...مرثية الدار البيضاء


 عبد السلام  فزازي / أكاد ير .

 من كان يخطر له على بال أن البيضاء سترتدي يوما ثياب الحداد ؟ ومن كان يظن أن يوم الجمعة سيبقى أبدا يوما أبيض ناصعا، يختلي فيه الإنسان إلى ربه ؛ يوم ابيضت فيه وجوه واسودت وجوه، وهي تعيش أفظع مجزرة تكسر فيها زجاج السماء على رؤوس البيضاء ودخلت شظاياها في عيونهم…؟ مجزرة خالها البيضاويون زلزالا عنيفا سيأتي على أحلامهم الصغيرة والكبيرة، ويطمر معالمها وألقها، والمغاربة لا يكادون يصدقون أن مدينتهم البيضاء أراد لها الجبناء أن تلغى بجرة قلم لذنب لم ترتكبه… من كان يصدق أن المغربي المسالم والمؤمن بالتعايش مع كل الأديان السماوية، والمستسلم للأقدار الإلهية، والخاضع للسياسات المتعاقبة الخاضعة للمد والجزر، أن تهان كرامته وتنتهك حرمة بيته من قبل مغامرين تمّ غسل دماغهم وتحريضهم على ضرب جزء من كيانه، فأفرغوا حمولاتهم القاتلة على أرواح أبرياء لا ذنب لهم فيما يجري في باقي القارات الأخرى…؟ ألم يكن من الشجاعة بمكان أن يموت هؤلاء الشبان برصاصة إسرائيلية ليكونوا قد حققوا حلما جميلا ظل يراود الإنسان العربي المسلم، فينالوا نياشين الشهادة في الدنيا، وحسنة الآخرة وهي الجنة..؟ أما أن يموتوا برصاصة ومكيدة مدبرة من قبل اللغز الذي لم يستطع إلى حد الآن الإنسان العربي المسلم تصديق مصدره، فيبقى نوعا من أنواع العبث والازدراء.. إنه قتل وتقتيل مجانين ليس إلا… وألف لعنة على خونة متواطئين أولئك الذين لا يعرفون على صدر من يطلقون نيرانهم الجبانة..

في ليلة الجمعة السوداء ذرفت البيضاء دموعا انسلت إليها عبر فتية كانوا مصممين على شرب النخب من جماجم ذوي القربى، وكننا بهم يتساءلون في لحظة أزفت فيه النار النمرودية معلنة قيامة شابت لها الولدان: لماذا يريدون قتلنا في بيضائنا ؟ ولماذا أغلقوا علينا فضاءات ظلت أبوابها مشرعة ؟ أما كان بإمكانهم أن يقدموا أنفسهم فداء من أجل قضية إنسانية ووطنية وقومية عوض التنكيل بمن لا ناقة لهم ولا جمل في كل ما يجري من جرائم وطغيان..؟ لماذا الهي يهرب الإنسان من عدو لا يعرفه، ويظل يمشي وحيدا وكأنه يمشي صوب مقبرة بلا عنوان ؟..

هكذا ظل موتى يوم الجمعة الأسود فريسة أحلام رحلت عنهم يوم ميلادها. وهكذا رحلت معهم النظرة الحالمة، نظرة المغربي المفرطة في الطيبوبة، والإنسانية التي كانت وستبقى أبدا ترى في العالم قرية واحدة كبيرة.. ما همهم اختلاف الألوان، والألسنة، والثقافات، والديانات، والسياسات المتعاقبة… لم يكونوا أبدا يدركون أن ثمة أناسا قذفت بهم الكراهية والشوفينية، وزنرهم  الحقد الأعمى، وغسل جماجمهم من كل شيء.. أجل، لم يكونوا يدركون أن أمثال رعاة البقر لا يفهمون الإسلام على حقيقته، ويا ليتهم تدبروا القرآن الكريم لوجدوا فيه ما لا يوجد في باقي الديانات السماوية الأخرى من تسامح وتعامل وعبادات تقرب الإنسان من الانسان، والانسان من ربه؛ ولكن مع الأسف الشديد ظل الكثير من أمثال هؤلاء يسيئون للإسلام ويحاولون إشعال الفتنة بين الناس.. وهكذا ظل المقتول غدرا شأنه شأن الفارس المتحرر من أي شخص آخر يجد نفسه وجها لوجه مع الموت في علاقة مباشرة ومستمرة، وهو يعلم أن لا شيء في مثل هذه المواقف يستطيع درأ الموت عنه.. لا شجاعته وبأسه، ولا سلاحه ولا إيمانه، ولا وطنيته ولا عشيرته، لذلك ظل يواجه الموت بدون ستائر أو التواءات، ما دام القاتل هو أخ القتيل، وما دامت أسطورة قابيل وهابيل لا زالت تنبعث من رمادها في كل وقت وحين، وفي كل وطن، وفي كل ديانة، وفي كل سياسة… هكذا بدا للبيضاء أن العالم شرير وغير قابل للهضم، وأن الأخ أصبح أكثر عدائية من العدو الحقيقي. وحين سالت دماء الأبرياء أمكن التأكد للعربي عامة والمغربي خاصة من أن حالة التفاهم والوفاق بين المسلمين في طريقها إلى الزوال.. ولم يعد أمرا مستبعدا على الإطلاق أن تحدث حوادث عنف من نوع أو آخر تعكر على المسلمين والعرب صفاء سرائرهم وأفكارهم. ولكن مما لا شك فيه هو أن المستفيد الأول والأخير من حوادث كهذه التي عاشتها الدار البيضاء هي القوة السرية المتربصة للإسلام والمسلمين؛ أما الهدف الإسلامي الكبير، فإنه أصيب وسيصاب بانتكاسة نفسية كبيرة، لأن أحدا من المسلمين لن يكون بمقدوره تبرير استعمال العنف كطريقة لحل الخلافات، أو التعبير عن السخط لما يجري في الساحات العربية والدولية من تشرذم وانشقاق وانحلال. فالمطلوب من المسلم الحقيقي على أكبر قدر من الأخلاق وحسن التعامل والاستعداد للتضحية في سبيل بناء صرح الوطن والأمة، وهذا لن يتحقق إلا إذا تطهرت القلوب من الأدران، واتجه المؤمنون لله سبحانه وتعالى، وتم التقصي والبحث عن مريدي الفتنة والإرهاب، وتهيئة الأجواء لمشاركة كل المواطنين والوطنيين على شجب التفجيرات والعمليات الإجرامية، ومحاربة المسؤولين عن تلك الجرائم… ولعل المفكر المغربي المهدي المنجرة تنبأ لهذه الكوارث التي أصبحت تأتي على الأخضر واليابس حين قال: « إن مستقبل الممكن والمنشود والذي نحن بصدده يرتكز أساسا على تجديد الإسلام؛ إسلام الاجتهاد وليس إسلام التقليد الذي كان وراء سقوط حضارة ابتعدت تدريجيا عن مهمة الخلق والإبداع اللذين واصلهما المسلمون إلى يوم أعلن فيه بعض الفقهاء جزافا إغلاق باب الاجتهاد. إن الإسلام دين متفتح يترك للفرد مبادرة كبرى وحرية في التكييف والتغيير وتوقع التحولات، فلو أن الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته لم يتوقعوا المستقبلية في فجر الاسلام، لما كان هناك اليوم مليار من المسلمين..»[1].

فماذا يمكن للبيضاء أن ترثيه ؟ أترثي أبناءها الذين اغتالتهم الجهالة الجهلاء على حين غرة، أم تراها سترثي البيضاء التي اكتسحها الطوفان الأزرق، فتحول ليلها إلى نهار، ونهارها إلى ليل بهيم، ضاعت فيه الابتسامة والحركة والبراءة ؟ البيضاء التي أراد لها الأرذال من أبنائها المغرر بهم، أن تتحول إلى بوابة مقفلة على الأفق، تسيجه هذه النسبة العالية من التخريب والتدمير، والحال أن أبناءها لا بد أن تأخذهم الريبة بأنفسهم، كي ينسحبوا من مشهد رعاة البقر، لأنه لا يستطيع بحال من الأحوال أن يقوى على أداء دور في غابة يأكل فيها المتأسلم الضعيف المسلم القوي. من بيضاء الطوفان الأزرق، سيولد وينبعث صوت الشهداء معلنا عنعنة طيف التسامح وقد تطهر من الرجس المدنس تحت عباءة الماكرين الذين انكشفت لعبتهم القاتلة القذرة.. منها سينفجر عهد جديد يحمل عاليا يدا بيضاء تعانق غصن زيتون، فيغرسه البيضاوي على ركام هيروشيما الجمعة السوداء، ليتحول الغصن إلى شجرة مباركة تأتي أكلها كل حين.. ولنردد جهرا نحن المتيمون بالبيضاء : كفانا صراعا حول الأيديولوجيات ما دامت الأرض تهرب من بين أيدينا… تمطرنا السماء بثورة التجديد ونحن نولي لها الأدبار، فتنقلب علينا الثورة إلى ثورة مضادة، فتزيدنا احتلالا وتخلفا وتبعية… وكفانا ضياعا، فكم من أموال بذرناها هباء وكأنها وجدت للسفهاء من… أجل، عندنا من الإمكانيات الضخمة ما يكفينا ويكفي غيرنا، شريطة حسن استعمالها ولأخذ الذين أتيحت لهم نفس الإمكانيات فلم يغفلوها خشية الضياع.. ولعل الدكتور حسن حنفي وضع اليد على الجرح حين قال: « مهمة الحركة الإسلامية أن تكتشف بالفعل أن العالم قد تغير وأن فترة الانتصارات التي عشناها في الماضي قد ولّت، وأن الإسلام قادم، فلنستعد له وذلك بإعادة الاجتهاد. هم رجال ونحن رجال، نتعلم منهم ولا نقتدي بهم، وأن نجتهد في كل شيء …وأن نعرف كيف استطاع أولئك الذين نسميهم بلغة العصر «المتدينين» اكتشاف الطبيعة والكيمياء والطب والنبات والحيوان وقوانين الضوء والحركة والزمان والمكان، وألا تقع الحركة الإسلامية في شراك العلمانية..»[2].

البيضاء التي اكتسحها السواد، لم تكن نائمة عما اعتراها من مأتم بكته البواكي، لأنها طالما عاشت لحظات القتل والتقتيل، وكانت عيون الأمن قد أعلنت استسلاما أو شبه استسلام وكأنها كانت تبحث في حجرة مظلمة عن قطة سوداء ولا وجود لهذه القطة أصلا.. لقد كان القتل الموسمي إشارة واضحة إلى يوم ستسود في وجوه وستترمل فيه نساء.. كانت البيضاء تحمل كفنها على أياديها معلنة أن الطوفان الأزرق قادم من باطن المدينة نفسها، قادم من أبناء ترعرعوا فيها إلى أن شبوا على الطوق. فكان الذبح، وكان الدمار، وكان اليتم، وكان العبث.. البيضاء كانت مشروع سؤال سياسي يتوسل سؤالا ثقافيا، أو سؤال ثقافي يتوسل السياسة، ويعلن بوضوح أننا كأبناء البيضاء ننشد الحرية والسلام في مأزق شامل يحتاج إلى مراجعة ونقد وتعريض.. أكيد أن المأزق الذي تعيشه البيضاء، بل ويعيشه الأمن والاستقرار الذي يعيشه المثقف المغربي بل العربي، والمغيب بالتمام والكمال، لا يختلف عن المأزق السياسي الذي اخترقته اللامبالاة واللهاث نحو الكرسي الضامن للمستقبل المريح، وقطع المسافات، وتحديد الأرقام القياسية نحو الحصول على الكراسي البرلمانية، هي حقا صورة واضحة للعيان عن مصدر جزء من هذا الغضب الذي عاشته البيضاء، غضب دفع الشباب اليائس إلى ن يقع فريسة الوحوش الكاسرة الرابضة وراء أعناقنا، يتربصنا ويتربص أجيالنا القادمة.. إنه الغضب الذي سيدفع لا قدر الله إلى آفاق السواد والإحباط والمتاهات المفتوحة على أكثر من احتمال.. إن من ينظر إلى قيامة الدار البيضاء، حصادنا المر الراهن يستطيع القول بلا مواربة أن حجم التراجع الذي شمل الحاضر المغربي والعربي قد كسر فينا الأمل الذي ولى وراح، وحطم المقدسات التي ظلت رمز شموخنا عبر الأزمنة، بل وهتك النوايا الطيبة التي تلاشت خلسة كي لا ترثيها الأزمنة الغادرة. وكما استطاع غضب البيضاء أن يشعرنا أن المعايير الأخلاقية التي ظلت مثار اهتمام الحساد والأحباب، أصبحت تعيش غرقا من نوع كارثي؛ وجعلت المغربي الغيور له الحق كل الحق في النقد والرجم أحيانا. يقول المنجرة: « استفحال أزمة القيم الاجتماعية والثقافية، فمصداقية المسؤولين مهزوزة، وتعاملهم مع قضايا الاقتصاد الوطني مخترق بالعديد من التهور والمحسوبية واللامبالاة، واستفحال الرشوة بينهم وبين أعوانهم أصبح ظاهرة يعترفون هم أنفسهم بها؛ وتحويل المبالغ الضخمة إلى الخارج أضحى أمرا « مشروعا » يضمن به المختلسون إمكانية استمرار النفوذ عن بعد، ويرونه حماية لهم ولمستقبلهم من كل تقلبات يفاجئهم بها الدهر. هذا إلى جانب المحسوبية والظلم الاجتماعي وانهيار نظام الأخلاق والقيم داخل المجتمعات الإسلامية »[3].

على المجتمع المغربي أن يقدم النقد الذاتي كلما استشعر ثمة إبهاما استطاع أن يخترق الذاكرة، وأن يبحث عن الداء والدواء في الآن ذاته، وأن يتحاشى التجاهل الذي قد ينجب جيلا لقيطا يمكن أن تستغله الوحوش الضارية، وحوش خلقت لتبث الرعب وتهاجم القيم الأخلاقية، وتفسد في الأرض باسم شعارات تتربص بالأوضاع كي تصنع له القنابل العنقودية.. ولقد استطاعت في كثير من الأحيان أن تفرغ الثقافة الهشة من مضمونها السلوكي، وكانت بذلك خطرا حقيقيا على مثقفيها، وعلى المجتمع بوجه عام، فتحول خلالها المثقف إلى أداة استهلاكية،  ينحصر هدفه في المكاسب المادية.. ويصبح بذلك الكذب والنفاق وكل المباذل السلوكية، أدوات إنتاج تعظم قيمتها بمقدار ما تحقق لصحابها المكاسب المادية المختلفة، ويتحول المثقف إلى مخلوق أسطوري مهمته تدمير القيم الإنسانية من حيث يدري أو لا يدري وليس بناء النموذج البشري الذي تتطلع إليه الإنسانية.. فإن كان المثقف قابلا للسقوط في مثل هذه الأطماع المادية، فما بالك بالإنسان العادي الذي أصبح يعيش القهر والضياع دونما أمل قد يأتي أو لا يأتي !.. ولقد علمتنا أحداث البيضاء دون أي تشاؤم يذكر أن المجتمع الذي يعاني من التنابذ والتلون، والانحرافات الاجتماعية والسلوكية، والتسابق على الشكليات، والهتاف بالشعارات وإيثار السلامة والهروب من المسؤوليات، واستمراء السهل في كل الأمور ليست متفشية أو مباحة فحسب، ولكن السعي إليها اصبح مشروعا لا يستنكره عرف، ولا يقوى قانون على إيقافه لعجز المجتمع عن إفراز المدعي الذي يرفض ذلك ويستنكره ويدينه، بل إن هذا الواقع الذي عاشته البيضاء هو إشارة واضحة لنتيجة التخلف الذاتي التي عانت منه أمتنا سابقا فمهدت الطريق للمستعمر، وبالتالي يحق لنا أن ننبه إلى أن الهروب من الماضي المخيف هو فرض إجباري على المسؤولين أن لا يقعوا فيه مرة أخرى، وعلى المواطنين أن يراجعوا تاريخ الاستعمار لتحقيق مشروع وطني مغربي قائم على الديموقراطية المواطنة. وليعلم الجميع أن هذه الحالة التي عاشتها البيضاء كما عاشها المغاربة قاطبة بكل أوجاعها وتناقضاتها، وما ترتب عنها من تهديد ووعيد قد لا يقف عند هذا العجز والتخلف بل يتعداه إلى الكيان العام برمته، لم ولن يستطيع أن يحدث الصدمة التي تحقق الصحوة القادرة على تدارك الأمور قبل أن يقع المحظور لأن جرعات السموم ما زالت أكبر من قدرات الجسد على احتمالها، وأن كل الظواهر تؤكد استمرارية عملية التخلف التي تؤكدها استمرارية التبعية الاقتصادية وغير الاقتصادية إلى ما وراء الحدود: «… إن افتقارنا إلى ذاكرة جماعية، هو سبب أساسي في ضعفنا… إننا نتمسك بمبدأ التسامح خاصة وأن الإسلام جاء بهذا التسامح. وبذلك نكون قد محونا ذاكرتنا الجماعية. لم نعد نتذكر أن فلانا كان مناضلا، لم نعد نتذكر أن في سنة 1953 وضع فلان أو فلان قنبلة في السوق المركزي، هذا ماض، ونحن الآن في عصر التعاون ولنا علاقات مع أروبا، ولنا أم حنون هي فرنسا، يجب أن لا نفعل شيئا يزعجها، إلى غير ذلك من هذا الكلام. فلننظر إلى قواد إسرائيل كيف استغلوا ذاكرتهم الجماعية، هذه الذاكرة التي تؤدي عليها الثمن يوميا الدول الأخرى، فماذا يمنعنا نحن من التشبث بذاكرتنا الجماعية..»[4].

إن مرثية البيضاء هي مرثية من لا يستوعب الدروس التي طالما دقت ناقوس الخطر معلنة بداية فتنة هي أشد من القتل.. هي مرثية من يرى النار وقد أتت على بيت الجار وهو نائم نوم أصحاب الكهف، وكأن الأمر لا يعنيه في شيء، بل وكأن النار ذاتها ستكتفي بما حولها، متناسيا أنها تحمل شعارا أبديا « هل من مزيد »، وأن اللعب بورقة الدين أصبحت مكشوفة ما دامت تمثل نوعا من أنواع التكتيك، والمراوغة السياسية، ولا تمت بصلة إلى عمل من أعمال الإيمان والورع؛ لذلك على من يتحمل المسؤولية أن يعلم الجماهير الطيبة المسالمة أن لا تندفع وراء الشعارات الدينية البراقة التي يتبناها قطاع الطرق الذين يمارسون التقتيل والتنكيل باسم الإسلام، وهم في الحقيقة يمارسونه كبضاعة مغشوشة فاسدة، يقتحمون بها أفئدة من هم في أمس الحاجة إلى الحضانة والرعاية الغائبتين في إستراتيجيات الشعوب، والحكومات، والأحزاب، والجمعيات الموكولة لها هذا الفعل النبيل.. مرثية البيضاء، هي مرثية مجتمع نخرته المحسوبية والرشوة والاخوانيات، واكتسحته سياسة «وبعدي الطوفان».. هي مرثية فراغ استغله من تحول من ذئب إلى ناسك لبس جبة بهلوانية، وتأبط سبحته الماكرة، وثار على الموسى ليترك الحرية للحيته الطويلة عساها تعطيه تأشيرة الإسلام.. هي مرثية من تحول بين عشية وضحاها إلى مفتي يصدر أوامره المطاعة ليقتل الأبرياء دون أن يستغفر الله؛ ويشعر يوما بالندامة، ودون أن يشعر بعقدة الذنب وهو يمارس طقوسا تتنافى وتعاليم الإسلام، بل وجميع الديانات السماوية..

أكيد أن الذي وقع في البيضاء يشبه تماما المريض الذي استيقظ من المخدر في غرفة العمليات حيث الإحساس بالألم بعد الجراحة، وبالكثير من الغضب والإحساس أن شيئا ما لم يعد كما كان من قبل. والنتيجة الإيجابية في كل هذا هو أن يدرك الفاعل والمفعول به، والسبب والمسبب أن الآخر أصبح حقيقة، وأنه سيبقى يتربصه ما لم يعد له العدة، ويحاور المتآمر في أفكاره التي تحولت على حين غرة إلى قتل ورعب ودمار وكما يتحول هذا الخطاب الإرهابي إلى خطاب للسلام حتى يتم التوصل إلى ثقافة:

« قادرة على التمييز بين ما هو إنساني وما هو عنصري في ثقافة الآخر، وعلى إدراك المشترك الإنساني الذي آن لنا أن نطور وسائل حضورنا الحي فيه، من موقع خصوصية متحررة من عقدة النقص ومن عقدة الانغلاق معا.

لا نريد ن نكون أبطالا أكثر،

لا نريد ن نكون ضحايا أكثر،

لا نريد أكثر من أن نكون بشرا عاديين..[5].

يجب أن ننصت إلى بعضنا ونمد اليد البيضاء لمن هم في حاجة إلينا، ولا نتركهم عرضة للتيه الذي أصبح بضاعة قابلة للترميم حتى يصير خرابا كبيرا يتقامر به قطاع الطرق ومصاصي دم الأحرار، وحتى يصير شرفاء الوطن يعيشون لا قدر الله في الشتات، ولتكن مرثية البيضاء أول « عملية جراحية من نوعها في التاريخ المغربي يقوم بها حلاقون مضطربون، لا يحملون شهادة في الجراحة… ولا شهادة في الحلاقة..»· سلاما عليك أيتها المدينة الشهيدة وليشرب الحاقدون البحار…

                                   عبد السلام فزازي

د.بكلية الآداب والعلوم الانسانية

أغادير / المغرب

العنوان الشخصي:ص.ب:1106 البريد المركزي أغادير المغرب


 

[1] - المهدي المنجرة، الحرب الحضارية الأولى مستقبل الماضي وماضي المستقبل، عيون  المغرب، الشهاب، الجزائر. ط 1، ص:253

[2] -الدكتور حسن حنفي: الصحوة الإسلامية قانون تاريخي لا يمكن إيقافه، مجلة العالم، لندن، ص:46.

[3] - المنجرة، المرجع السابق، ص:283.

[4] - المنجرة، المرجع السابق، ص:130.

[5] - محمود درويش، المكان في مكانه، الكرمل شتاء 1997 ، عدد:50، ص:245.

- سعاد الصباح، هل تسمحون لي أن أحب وطني، دار سعاد الصباح، الكويت ص: 81ب.تصرف