|
سوسن البرغوتي
ريح عاتية عصفت بالأرض، اقتعلت الأشجار ودمرت البيوت، وقضت على الحقول.الحرائق تندلع في كل مكان، تنقل الريح شراراتها إلى جهات كثيرة، ما أوقع الناس في ذعر شديد، فالموت يحيط بهم من كل جانب، وبقاؤهم على قيد الحياة ليس أكثر من رهينة مؤجّلة، لا أحد يعلم كيف ومتى وسط هذا الخراب، مما دفع بالكثيرين من أهل القرية المنكوبة هجرها إلى أي مكان قد يقودهم إلى شيء من الأمان، ولاذ الباقون الذين لم يجدوا سبلاً للهروب من حمى الموت في ملاجئ قد تقيهم فورة الغضب المتوحش، وكأنهم يحنون رؤوسهم أمام هبوب العاصفة.
في أي مكان يحل فيه الخراب، تنشط الغربان، وتفتح شهياتها للإقامة قريباً من مسقط أرزاقها، فتبني أعشاشها على غصون الأشجار الباقية المتفحّمة، تزعق وتغير ليلاً لتلتقط أقواتها من بقايا الناس الهالكين.
يوماً بعد يوم، وموسم الدمار والهلاك يعصف بالناس، تعيش الغربان وقتها السعيد، فالرزق وفير، ولحم الناس المحروق يقوّي في أكبادها شهوة القتل، فقويت شوكتها، ومن تبقى من الناس يراقبون دون أن يملكوا قرار أنفسهم وحياتهم ما آل إليه حال قريتهم.
أما الذين هاجروا عن قريتهم المنكوبة ناجين بحياتهم، فقد شغلتهم تصاريف الحياة والبحث عن وسائل البقاء، وما أن استقر بهم الحال في بلاد الشتات حتى طابت لهم الإقامة، لكنهم لم ينسوا منبتهم، ولا سحر الذكريات وعشقهم للأرض التي درجوا عليها، والتي استقبلت إطلالتهم على الحياة، فهناك أحبة لهم شاركوهم هموم الحياة، ونبضات الانتماء، ولحظات الفرح، إنها تلك الذاكرة الوجدانية التي تمس الروح، ما زالوا على جفوة البعد يتغنون بها، لكن الحياة أقوى من ذاكرةٍ كل ما فيها خوف وهلع وموت.
بقيت الغربان ترتع على أرض محروقة، وعلى أغصان يابسة تالفة، والناس الذين تقطّعت بهم السبل، وحوصروا على أرضهم ولا حول لهم ولا حيلة، يعيشون في الظل المعتم كأنهم الغرباء ينعون في كل لحظة حظهم العاثر الذي أوصلهم إلى هذا المصير.
وكان عليهم، وعلى الناضجين منهم التدارس فيما بينهم عن وسيلة يمكن أن يتجاوزوا بها مصائبهم، فشكلوا خلية يتباحثون فيها حول كيفية إعادة بناء دورهم، ولكن الغربان كانوا جداراً مانعاً من تحقيق أمنياتهم، وأقوى تأثيراً من العواصف والحرائق التي عصفت بقريتهم، فقد استوطنت واستملكت خرائب القرية وما حولها، ما زاد عبئاً على أهل القرية، فهم أمام استحقاقات كثيرة، لعل من أهمها الخلاص من أسراب الغربان التي تعيث فساداً في أرزاقهم، والبدء في تحرير الأرض من آثار الخراب ثم إعادة بناء ما دمرته العواصف والحرائق.
بين أولويات تلك الاستحقاقات وكل يرى ما لا يراه غيره من أهل القرية ما تسبب بانقسامٍ أشاع الفتنة بينهم، وكل طرف يكيل التهم للآخر في محاولات لفرض الرأي بالقوّة لا بالحجة، وبكثير من الاستهتار بمصير الناس البسطاء، رغبة في ركوب كرسي القيادة، وهذا ما أنتج بقاء الواقع على الأرض كما هو بل وزيادة في السوء. لكن دورة الحياة في الطبيعة لم تتوقف، وكانت بصمتها تعلن تحديها واستمرارها في إنتاج بقاء واستمرار الحياة، فقد بدأت البراعم تتفتح على أكمام غصون الأشجار وتطرح ثمارها، والأرض تخرج من جوفها نباتها الأخضر ليمسح عنها يباس الأشواك، وتغطي السهوب بلونها البهيج، والشمس تشرق في كل صباح رغم كراهة الغربان لأشعتها الكاشفة..
وما أن أفرزت الطبيعة مكنوناتها الأليفة حتى عاد الناموس الأزلي يفرض نفسه، ويستنهض همم أهل القرية، ويشجعهم على الخروج من ملاجئ الخوف، وشيئاً فشيئاً إلى التأقلم الجديد مع فروض الطبيعة.
تقاسموا الأعمال فيما بينهم، فريق يعتني بالأشجار، وآخر يعيد بناء ما هدّمته العواصف وما خرّبته الغربان، ولكن المفارقة التي أتعبت جهودهم كانت في إصرار الغربان على غزواتها الليلية، يخربون ما يصلحه الناس في النهار.
لم يعد لهم خيار آخر إلا القضاء على تلك الطيور المخربة، وقد انتشرت أعشاشها في كل مكان، وكان عليهم قبل أن يزرعوا ويبنوا أن يتخلصوا بداية من الغربان، مفترضين أنها البداية الصحيحة لتوفير الأمن والاستقرار، إذ ما الفائدة في أي جهد ما دام التخريب قائماً؟. حاولوا إحراق الأعشاش، ولكنهم أمام الانتشار المرعب للغربان، فشلوا في ذلك.
استنجدوا بأهالي القرى المجاورة، ولكن لا حياة لمن تنادي، فكل منشغل بأمر نفسه، بل وذهب الخوف بولاة أمور تلك القرى والمناطق من انتقال الغربان إلى مناطقهم، أن أقاموا حصاراً من نوع آخر يمدّ الغربان بالطعام والقوة والدعم بما يبقيها في تلك القرية المنكوبة، واهمين أن هذا السلوك يمكن أن ينجيهم من غزو الغربان، ولكن هيهات فقد تكاثرت سريعاً، وقويت أكثر وهي تمارس كل سطوتها دون رادع، بل وبكثير من الدعم ما شجعها على التوسع وبسط سيطرتها على كل المناطق التي تستطيع الوصول إليها.
انتشر الخراب، واتسعت سطوة الغربان ولم يعد لها حدود لشهوتها، وتعاظمت نكبة الجميع، وكل منهم يحمل نوايا السوء للآخر، وكل منهم لا يسأل إلا على إنقاذ نفسه وممتلكاته.
شاب في مقتبل العمر، يخرج من بين الناس المحاصرين بأسراب الغربان والخراب، يجمع حوله شباباً في مثل سنّه، يتحدث إليهم، ويعلن بصوت ملؤه الإصرار والتصميم، يقول:
ـ إن لم يقترن العمل بالنوايا الصادقة، فلن يتغير الواقع المرير الذي تعاني منه أرضنا المحتلة، وإن لم ندرك جميعنا أن حياتنا الآن وسط مخلفات وسطوة الغربان، ليست أكثر من حياة في مزبلة المحتلين، وبقاؤنا على هذا الحال سينتهي بنا جميعاً إلى الهلاك.
كان الجميع يستمعون إليه بكثير من الانتباه، ويشحنون في صدورهم أملاً جديداً لبدء جولة صمود جديدة. |