...نخوة" تغادر أبناءها"

سوسن البرغوتي

أوقفت الأرملة "نخوة" حياتها على تربية أولادها ورعايتهم، وقدمت لهم الغالي والنفيس من أجل حمايتهم من ظلم الجيران وتربص الأعداء. كانت تعمل في حقلهم الصغير، وحيدة بلا أنيس ولا رفيق، تدمي الأشواك يديها، ويسرق الغبار بصيص النور من عينيها يوماً بعد يوم، إلى أن قطفت ثمار صبرها وتعبها بوصول أبنائها إلى درجة ناجحة من التعليم وأصول المعرفة.

ستون سنة رحلة عمرها الشقي، تحمّلت ما لا يحتمله بشر ولا يقدر على مشقته كل مقتدر من بني البشر، لكنها بالإرادة الصلبة والإيمان بالمستقبل لأبنائها استطاعت أن تمتلك سلاح الصبر والمثابرة لتكمل رسالتها، فكانت دائماً الدرع الواقي لحماية أبنائها، وسندهم بعد الله.

ألم بالأم الضعف والوهن، فلم تعد قادرة على العمل في الحقل، كان حلمها وأملها أن يأتي يوم يبادلها أبناؤها الوفاء بالوفاء والإحسان بالإحسان.

نسي الأبناء كل تضحيات وعطاءات أمهم، وبدؤوا يتصارعون فيما بينهم، كل منهم يظن أنه على صواب، وأن الآخر عليه أن يحمل كل خطايا الكون. تشبث كل منهم برأيه، وتصاعدت وتيرة الشجار والصراع بينهم دون لفتة من أحدهم إلى صحوة ضمير وبيان عرفان لمن منحتهم الآمان لسنوات طويلة، وحرمت على نفسها متع الحياة.كانت تتلقى الصدمات وظلم الناس من أجل أن يصبح أبناؤها رجالاً. بعد أن نبت الريش على أجنحتهم، نبذوها من حياتهم، وشغلهم الشاغل أن يطيح كل منهم بالآخر، يجرّمه ويخوّنه ويجعل من نفسه القاضي والجلاد!.

حزينة "نخوة"، وحيدة تصارع المرض والغربة بين الأحبة. كانت هواجسها لا تفارق مخيلتها أبداً، وهي تراهم لا يأبهون بها، ولا يعيرون بالاً لزراعة الحقل ولا لجني الثمار.. وكنتيجة طبيعية للإهمال نمت الأعشاب الضارّة، وغطت تربة الحقل، ومع مواصلة التجاهل والإهمال لم تعد الأرض صالحة للزراعة.

في وقفة محاسبة مع الذات، اختزلت "نخوة" قسوة ما وصلت إليه، وعادت تضرب أخماساً بأسداس، وتعيد حساباتها، صرخت تستنهض همم أبنائها وعزيمتهم آملة أن يصغوا إليها، تذكرهم بالأيام الخوالي، وحرصها على العناية بهم وتربيتهم، ولكن لا من مستمع ولا من مجيب، فقد ملأ الشك صدورهم، وتنامت الكراهية متناسين كل ما كان يجمع بينهم. كل يصارع الآخر لشيء ما هو في نفس يعقوب، حتى انتهى بهم الحال إلى المجاهرة بالعداء. فما كان من الطامعين بأرضهم واستغلالها لبناء مشاريع تجارية، إلا أن سطوا عليها وسرقوا حلم الأرملة وحق أبنائها بالقوة.
وهكذا فاقت
خلافاتهم ونزاعاتهم أولوية الحفاظ على الأم والأرض. تفرقوا فضعفوا وتبددت ريحهم، لم يعد لهم صوت يسمع ولا هيبة لهم بين البشر، اللهم فرقعات واتهامات يوجهونها لصدور بعضهم. فما كان من أكثرهم خبثاً إلا أن تعاون مع السارقين في غفلة من أخوانه مقابل مكافأة، يطعن ظهورهم، ويبرر ذلك بأنه يريد أن يعيش ومن بعده الطوفان، وباتت طرق الاسترزاق مهما كانت، مبررة في نظرهم، والأم صامتة تراقب ما أصاب فلذات كبدها من تفرق وضياع، يمنّون عليها أنهم ثروة من صلبها، ويتفضلون عليها ببضع كلمات جوفاء.

ماتت "نخوة" بحسرتها، ولم يعد لها أي مكان ولا أي ذكرى في حياة أبنائها، وقضت الغربان الطامعة على الأرض.
هكذا أضاع الأبناء شقاء الأم، وهكذا انتهت النخوة من حياتهم إلى الأبد، وفقدوا مصداقيتهم واحترام الآخرين لهم، لأن من لا يذود عن الحمى والحرمات، يسهل عليه العيش بين الحفر، يترنح كتائه يبحث عن سراب، وينتهي كقشة تصارع ريحاً صرصراً ولا تجد من ينقذها من خبث سرائرها!..
 الحزن والأسى لا يضير إلا صاحبه، والطامع يجر ذيول الخيبة، فلن يجد في أزماته من يقف إلى جانبه..
أما المتصارعون الضعفاء، فلن يكون حالهم إلا كزبد البحر.. كثرٌ هم، ولكن بركتهم معدومة!.

30/3/2008