|
جغرافية الخنادق كل ما أتذكره عن ذلك الرجل سأقوله ، نعم سأقوله دون تردد أو حرج ، كان معي في خندق واحد ، وكنت أعرف طباعه جيدا مثلما أعرف نفسي ، وكنا نقاتل ، منذ زمن سحيق ونحن نقاتل ، ويقال إننا دخلنا الخنادق قبل ظهور مرض الإيدز في بلاد الشرق ، وأكاد أجزم إنني لم أعد أذكر من الوجوه إلا وجهه، كلماته ، ملامحه، تحليلاته لأسباب ومبررات هذه الحرب التي وصفها ذات ليلة بأنها الحرب التي لا نهاية لها ، سألته عن كيفية استمرارنا في القتال إذا ما انتهت أعمارنا ومتنا قال لي وبكل حزم وثقة: - حين نموت وندخل القبور نجد أنفسنا نقاتل في ذات الحرب وذات الخنادق ، عشنا حالة الحرب كحالة نفسية استساغتها عقولنا وحواسنا ، ألفتنا وألفناها، لم نسأل .. لحساب من نقاتل ؟ ضد من نقاتل ؟ لم نسأل .. ، كنا نخشى السؤال وصارت حالة الخوف ملاذا لنا حين يتعبنا أرق السؤال، كنا معا ليل نهار ، الصيف مع الشتاء، وصرنا نعرف كيف نحسب النجوم في الليالي المقمرة ونحدد اتجاهات المجموعات النجمية وكان هو حاذق في قراءة الأبراج ، ورؤية ما لاتراه عيني ، تكلم معي كثيرا ، وكذب علي كثيرا . كان يتكلم ويطلق الرصاص ، يتكلم ويدخن ، يطلق الرصاص ويغني ، له صوت جميل دائما أصغي إليه، وأذكر كذبه المستمر وأقبل كذبه برضى ، برغبة تقترب من تصديقه ، يعتبرني المغفل الوحيد القريب منه والذي يستطيع أن يمرر كلامه إلى رأسي بسهولـة ، يقاتل ويستهلك السجائر المستوردة، ولأني المغفل المنقاد لكلامه ورغباته يقنعني بالذهاب تحت جنح الظلام إلى الخطوط الأمامية لجلب السجائر له من سمسار يتعامل معه سرا يأتي من طرف المعركة الآخر ، أخبرني ذات مرة عن حقيقة هذا السمسار وقال إنه عميل مزدوج ، وصرت أشك بحقيقة الرجل الموجود معي في الخندق، اعتقدته في البدء أحد أفراد الجهاز السري المكلف بتقصي أخبار الأفراد ومدى إخلاصهم للجهة التي كلفتهم بإدارة حصتها من هذه الحرب الطويلة، قلت إنه مجرد فرد من هؤلاء الأفراد المكلفين بإدارة الحرب شاءوا أم أبوا ، ولكن خبرته بأساليب الحرب ومعرفته الأكيدة لأمور كثيرة تخص إدارة العمليات العسكرية جعلتني التصق به وأعايشه رغم كذبه ومساوئه ، أرسلني إلى ما يسمى بيته مع معرفتي المسبقة بكذبه، جعلني أدخل بيتا مليئا بالشياطين وصدقت للوهلة الأولى إنه بيته مع ذكره لي إنه مقطوع لاأهل له ولا بيت ويعيش طيلة حياته في الخنادق والحفر ، ومع ذلك ذهبت إلى البيت الذي وصفه لي ورسم مخططا بسيطا كي يساعدني في الوصول إليه ، وأقنعني كعادته بالذهاب ، وذهبت، هذا ما تأكدت منه ليلة رؤيته ضمن أفراد الجوقة الموسيقية في ذات البيت ، وحاولت أن أتناسى كل شيء لحظة وضع خطوتي في بداية الشارع المؤدي إلى بيته . كان الشارع ممتدا بعيدا واسعا تتوزع على جانبيه صفوف من أشجار اليوكالبتوس الضخمة وأعمدة إنارة تخفيها الأغصان المتشابكة وأرصفة قديمة يكاد بلاطها يتخسف تحت وقع الأقدام ،وأنا أحاول الاستمرار في نقل خطواتي تسللت يدي إلى جيبي فاصدمت أصابعي بالوريقة التي تحمل المخطط ، فتذكرت وجوده معي ، سمعت صوته في بطانة سترتي ، طلب مني أن أناوله سيجارة مستوردة فرفضت بحجة أن السجائر غير متيسرة الآن، قال : ضع يدك في جيبك .. فوضعتها ووجدت سيجارة متكسرة، أخرجتها وناولتها له وسط إحراج غلف ملامحي ، حدق في بعد أن تجلت قامته أمامي، حدق في بازدراء ولفظ كلمة تافه واختفى، لم يختف كلياً في البدء بل سار عدة خطوات واضمحلت قامته شيئا فشيئا ، ولم أعد أراه . حاولت المشي ،
صادفتني مجموعة من الأطفال يلهون في وسط الشارع ، كانوا يرسمون بأقلام
الطباشير مثلثات ويطلقونها بكرات زجاجية ملونة ذكرتني بلعبة أحببتها كثيرا في
طفولتي ، كانوا ثلاثة وربما أربعة ، دهشت وأنا ألمح صورته معهم ، اقتربت منه
وحاولت أن أتعرف عليه ، إلا إنه تظاهر بعدم معرفتي ، بل سخر مني حينما سألته
عن ذلك الرجل ونفى وجوده في المكان الذي أشرت إليه ، وأنا أردد في خلدي :
أيها المغفل تسأله عن نفسه، إنه عميل ، متنكر بزي مقاتل، إلى متى تبقى منخدع
به ؟ ، ثم انتبهت لصوته ، إنه صوته .. نعم إنه صوته أسمعه كل لحظة في الخندق
، صار صوته يحثني على مواصلة المشي ،طلب مني عدم الإصغاء لمهاترات هؤلاء
الصبية المشاكسين الذين يخظعون الشارع لسيطرة وهمية ، قلت له دون أن أراه :
لقد قذفوني بكرة زجاجية انفجرت بين ساقي، ولما ضحك هازئا مني عدت وتشاجرت معه
في الخندق ولأني أرفض صفة الجبن كنوع من المكابرة المزيفة، ولأنني هكذا عمدت
إلى رمي شريط من الرصاص في الهواء وبالفعل انفجرت الكرة الزجاجية بين قدمي،
وكنت في مواجهة حقيقية مع الشظايا والانفجارات ، مع تراجيديا خوف صارمة حيث
لاخنادق ولا حفر يحاول الفرد أن يستتر بها في مثل هذه الظروف ، حاولت الهرب ،
وهربت ، كنت أركض فوق عظامي، ، فالشظايا عمياء وتوقعاتي عن النتائج سلبية جدا
، فالحرب الطويلة الأمد نمت الحدس فينا وجعلتنا أقرب إلى تحديد السيء من
الأسوأ ، وحدث ما توقعته إنما الشيء الذي لم أتوقع حدوثه في هكذا لحظات صارخة
هو رؤيته أمامي ، وكذبت هواجسي وقلت إن مخيلتي أصيبت بحمى الرؤيا المتكررة ،
تكلم معي في ظروف حرجة كنت فيها منشغل بتحديد أدق إحداثيات الأمكنة المحتمل
اللجوء إليها ،قال لي لاتكن سخيفا، إنهم أطفال وتلك ألعاب دونكيشوتية ، التفت
إليه وأنا في غاية الذعر، كنت ألعن فيه وأكذب ما تراه عيناي، همست : أي ساحر
حل في هذا الخندق الوسخ ، تم سمعت صوته كأنه يطاردني : دع عنك الأفكار السيئة
، تلفتّ ونعلي في يدي وبرودة الإسفلت تنغل في عظام قدمي ، تنبهت لوجود شجرة
يوكالبتوس ضخمة باتت قريبة مني ، حثثت خطواتي صوبها ولذت وراء جذعها الخشن
القشر ، ضمن حشد من ردود أفعال متضادة ، نفس يتحشرج ، لهاث يبقر الصدر ، نبض
يدمدم أسفل الضلوع مثل رقص مجنون ، قطرات عرق تفور تم تسيل وتغرق أخاديد جلدي
تدخل ثقوب جسدي دون إرادة مني ، وبغتة يندفع الرأس الأصلع شاقا قامة الشجرة
العملاقة ويبصق في وجهي ، هكذا في ثوان استحالت قامة الشجرة كتلة حجرية مشفرة
- رصاص بندقيتك لن يخطئ أبدا ،
وإن القتلى لايمكن إحصاء عددهم في الطرف الآخر من المعركة ،ولأنهم بعيدون عنا
لايمكن رؤيتهم ،كنت متأكدا من كذبه لأنني ببساطة لم أرفع رأسي يوما فوق مستوى
سطح الخندق ،كنت أمارس فعل إطلاق النار ورأسي بين ساقي ، وفوهة بندقيتي دوما
مصوبة نحو السماء ،وقلت فيما بعد إنني أقاتل السماء ، إذن هكذا .. أنا شجاع
ولاريب ، ومقاتل ذو بأس شديد ، على الأقل لإيجاد مبرر مقنع لبقائي كل هذه
السنين في الحفرة ، وبعد أن أيقنت من عدم وجوده معي في الشارع حاولت المشي،
بدا الشارع للحظة مليئا بالأجساد ، تكاثر الأطفال، صاروا جموعا غفيرة ، وأخذت
الكرات الزجاجية تنفجر وتتشظى باستمرار ، أحدهم نادى ورائي ، كنت خائفا في
بادئ الأمر ، حاولت أن أتجاهله، صرخ بي مرة ثانية ، استغربت .. انه يعرف اسمي
، كرر صرخته ، ولأنني حذر من النتائج السيئة التفت وقفت أستجمع قواي في الوقت الذي خلى فيه الشارع من حشد الأطفال وخيم هدوء حذر ، تأملت الأشياء ، كانت عادية وبدت مملة لرؤيتها التقليدية ، الأشجار وفوهات الأزقة والجدران وبلاط الأرصفة العتيق ، تسللت يدي إلى جيبي ، الوريقة من جديد ، تذكرت التفاصيل وحالة الجبن التي تلبستني وأنا أواجه ثلة الأطفال والعابهم ، والتي لا تتناسب مع كوني أحد المقاتلين الذين يخوضون حربا طويلة الأمد ، بعد أن زودني ذلك الرجل بمعلومات وفيرة عن هذه الحرب ، وذكر لي بأنه اشترك في حروب كثيرة وفي كل حرب يصاب بطلق ناري ، ومات مرات عديدة ، قال لي : في كل ميتة أرى قبري وما إن يدخلوني فيه حتى أجد نفسي أخوض حربا تشبه هذه الحرب وأيقنت أن الحروب مثل النساء ، لذا سميتها الحرب طويلة الأمد ، وسألته عن حقيقة هذه الحرب وكيف وجدنا في خندق واحد بالرغم من عدم وجود معرفة مسبقة بيننا ، أجابني : -الحرب لا تحتاج للتعارف ، واستطرد .. في آخر حرب خضتها لم أشأ الموت ، كنت أبغضه ، رغبت الاستمرار في القتال ولكنهم أرغموني على قبول حالة الموت ، وقاطعته : أنا لم أمت بعد أنا أقاتل الآن ، إذا كنت تتوقع إنني ميت فأنت مخطئ، أنا لم أمت بعد ، ولما يئست من إمكانية سماعه لي عدت أنصت لكلماته،وكان يؤكد باستمرار أن هذه الحرب لا تنتهي إنها طويلة الأمد ، تذكرت الشارع الطويل ، الذي بدا لا نهاية له ، وبالرغم من كذبه المتواصل كنت أستجيب لرغباته صرت قبالة الباب ، مددت يدي
وحركت أكرة الباب ، كانت خضراء اللون .. هو ذكر لي ذلك .. قال: إنها خشبية - إن من يدخل هذه الخنادق يترك رجولته وراءه ، بعد أن أرغمونا على قبول الموت لنكون ضمن مساحة الحرب الطويلة الأمد ، منذ ذلك الحين فقدنا ذكورتنا ، قاطعته من جديد : أنا لم أمت بعد ومازلت ذكرا ، أنا أقاتل هنا فقط .فقط ، ثم أشار لي بسبابته أن أسكت فسكت، وعلق على كلماتي قائلا: - مادمت تقاتل الملائكة في
السماء فأنت ميت منذ قرون ، ومازحني بكلمات ضاحكة تؤكد ضمنا موت ذكورتي
واستفزتني تلك الكلمات فدخلت الغرفة الصغيرة متحمسا ، رأيت الفتاة وسرير
النوم والنافذة المفتوحة والثوب الداخلي المعلق بعمود السرير والذي يقطر منه
الدم باستمرار، وكأن الفتاة تعيش العرس الوحشي كل وقتها ،وبانت في السقف
قضبان حديدية ملتوية تكشف عن فتحة دائرية بطول ذراع أو ذراعين تجاه السماء ،
وتدلت خصلات شعر أشقر ممزقة وانزاحت صفحة الباب ، كان الصوت صاخبا تلته أصوات
متداخلة وظهرت في فسحة الغرفة رؤوس مشوهة توزعت من حولي ، أجساد نارية أحاطت
بالسرير المفروش بقماش أبيض إن لم أخطئ لذهولي في تلك اللحظات ، ولمحت لوحة
زيتية بإطار مذهب احتوت معالم كثيرة تؤكد حالة الحرب التي أعيشها واحتشدت
الأجساد في صفوف منسقة وتشكلت جوقة موسيقية بدأت تعزف ألحانا صاخبة وتسورت
وجوه العازفين بملامح عاهرة وبرغم الخوف المتلبس في كنت ألمح وجها يكاد يكون
قريب من ذاكرتي ، كأنه يلاحقني بنظراته الحادة والوقحة في بعض الأحيان ،
ولأول مرة أضفت إلى ملاحظاتي عن ذلك الرجل إنه ذو ملامح عاهرة ، وصخبت الرؤوس
للحظة ، اختفت الفتاة والسرير ولم أعد أرىالنافذة ، تحركت أحشاء اللوحة
وتوقعت أن الحرب التي نخوضها سوف تجبرنا على ترك خنادقنا ، وحضرت الكرات
الزجاجية وحضر وفي خضم انشغالي سمعت صوته يتكلم في وقت كانت الرغبة متأججة في لمسك رقبته وخنقه ، يحاول أن يزرع في رأسي معلومة جديدة عن الحرب ، صوته صار أكثر قبحا وكلماته باتت جارحة قاطعته بصوت غاضب : أنا لم أمت ولم أفقد ذكورتي ، مازلت أقاتل أيها السافل ، ولما حاول إسكاتي صرخت به ، كان الكل يتقدم نحوي ومن أمامهم الجوقة الموسيقية التي انتقلت بأنغامها إلى عزف موسيقى جنائزية ، فكرت بأشياء كثيرة في وقتها ، الهرب ، الانتحـار ، إطلاق الرصاص على الجميع ، فكرت برفع رأسي ولأول مرة أعلى من مستوى حافة الخندق وتصويب فوهة بندقيتي أسفل البطن ، ولما صار يردد كلمات تنال من رجولتي أمسكت بندقيتي وبيد مرتعشة ضغطت أصابعي الزناد فتاه سرب من الجمر الأحمر في الفضاء ، صرخت ورفعت قامتي ، رفعت نظراتي فرأيت القبور تملأ الأرض ورأيت الصحراء تأكل المسافات ولا أثر للآلات الحرب وقلت مع نفسي حينما سئلت فيما بعد .. سأقول كل ما أعرفه . |