|
عبد
السلام فزازي / أكاد ير .
-1 تأمـــــــل ..
سعال السنين قد يدفئ أيها الشهيد فضاء قبر لا ينحني لأحد.. وقد
يقلق رغبة الحجر في جوف الأرض.ويستفز عبرة الأوثان في زمن خبز
مالح طالع من طحين القنابل العنقودية..تذكر أيها الشهيد،وحدها
كانت لغة المارنيز تدوي بإيقاعات فراغات عروبة صامتة
مثل الحقيقة في بلادك.. وحدها طحالب البحر تناسلت على شظايا
الكلام المعلق إلى إشعار آخر..
أيها الشهيد !بربك أما سئمت التغني بسمفونية الموت ،وتوحدت مع
النسيان وانتسبت للصمت!..بربك لا تحاول عد كراسي ًجيل
يونسكو ًفهي فارغة من ذكراك.. ملقاة على الرصيف.. ووحده
أبو ذر الغفاري يسير في جنازتها مزهوا بلذة الخطيئة الأولى
.. تمهل قليلا أيها الشهيد، فعصرك يحتمل أكثر من وجهين؛
والبقية تأتي..
-2 حيــــــرة !
ألم يخطئ الشهيد حين عشق كتب التاريخ واغتسل في أروقة الظلام
مخافة أن يدركه ظله؟حقيقة أخرى تنسل إلى دفاترك المنسية
لتذكرها بزمن توحد بالهزائم إلى أن صارت غمامة تستعطف الحقول
والمزارع وتنتعل الكتمان محملة بعبء تاريخها الممتد من سلالة
بني كنعان..هي ذي قمصان موتاك على الرصيف أيها الشهيد تستهوي
عشاق الأساطير،وتبحث فيك عن وجه الموت،فلا ترى إلا وطنا حزينا
يخترقه الليل البهيم ..وطنا مصلوبا على بوابة مشرعة في مهب
الرياح الهوجاء.. وطنا أضناه الانتظار واختصر المسافة نحو
المتاه.. ينام بعين واحدة ويعانق المنفى في حضرة لغة الضاد..
وطنا يفر منه الفراغ ويأبى إلا أن يكون القاتل والمقتول..
-3 ذكــــــرى :
كانت الشوارع تهجره دائما..وكان ينام في دفء ألفة تسامره حروق
السنين العجاف.. وكم كان يسأل الشوارع ذاتها ،تلك الفارغة من
عشاق الأمس القريب؛ليكتب سيرة ذكريات منفلتة باهتة.. عيناه
كانتا تقتاتان صفحات الجرائد الصفراء..تبحثان عن ميلاد خانات
الموتى ليرسم تضاريس أمه الأرض بدخان سجارته المتآكلة .. فما
بال الواعظين احتقرتهم وصاياهم العشر، وصلصلت الأجراس في أحشاء
تاريخ مدجن إلى إشعار آخر؟..
سماواتك أيها الشهيد تحيط بها ثقب الأوزون.. وشؤمك مندس في
زمانك المستعار.. فهل لك أن تمارس غواية الشيطان؟. ًالخليلً
باتت تخاف الورود البلاستيكية ،وتختزل الحرية في صمت عروبة
الحداثة . ورقم اعتقالك أيها الشهيد صار ميلاد صيحة تثور ضد
صهيل الموت.. وما عاد عطار القبيلة يهديك عطره القديم.. تذكر
كيف سقط الشهيد على الشهيد، وفرت القبور مذعورة من صمت بني
كنعان..آه ما أقساك يا زمن الغربة في أحضان العشيرة المشتهاة
!..
-4 حقيقـــــة :
للموت ألف باب وباب،وللحياة سم الخياط.فماذا اعددنا لميلاد
تاريخكم أيها الشهداء غير بكاء الحبيبة على الأطلال ؟ في لحظة
واحدة تأتي الأحداث مثقلة بالمفاجآت،وتتوعر المسالك إلى الضفة
الأخرى مبشرة
بقافلة
الضياع ..إن الطريق إلى الحرية بني أمي تعرفه البنادق القديمة
والجديدة فلا تستعجل أيها الشهيد الأخبار،ولا تستغرق في صمت
الأشياء..كم كنت وحدك تسكن النكبات في زمن انسحب الأحبة
والخلان من الحلبات ليزدردوا الفاجعة تلو الفاجعة مع فيضان
الدماء المغدورة.. أتكون حقا أيها الشهيد أرضك زهرة من
شواظ،وأحلامك بداية الخرافة الملعونة؟وهل بإمكانك أن ترجع
ينبوعا إلى أعالي الجبال الشاهقة وتستحم
في
النهر مرتين؟..لست أدري ،لست أدري..إلا أنك،كم كنت ماسكا جمرتك
بفمك المكلوم ،وقصائد حبك تحترق أمام أنين العالم الجبان.من
هنا مر الترتار.. ومن حارة الأحزان تناسلت الأسئلة كتابا
مذبوحا
من
الوريد إلى الوريد.. زمانك زمن موبوء شرب من جمجمتك العنيدة
،ودق باب صدرك ليغتال فيك القصيدة، فكان ميلاد التراجيديا
الساخرة ..
-5 انتظـــــــار :
متطاول أنت أيها الشهيد من طول النظر إلى النخيل السامق..
تتحسس مدخل الحظائر الدافئة حيث الأزهار البرية تعانق وحدة
الكينونة الخرساء.. وكأنني بك كنت تتطلع إلى من يستطيع أن
ينافس الجبال رفعة وبهاء..ويمشي على الأشواك،ويحاصر اليأس في
حضرة شقائق النعمان الحائرة .. أنت الذي حاول غير ما مرة نبش
الأرض بأسنانه ،وتفجير الأرض العطشى إلى الفؤوس الزاعقة .. كنت
أبدا مثل الشجرة المجدوعة التي تعود إليها البراعم رغم شراهة
الفصول المستعارة..
كم وعدت أيها الشهيد بالمطر الواعد الذي يتحسس طريقه ليفض
بكارة أرض بوار!.. هزائمنا شتى والحروب تبتدئ بتحطيم أسوار
التاريخ الفاسد حتى النخاع .. غدا سترجع الطيور إلى أعشاشها
،ونسمع همس العشاق يعيد سيرته الأولى.. سلاما لزرقة سماء
الصحراء.. سلاما للشارع العربي.. أما آن لفارسه
أن
يترجل؟..
|