دلالات المنفى في ديوان  "بسم الأم والإبن"

 للشاعر ابراهيم نصرالله

بقلم : احميده الصولي

"بسم الأم والابن" ديوان جديد للشاعر والروائي الفلسطيني الأصل والاردني الجنسية ابراهيم نصر الله صادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت سنة 1999 في 183 صفحة من الحجم المتوسط ؛ قسمه إلى قسمين : الأول بعنوان "بسم الأم" والثاني"بسم الابن". وكان الشاعر قد أصدر من قبل الأعمال التالية التالية : الخيول على مشارف المدينة-المطر في الداخل-الحوار الأخير قبل مقتل العصفور بدقائق-نعمان يسترد لونه-الفتى النهر والجنرال-عواصف القلب (في 3 أجزاء)-الأعمال الشعرية (مجلد). علما بأن الشاعر كتب الرواية أيضا، ومن أعماله الروائية : براري الحمّى -عوْ- مجرد 2 فقط - طيور الحذر- حارس المدينة الضائعة. وهو الحاصل على جوائز منها : جائزة عرار الأدبية 1991 . جائزة تيسير سبول للرواية 1994. جائزة سلطان العويس للشعر العربي 1997. وترجمت بعض أعماله إلى عدة لغات.

يهدي الشاعر ديوانه هذا إلى أبيه عن طريق امه . يختزل في مقطع صغير وبصيغة معبرة جدا حياة والده:

له حلمٌ من رغيف ويوم من الصخر

هذا ابي

مثخن برياح الصباح

ومشتعـل بالمحبة.

في هذا الديوان يلتقط الشاعر الحالات الصغيرة الدالة على الحالات التي لا تتسع لها مساحة الكون. فاذا هي حالات بحجم الاحساس والوعي وامتدادات الزمن في كل اتجاهاته. هو هنا ضمير شعب عاش قساوة النفي. ولم تستطع الوعود ولا الاحلام ان تعيده إلى جذوعه. فلا اعمق من هذه الدلالات:

ها كل شئ هاهنا في حقل منفانا تماما

مثلما في ارضنا الأولى

ولم يدُر الزمن

لنحس نصف دقيقة

ان المنافي كالوطن    ص67

يتخذ الشاعر من تقنيات الحكاية اسلوبا يستعرض من خلاله، وضمن نصوص جد معبرة، لحظات من الحياة التي يعيشها فلسطينيو الشتات. وهو على لسان الأم التي هي الزوجة تستذكر ظروف زفافها وهي مطاردة في المنافي، يتعقبها المحتل الغاضب. ومن خلال الأمثال و المشاهد والحالات الصغيرة يقحم اشد الحالات قسوة، واكبر المآسي دمارا واستمرارا في حياة هذه الاسرة التي هي نموذج مصغر لشعب باسره.

ولعل المحور المركزي لهذا الديوان هو المنفى. ففي النفي يتمركز السبب  الاساسي لكل المحن. من هنا يشكل المنفى وأسبابه السببر الأول لكل المآسي والحالات الشاذة التي تعيشها هذه الاسرة / النموذج منذ خمسين.  وسنحاول متابعة السير الذي انتهجه الشاعر عبر قسمي الديوان.

القسم الأول "بسم الأم "

الشاعر هنا يتمثل حالة الأم في مشاهد متعددة ؛ فهي تخاطب زوجها مستحضرة المعاناة والصعاب التي عاشاها سواء في مرحلة مطاردتهما لإِبعادهما عن الارض الأم  او في اقامتهما ببلد الهجرة. ولعل حياة المخيم التي جاءت بمثابة تكريس لحالة النفي والعزل تحت ذريعة ان اقامتتهم مؤقتة، لعل ذلك مما زاد من تعميق الشعور بالماساة. والشاعر اشار إلى استمرار هذه الحال في مواقع مختلفة من قصائده. فقد كانت الأم، أي تلك الزوجة التي كانت حديثة العهد بالزواج، تقاسم زوجها عَنَتَ الحياة وقسوة الغربة وشظف العيش في كل حالاتها :

في الطريق إلى (غور نمرين) *

تحت لهيب جهنم

كان عذابي صلاة

اثنان

نجري لنحمي ثالثنا..وصلاة

وسمعتك  تضحك –قد جاء دورك-

حين سالتك: ماذا سندعوه؟

قلت: اطمئني

فلا نملك الآن غير اسمه وليالي منفاه.           ص17

صاغ الشاعر عناوين قصائد هذا القسم من الديوان في شكل باعتبارها أحاديث تؤسس لنفس روائي حكائي، بلغت ثلاثا وثلاثين قصيدة وكانت على نحو "في حديثها عن..." أو "في حديثي عنها"  او "في حديثهما معا" او "في حديثي عن نذرها". ففي قصيدة "في حديثها عن عرسها" مثلا، يعرض الشاعر ثلاث مراحل من حياتها. الأولى فترة الخطوبة حتى الزفاف. الفترة الثانية علاتها الزوجية وقد لخصتها كما يلي:

وفي يوم عرسي قلت لاهلي

هو الان اهلي

وقلت لامي

هو الان امي .. اخي .. وابي            ص ص 10-11

الفترة الثالثة وفيها تعلن عن فقدانه مرفقة اياها بأنهار من الدمع، حيث عادت إلى لحظات من تلك الحياة التي عاشتها معه، مسجلة اهم وابلغ ما فيها. اما قصيدة " في حديثها عن يومها" فهو يصف المعاناة التي تعرض لها العروسان في يوم زفافهما وهما مطاردان، حيث يفتقدان إلى الماوى، ناهيك عن  متممات الفرح :

في دروب الحجارة

نبحث عن نصف جحر

لاصبح زوجك

تصبح زوجي

هذا المساء.                    ص13

في مختلف قصائد هذا القسم يترك الشاعر للام الحديث عن مشاغلها ويتولى هو الحديث عنها في قصيدة" في حديثي حول امثالها" فيعرض الأمثال التي تستخدمها للتعبير عن واقعها، وتعتقد في صحتها او تفندها حسب حالها وفهمها لها.

الجار قبل الدار

قالت : ليت لي دارا ولي جارا

لكي امضي واطلب صاع قمح

او  ظلالا من كروم التين    ص19

كذلك:

لا.. وحدتي ليست عبادة عابد

في ليل هذي الارض          ص20

الخ..

وتتكرر صور المنفى في اغلب قصائد الديوان حتى لكأن افتقاد الزوج يعادل افتقاد الروح لدى هذه الأم :

كان يهمس لي: ان هذي المنافي

كما الحزن تمضي

ويهمس:

انك اجمل من ان تعيشي بعيدا

بلا وطن وخيول                                    ص26

 

وايضا:

ولم أَك اعرف اني ساكبر خارج حلمي

وروحي ستغدو رياحا وجسمي طلول          ص27

ويصف مسكن الاسرة بكل تواضعه فاذا هو:

غرفة لاتطل على مشهد واسع

او  احد

في الليالي ستنهض

تبحث في قسمات أبينا هنا عن بلد.        ص41

هذه الأم التي تحمل من الذكريات المشتعلة، والمحبة الصارخة لزوجها، لا تفصل بينه وبين الوطن ؛ وتظل تعيش على ذكراهما. ولعل طول فراقهما هو الذي جعلها تسوي بينهما حتى في حالة الضياع او اللاعودة. وهو ما لا يقرها فيه ابنها الشاعر. ففي قصيدة "في حديثها مع زوجها" تكثر من تعداد حالات المنفى التي لا تساعد على العيش بَلَهَ تربية الابناء :

أن تُربي ولدْ

ههنا دون شمس

ودون بلدْ

ان تربيه دون سماء

ودون جداول ماء

ودون طفولهْ

انها مستحيلهْ             ص44

في اشارة إلى  المخيمات التي تقام على اطراف المدن او العواصم، وتُشدّد حولها الحراسة. ولا يجد فيها من بلده الاصلي شيئا سوى الذكرى الحارقة التي تغذيها عوامل الفصل والاقصاء حتى الياس. وها  هو المنفيُّ يتكلم :

رايتُ الشوارع غير الشوارع

كنتُ وحيدا

وبي بعض خوف

فالقيتُ حيث التفتُّ سلامي       ص78

ولعل الشاعر هنا قد تمثَّل حالة اللجوء في أشد مظاهرها مأساوية، كتلك التي عاشها الشاعر سميح القاسم. عندما كان يتجول في موسكو تسمر في مكانه يبحث في حركة جنونية عن وثائقه. وحين تذكر أنه ليس في فلسطين المحتلة هدأ روعه. وذلك ما قد يكون عايشه او لاقاه شاعرنا شخصيا.

ويعدد الشاعر مشاغل الأمهات في المخيم ضمن قصيدته "في حديثنا حول مشاغل الأمهات" ص 82، التي تنشغل بمن سوف يولد، وبمن مات او سيموت، وبمن غادر البيت ذات مساء ولكنه لم يعد فبكته البيوت، وبمن سوف يمضي إلى الحرب نصف فتى. وتنشغل الأمهات بمرور الجنود، ويرقبن قامات ابنائهن تطول، فاذا الايادي على مهج خائفة. وتنشغل برحيل اخ لصحاري الجنوب، وموت اب دون معنى. وتنشغل بعنوان قابلة واسمها قبل ميلاد احفادهن بعام، وبطريق تؤدي إلى بيروت ليلا واخرى تلقي بهم للرياح وبر الشآم. ففي تلك المشاغل يمضي النهار بهنَّ. ولعله هنا يؤكد ان هذه الأمهات اغلبها او كلها بلا ازواج حيث فقدنهم هنا او هناك.

 

القسم الثاني : بسم الابن

هو الابن الذي تختلف نظرته وطموحاته واهدافه وطرق علاجه للامور. والذي يدرك ويرى الاسباب التي جعلت أمد النفي يطول.

مجموعة قصائد هذا القسم تدور حول حالات مختلفة لفتى ينتظر اعادة مراجعة الاقدار لتنظيم دورة الحياة. ففي قصيدة "اعمدة الهواء" يصور حالات أُمٍّ تقاوم الياس والقنوط وتنتظر المعجزات. فهي تحتفظ بذاكرة الابطال وخيال يجنح إلى اقصى الاقاصي. إنها هنا الفتاة التي تعادرل - في تقديرنا - فلسطين التيى شغف بها الفتيان، ومنهم ابنها الذي راح ولم تحتفظ  الا بأحلام عودته :

وأسَرّت لنا : انتظروا ستعود الرياح به

فانتظرنا

تعبنا

وظل فتى وحده ههنا

قد يكون انا !                     ص132

فهذا الفتى يشكل موضوع حكاية تتردد الا انها لا تقول اكثر من نصفها. لأن النصف الآخر مختلف عما يجري في المخيم. فما يقع في العمليات الجهادية والبطولية لا يصل في حينه إلى المخيم، وقد لا يصل منه  الا القليل.

اما قصيدته "السحابة"، فيصور فيها الشاعر حالاته الداخلية، وكيف تتفاعل مع محيطه الخارجي الذي يرصد منه لحظات واحداثا، ويسمو به الخيال إلى ما وراء الممكن. ولكن ثورة البركان وانفعالات الاحاسيس كلها تتأجّج من اجل شئ محدد :

سافتش في كل شئ اراه

لعلي  ارى صدفة بلدي           ص140

فهل يجسد هذا ياسه من المحاولات والجهود المبذولة لكي يعود إلى بلده؟ لقد تحول كل شيء إلى عنوان واحد هو الغربة  كما في قصيدته العائد :

لم يكن فيه ما يشبه الغرباء بشئ

ومر غريبا

ولكن كل الذين رآهم على العتبات

هنالك

كانوا هم الغرباء                          ص147

أما قصيدة "المقاعد" فقد قسمها إلى عدة فقرات، لكل واحدة  منها عنوان : نهاية1- استراحة – غرباء – نهاية2 –فراق – شغب – احزان – حنين اسود – اقامة – خدعة – مكيدة – موت – تحذير – الكراسي. لعله جسد في هذه القصيدة أشكال المعاناة التي يعيشها المنفيُّ الذي طال به الانتظار في المنفى وصارت اقامته مرهقة فيه.

المقاعد اضلاعنا الهاربة

المقاعد ارجلنا الذائبة

في تراب  الحدائق بعد الحروب.         ص148

ورغم أن المقاعد لا ذاكرة لها، فقد أصابها التعب:

المقاعد لا تتذكر شيئا

ولكنها جلست مثلنا

ها هنا تستريح               ص149

أو :

هؤلاء الذين اتوا غرباء

وعادوا إلى بيتهم غرباء

هكذا جلست بهدوء تفكر

هذي المقاعد بعد المساء                         ص150

والمقاعد التي يتحدث عنها الشاعر  هنا مختلفة المستويات. من مقعد في الحديقة إلى تخت الملوك او الاباطرة:

مقاعد من حجر في التراب

هنا .. من قديم

مقاعد مر عليها ظلام

ومرت عصور

كم من ملوك.. اباطرة عرشوا فوقها

وكأَنّ الدوائر لا  لن تدور              ص151

واخرى تبكي، تفرح، تعوي وتخور من شدة عطشها إلى نور الشمس :

لو مرة  تبصر الشمس

لو تتشمَّم زرق الطيور           ص152

لكن المقعد الآخر وهو يلاحظ دوران الكاس ونشوة العشاق "يصرخ : كم انا عطشان". وهو ذاته :

المقعد يشرب خمرتها

المقعد يشرب ضحكتها

 المقعد يحفن زبدتها

المقعد وهو يغافلها

منسلا نحو البوابة سكران

يترنح في عتمة (عمَّان)         ص 157

ولكن المقعد بالنسبة إلى الطفل الفلسطيني المنفى - وان كان خشبيا - يبقى حلما يتمناه ليشعر انه يجلس تحت سقف وليس تحت خيمة. ولعله من شدة الخوف يعتقد ان السقف سيحميه افضل من الخيمة.

الصغير الذي عذبته الرياح

واوتاد خيمته البائسة

الصغير الذي حلمه مقعد خشبي

هناك بزاوية الصف

ليغفو ولو لحظة كل يوم

ويحميه سقف                             ص159

فهل ان المقاعد غير الكراسي؟ هكذا على الاقل في قصيدة المقاعد لابراهيم نصر الله حيث أطلق على قطعة منها عنوان "الكراسي". وهو هنا يشير بطرف خفي إلى تلك الكراسي/المقاعد السياسية :

الكراسي ستلقي بنا للحروب

الكراسي ستغمرنا بالسلام

الكراسي ستغفرنا كالذنوب

او:

الكراسي التي كلما جدَّ جِدٌّ

ستهتف : موتوا لتحيا الشجاعة

او:

الكراسي التي من دم فوق دم

الكراسي التي لا تطيق

بان يورق الان حلم

هي:

الكراسي التي لم يكن اصلها شجرا

ذات يوم                                   ص ص164-165

ملاحظات : لسنا هنا بصدد البحث في الجانب العروضي او اللغوي في هذا الديوان، ولكننا نشير فقط إلى ان بعض الاخطاء اللغوية يمكن رصدها في سياق القصائد كما يشار إلى ان العروض فيه اختلالات عديدة، في كثير من المواقع. وتتجلى في هذا الديوان ميكانيكية الكتابة التي يتعين مباشرة القصائد بعد الكتابة، في حالة وعي تام، وبعين ناقدة، حتى يتم بناء القصائد بمنآى عن الهنات، سواء منها العروضية او اللغوية.

وحين نشير إلى ذلك فاننا لا ننتقص من قيمة هذا الديوان الذي جاء حافلا بالجديد من حيث قدرة الشاعر "على خلق حقائق شعرية جديدة، وعلى صنع متخيل لا يتراءى نظيره  إطلاقا في قصيدة سابقة عليه" على حد تعبير د.صلاح فضل.

الخاتمة:

هذه النصوص الشعرية انصبت جميعها على معالجة حالات أم وابن تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها في الحقيقة تحمل من العمق ما لا تبلغه الكلمات. لذلك حاول الشاعر نحت صور بسيطة ظاهريا أيضا إلا أنها عميقة الدلالات والمرامي، وتزخر بالمشاهد الحسية والضجيج النفسي. وهو ما يؤهلها لأن تكون نوعا من المذكرات الإبداعية التي لم يكن الشعر قد تمرس بها طويلا.

السرد والحوار واللغة المتداعية وتدرج الأحداث وتفاعلاتها مع ثبات الشخوص وهم الراوي والأم والأب كما يشار إلى كون روائي/شعري عام فيه الأطفال والأحفاد والآخرون ممن تحتضن المنافي، هي السمات البارزة في النصوص. ويبقى النص في مراوحة بين الشعر الذي يمثل هويته الأولى، وبين الإبداع في مختلف تجلياته داخل نسق إيقاعي منساب لولا  بعض المعوقات القليلة جدا.