سيرة ليست ذاتية

السيرة الذاتية للمبدع لا تحددها سنوات متسلسلة، ولا شهادات معلقة على الجدران في أطر ذهبية، وبدايته ليست اللحظة التي خط فيها أول قصة أو قصيدة أو عبث بألوانه على مساحات بيضاء، اللحظة الحقيقية لا يعلمها المبدع نفسه، لأنها تسكن في طفولته، وفي عينيه وأذنيه، وفي الأفق الذي يختلي به ويجتلي ما بعده، ويتجلى معه، وهذه الحروف تجره وتجرجره نحو أسئلة مؤلمة، أكبر من جمجمة صغيرة، وأهم من دمية يعبث بها طفل. هذه الأسئلة هي نواة المبدع، التي تشكل لاحقا علاقته بذاته وبمجتمعه وبالكون، وتجعله على تماس دائم مع القلق. فالمبدع والقلق توأمان، القلق أهم حقيقية يعرفها، وفي بحثه عن أسبابها تنطلق شرارة الإبداع .

هل هناك حقيقة أكثر من المنفى، وهل هنالك قلق يوازي قلق المنفي، وهل هنالك تساؤل أكبر من بكاء صبيحة يوم العيد ؟ وجمجمة الصبي تكاد تتفجر قلقا من المشهد، والسؤال الكبير، بحجم الغموض المراوغ، لماذا ؟ وقليلا قليلا، لماذا نحن؟ وبعدها، اصطدام بالثوابت والأقدار والصبر والسياسات والوعود. هل هنالك قلق أكبر حجما من انتظار ما لا يأتي ؟

هي قصيدة إذاً، مع مراقبة الشمس وهي "تسقط في البحر" في لحظة تأمل جارحة، وهي قصة تكتبها خطوات طفل يعود مساء إلى بيت القلق ! حيث الأرق في انتظاره، وصمت الليل، وأصوات تكسر العتمة بوحشية، ورعب في البيت المنفي، وسط عائلة منفية، في روح أكثر نفيا، في انتظار المنقذ، أي انتظار لما سوف يأتي، ومتى .. ؟

البطل، لا يتجسد في عضلات الساعد، هو لا يتجسد، يصبح، في مرحلة الوعي الجمالي، كامرأة الحلم. مر أبطال كثيرون، ولم يكونوا هم، شيء أكبر منهم، شكلا ومضمونا ولغة ورائحة، بطل له قداسة ما، في منفى مقدس، لم يحصل على اعتراف بقداسته .

في لحظة البحث عن الاعتراف، ثمة ميل شديد نحو البكاء، هل هو استجداء، أم تطهير، أم عجز، ثم يتحول الألم إلى معجزة، وينطلق المارد، وينهض الفينيق، ويبدو الحلم أكثر اخضرارا ، لكن المنفى لا يغيب، بل يضمخه الموت إثر الموت، حتى يشيد المنفى مقبرته الخاصة .

هنا وطن آخر مليء بزيارة الأحبة الراحلين من منفاهم، وهنا عشق ينمو، وزواج يتم، وأبناء، وطن يكبر في المنفى ..

كل شيء لا نهائي، المرأة ليست تلك، والأب ليس ذاك، والأم ليست هي، والحبيبة أنموذج لأخرى في الحنايا والمرايا والأفق، حيث تحلو مناجاتها .

المنفى يفرّخ عشرات المنافي، والقلق يتعتق، ويتحول أرتال نمل تستوطن الخلايا، وتبدأ الأسئلة تترنح حاملة معها البكاء ويصيح بكل ما أوتي من ضجر، ينادي امرأة بحجم أمه التي في الأفق، أن تنقذه من الخراب ..

يتحول الإبداع ساعتها إلى بحث في الخراب .. هل هنالك فرق ؟!!