأمريكية، الناطقين بالعربية.
لم يقدم كل من أقام الدعوات القضائية أي براهين أو دلائل موضوعية منطقية، إنما ابتعدوا عن الحوار، وادّعوا ديمقراطية المرحلة في ظل احتلال أو وصاية السفارة الأمريكية! ، ثم نقضوا وتناقضوا مع إدعاءاتهم وتوجهوا إلى محاكم المتنفذين..
بهذه الحالة لا يمكن بأي حال اعتبار القضاء مستقلاً ونزيها في زوايا المثلث الأكثر تخبطا وخلطا في بلادنا العربية: بين ضرورة التغيير والاصلاح ، وبين أولوية إخراج المحتل والمسيطر على كافة القطاعات بما فيها الثقافة والصحافة.
تختلف الدعاوى المقامة ضد كتاب وإعلامين يمارسون ثقافة المقاومة، والتي لا يمكن استبعادها عن جوهر توجهها السياسي.فكما يقال "السياسة تدخل في خبزنا اليومي"، فما بالك إن كانت تواجه فريقاً مدعوماً مالياً وسلطوياً.
دعاوى نعرف عنها وأخرى تم التعتيم عليها بفعل نظام يقمع حريات الصحفيين والأدباء والمدونين على الشبكة المعلوماتية، ومنهم من زُج داخل القضبان، بسبب انتمائهم إلى حركة أو حزب يعارض ممارسات السلطة.

أخيرا لا آخرا.. رُفعت دعوى أمام محكمة لبنانية، من قبل فخري كريم ضد الدكتور سماح إدريس، رئيس تحرير مجلة الآداب المعروفة بتاريخها في النشر الأدبي القيّم، بسبب مقال لإدريس بعنوان "نقد الوعي "النقدي": كردستان العراق نموذجاً" (الآداب- 5/6 2007)، تطرق إلى نقد فخري كريم المقرب من صانع القرار "صورةً لا حقيقة" جلال الطالباني، والمعّين رئيساً من الاحتلال الأمريكي في العراق، وتزعّم كريم تنظيم وإدارة مهرجان أربيل في شمال العراق، وترقى إلى مستشار ثقافي لرئيس العراق المدمر، وليست للطالباني أي صفة غير الحاكم بأمر أمريكي.
لم تكن القضية المرفوعة فريدة من نوعها، ولكن ما ورد من المدّعي، أن مجلة الآداب والقائم عليها مجلة أدبية، ليست معنية بالقضايا السياسية!، وبدورنا نسأل رئيس تحرير مجلة المدى والمناضل الشيوعي(حسب ما أورده في مذكرة الاستدعاء)، هل النضال يجعل من صاحبه أداة للاحتلال وموظفيه؟!، وهل الثقافة في حجر صحي وإقامة إجبرية عن ما يحدث في بلادنا العربية من تردٍ للأمن والاستقرار وغياب للسيادة، نتيجة للاحتلال المباشر أو سيطرته على مراكز صنع القرار السياسي، ولماذا لم يجنح للحوار وتصعيد الموضوع إلى القضاء، والمفترض أنهما زميلان في مهنة واحدة، ولماذا لم يرد فخري كريم بمقال آخر، وكفا شر محاكم السطوة؟.
لقد بات واضحاً أن هناك استقواء المقرّبين إلى السلطة، يشهرونه سيوفاً مسلطة على حرية الرأي لكتم الأنفاس.. ناهيك عن ثقافة "الاستحمار" التي أطلق لها مسؤول إعلامي رفيع المستوى في فلسطين المحتلة العنان، موزعاً شهادات تحقير بأسلوب تهديد ووعيد وقذف دون وجه حق، لمن يواجه بالحقائق والأدلة، ثم تجاوزت وُشحذت الأقلام المأجورة بحدها الجارح لتتعرض لكاتبات بالقذف لا لشيء، سوى لمواقفهن المبدئية وقناعتهن بالتجني على أصحاب الرأي.

عودة إلى قضية الدكتور سماح إدريس، واللجوء إلى المحاكم لاختلاف بالرأي، وهي لا تخرج عن إطار ثقافة مبتدعة، من استخفاف واستغفال واستهبال، وإلى آخر تلك المفردات الإقصائية بقدرة متسلط محلي، لم يقدّر حق الزمالة ولم يعتنِ بالحوار وهامش الصحافة في حرية الرأي والرأي الآخر.
والأغرب من هذا أن النضال الشيوعي الذي يتبجح به المدّعي يتناقض مع ما قام به جملة وتفصيلاً، وبدوره أدخل انتماءه الحزبي إلى قضية اعتبرها ثقافية بحتة. فلماذا حلل لنفسه الخلط بين الثقافة والسياسة، وحرمه على غيره؟!

ما يحز في النفس فعلاً، أن قتلة مجرمين اعترفوا بتنفيذ اغتيالات تتعلق بمصير شعوب بأسرها في العراق ومن قبل في فلسطين المحتلة ولبنان، لم يتم رفع قضية ضد أي منهم، بينما نرى القضايا والدعاوي تُرفع ضد من قال "لا" في وجه متسلّط محلي أو أحد أصغر أذنابه لؤماً..فأين هي مؤسسات ومنظمات حقوق الإنسان من إثارة مثل هذه القضايا؟.
إن اللوحة السوريالية العربية، تسمح بوضع خطوط تظليلية للتعتيم الإعلامي وعدم إتاحة الفرصة للمدّعى عليه، حتى بحق التعريف عن وجهة نظره، ومن هنا أدعو المنابر الإعلامية المرئية إلى عرض مثل هذه الظاهرة، بعيدا عن الانحياز، وأدعوها إلى التزام الموضوعية في تحري الحقيقة، وما يكمن وراء تلك الإدعاءات من توظيف سياسي بحت، أو حرب عشواء بين أبناء المهنة الواحدة وصل إلى أفق مسدود لا يقبل الحوارالبناء!، وتبقى قضية الدكتور سماح أدريس أنموذجاً.
 

1/2/2007