التجليات الدلالية

في "موت سرير رقم 12"

د. عبد الهادي أحمد الفرطوسي

 

مدخل

   ابتداء تفتح لفظة "موت" من العنوان نافذة على التجلي الدلالي الأول للنص، ونلمس علاماته من خلال حضور الراوي شخصية مشاركة في الأحداث مقابل حضور المروي له شخصية واضحة المعالم، يبرز الأول بوصفه مريضا راقدا في المستشفى وتلك حالة وسطى بين الحياة والموت أو طريق من الحياة إلى الموت، أما الثاني فهو شخص معافى لكن الموت يظهر في أدائه اللغوي بوصفه الذروة العليا للحياة، ثم يأخذ الراوي الواحد موقعين متقابلين: الأول موقع الراوي العليم الذي يرصد البطل من الداخل والخارج، والثاني موقع الراوي الخارجي، وبازدواج الموقعين تولد وجهة النظر المزدوجة إلى الموت .

  وتحيل عبارة "رقم 12" من العنوان على مقولة آلان روب غرييه ومفادها أن الحقبة الحالية هي حقبة الشخص المرقم[1]، الذي أنتجه المجتمع الرأسمالي المتطور، فتنشأ بذلك الموضوعة الأهم في النص التي تحقق حضورها عبر عدة مفارقات:

  أولها أن في الوقت الذي يبشر غرييه في هذه المقولة بموت قصة الشخصية "باعتبارها أصبحت ملك الماضي"[2]، فإن النص الذي أمامنا هو قصة شخصية لا قصة حدث.

والثانية أن سبب موت الشخصية عند غرييه هو وصول المجتمع إلى عصر الرأسمالية، أما قصة غسان كنفاني فتدور أحداثها في مجتمع متخلف، كما يتضح من سياق النص ووصف الأمكنة وتصوير العلاقات الاجتماعية.

 والثالثة، وهي مرتبطة بالثانية اختيار النصف الثاني من القرن العشرين، وهو عصر الإمبريالة بوصفها أعلى مراحل الرأسمالية، زمانا لأحداث القصة واختيار منطقة الخليج بما يحمله من تخلف حضاري في خمسينيات القرن العشرين مكانا للأحداث .

   وتجر هذه المفارقة إلى مفارقة رابعة، هي أن المكان ينقسـم على موضعين، فتبدأ الأحداث في مدينة أبخا العمانية الأشد تخلفا، وتنتهي في الكويت البلد النفطي الذي يتجه مسرعا نحو الرأسمالية.

   تشكل النقاط الأربع الآنفة الذكر علامات أولى على التجلي الدلالي  الثاني الذي تشي به عبارة "رقم 12 " من العنوان .

ويتحقق التجلي الدلالي الثالث بعبارة "سرير" التي تتوسط مساحة الفضاء النصي للعنوان واقعة بين لفظة "موت " وعبارة "رقم 12" ، والتي تدل على النوم ، ولعل النوم حالة وسطى بين الموت والحياة ، ولما كانت اللفظة المذكورة متضمنة الدلالة على الظرفية المكانية ، وبإحالتها على النوم فهي تومئ إلى الفضاء الوسطي الذي يقترب كثيرا من فضاء العتبة الذي أشار إليه باختين في دراسته عن دستوفسكي.

  هكذا تتشابك التجليات الدلالية الثلاثة التي أوحى بها العنوان ، وبتشابكها في النص تقودنا إلى المعنى العميق للعمل.

 

الراوي والمروي له

  يأخذ العمل شكل رسالتين يبعثهما الراوي إلى صديقه المروي له، وبهذه التقنية يحقق المؤلف جملة أهداف أهمها أنه يضع الراوي وجها لوجه مقابل المروي له، وبالحوار بينهما يكشف لنا عن علاقة كل منهما بموضوعة الموت : فالراوي يقول: " إنني أقضي شهري الثاني في هذه المستشفى، إنني أشكو من قرحة في أمعائي"[3]، وهو بهذا المكان يرى بعينه قبح الموت وبشاعته، والفرق بين من يرى الموت بعينه وبين من يسمع عنه " فرق شاسع لا يستطيع أن يدركه إلا من يشاهد إنسانا ينكمش على سريره …. "[4].

   أما المروي له فلا يرى قبح الموت ولا يشعر ببشاعته ؛ لذلك يجده الطرفَ الآخرَ لكل شيء ، أو هو ذروة كل شيء، هكذا يقدمه الراوي: " كنت تستعمل كلمة الموت، للتدليل على التطرف، لطالما سمعت منك أمثال هذه الجمل: كاد يموت من الضحك، وإني تعب حتى الموت، وإن الموت لا يستطيع أن يسكت حبي …"[5] ، وفي الرسالة الثانية يرفض المروي له الرؤيا التراجيدية للموت بالطريقة التي قدمها الراوي :" الناس يموتون ببساطة أشد، ذلك الذي وقع عند الرصيف فانطلق مسدسه المحشو ومزقت الرصاصة عنقه، كان ذاهبا مع فتاة رائعة الجمال، والذي قتلته نوبة قلبية في الطريق …. "[6] .

  يتكرر هذا التقابل بين الراوي والمروي له في أكثر من موضع مسلطا الضوء على كلا الشخصيتين:" لقد كان فقيرا، فقيرا جدا أكثر مما تتصوّر أنت بخيالك الباذخ المتسكع في المقهى"[7]، تقابله صورة الراوي :" حينما استطعت أن أسير على قدمي لأول مرة بعد عملية الترقيع"[8]

   بين وجهة نظر الراوي ووجهة نظر المروي له ينشطر البطل إلى شخصيتين: واقعية ومتخيلة، وقبل ذلك ينشطر الراوي إلى راويين بموقعين مختلفين أحدهما راو خارجي يتابع الأحداث من خلال الوثائق، والآخر راو عليم يعرف كل شيء عن البطل القابع في زاوية من مخيلته، وبانشطاره ينشطر المتن الحكائي إلى متنين: متن واقعي وآخر متخيل .

  يقدم الراوي البطل الواقعي من خلال بطاقة معلقة على سريره فيقرأ: "الإسم : محمد علي اكبر. العمر: 25 عاما، الجنسية عماني (….) سرطان في الدم" [9] ، ثم تتضح شخصيته في الصفحات الأخيرة من العمل، من خلال التقرير الذي كتبه الطبيب عنه: كان أبا لخمسة أطفال وكان بحارا …. وصل قبل أربع سنوات إلى الكويت باحثا عن عمل، وقبل شهرين فتح شبه دكان على الرصيف[10]، ثم مرض ورقد في المستشفى شاغلا السرير رقم 12، وكان أن عميت عيناه قبل خمس ساعات من موته .

  ذلك هو المتن الحكائي الأول، أما المتن الثاني فهو فرع يتشعب عن المتن الأساسي الأول مقدما الشخصية المتخيلة بوصفه سقاء في مدينة أبخا، يقع في حب فتاة سمراء فيكلف أخته ان تخطبها له، لكن أهلها يرفضون تزويجها إياه؛ بسبب تشابه في الاسم بينه وبين لص يحمل اسم محمد علي؛ لذلك تضيق أبخا بعين البطل، وتبزغ في ذهنه فكرة تعوض عن إحساسه بالخيبة هي فكرة جمع الثروة الكبيرة، هكذا يقرر الرحيل إلى الكويت، ويعمل فراشا في إحدى الدوائر.

 في هذين المتنين يعرض المؤلف رؤيتين متباينتين للموت :

 الموت بوصفه مأساة انطولوجية كما يصورها المتن الحكائي المتخيل، والموت بوصفه حدثا يوميا مألوفا يشكل نهاية منطقية لحياة كل فرد، كما يعرضه المتن الحكائي الواقعي .

بؤرة الحكي

  تتشكل الدلالة  الكلية للنص من خلال تشابك المتنين المذكورين في مبنى حكائي واحد ، يستفيد من تقنيات تيار الوعي ، فيبدأ عرض المتن الحكائي من نهاية الأحداث، بتصوير لحظة الموت :" ينكمّش بغطاء سريره بكل ما في أصابعه الراجفة من قوة كي يقاوم انزلاقا رهيبا إلى الفناء …"[11]، وبعد خمسة أسطر : " عدت أحدق إلى الوجه النحيل الأسمر والعيون الراعفة (….) لقد دارت العيون حتى استقرت على وجهي وخيّل الي أنه يستغيث بي ، لماذا ؟ … لقد بقي يحدق الي تم ببساطة مات"[12].

    بهذه السطور القليلة يعرض وجهة النظر الأولى تجاه الموت بوصفه مأساة أنطولوجية، لكنه سرعان ما ينتقل إلى تقديم وجهة النظر الثانية باستكماله لتصوير الموت ذاته: " سمعت صوت الممرض يقول ببساطة في الممر المجاور للباب :

-  مات سرير رقم 12 "[13] .

 لن نجانب الصواب إذا اعتبرنا هذه السطور نموذجا لما أسماه سعيد يقطين بـ " بؤرة الحكي" والتي وصفها بالوظيفة الأم والنواة المركزية، وهي فعل واحد تظل كل الأفعال متصلة به[14]، فإن السطور الآنفة الذكر تتسم بالظواهر الآتية:

1 في الوقت الذي تعرض وجهتي النظر المتضادتين، يبدأ منها تشعب المتن الحكائي المتخيل: " لقد دارت العيون حتى استقرت على وجهي وخيل إلي أنه يستغيث بي، لماذا؟ ألأنني كنت أطرح السلام عليه كل صباح ؟ أم لأنه شاهد في وجهي فهما للرعب الذي يعانيه ؟ لقد بقي يحدق إلي …"[15] .

  لا نكتشف ارتباط هذا الكلام بالمتن المتخيل حتى نصل إلى نهاية النص: "لقد قرأت في التقرير الذي وضعه الطبيب أن المريض قد عميت عيناه قبل موته بست ساعات"[16] .

 2 من هذه البؤرة ينهض التجلي الدلالي الآخر "الإنسان المرقم" معانقا التجلي الأول، ففي الوقت الذي نقرأ اسم محمد علي أكبر كاملا غير قابل للتجزئة مقترنا بجنسه وعمره في البطاقة المعلقة على سريره، نسمع صوت الممرض يعلن موت سرير رقم 12.

  في بؤرة الحكي الممتدة على ستة عشر سطرا، من قوله :" وحين كان ينهض …" إلى قوله : - مات سرير رقم 12 " [17] تتجلى التقابلات الآتية:

 1 التقابل الرئيس بين النظرة المأساوية إلى الموت والنظرة الهامشية، فتعرض الأولى على امتداد الأسطر الأحد عشر الأولى، وتعرض الثانية في سياق السطور الخمسة الأخيرة .

2 الزمان: تتجسد الرؤية الأولى في اللحظات الأخيرة من عمر البطل وتختم بموت ، بينما تأتي الثانية بعد تحقق الموت فعلا.

3 المكان : ترد الأحداث المعبرة عن الرؤية الأولى، أمام أنظار الراوي في غرفة البطل، وهو يشارك الأطباء والممرضين الوقوف حول سريره، أما الرؤية الثانية فتأتي في مكان بعيد عن المكان الذي يجري عليه الموت، يسمعها الراوي بصورة خبر عابر من مكان آخر.  

4  تتحقق الرؤيا المأساوية للموت مقترنة بالاتصال بين الراوي والبطل، فالراوي كان يرى موت البطل بأمّ عينيه وكانت عينا البطل تستقر عليه وتتشبث به مستنجدة، أما الرؤية الثانية فتتحقق والراوي منفصل عن البطل في غرفة أخرى: "اكتشفني الطبيب جرني غاضبا إلى غرفتي …."[18].

  5  يولد التجلي الدلالي الآخر بصورة التقابل بين الاسم الكامل للبطل ورقم سريره، مقترنا بالتقابل بين طرفي التجلي الدلالي الأول، وعلى وفق الثنائيات الآتية :

 أ - الاسم كاملا في الجزء الأول من النص الذي يمثل بؤرة الحكي، أما الشخص المرقم فلم يرد إلا في السطر الأخير من النص.

ب - ورد الاسم موثقا على بطاقة مكتوبة ومعلقة على سرير البطل، أما الرقم فقد ورد مسموعا بصورة عابرة.

ج - جرى تدوين الاسم والمعلومات المرافقة له من قبل الطبيب المختص، أما الرقم فقد ذكر من قبل الممرض.

د - صورة الاسم الكامل للبطل توجد في الردهة التي تمثل مسرح الأحداث، أما رقمه فيذكر في ممر جانبي.

   تشكل التقابلات المذكورة في بؤرة الحكي علامات سيميائية على ثلاثة أمور :

 الأول التواشج الوثيق بين التجليين الدلاليين المذكورين.

الثاني: ارتباط الطرف الأول من التجلي الثاني (الفرد المسمى) بالطرف الأول من التجلي الأول (الموت المأساوي)  وارتباط الطرف الثاني من التجلي الثاني (الفرد المرقم) بالطرف الثاني من التجلي الأول ( مجانية الموت).

الثالث: هيمنة الرؤيا الأولى التي يجسدها الطرف الأول على المستوى الدلالي العام للنص مقابل هامشية الرؤيا الثانية.

من الشخصيات التي أنتجها النص نقف أمام شخصيتين متقابلتين: شخصية الأخت، وشخصية الممرضة:

   الأولى تبرز من المتن المتخيل، بوصفها أخت البطل الذي أفقده الموت أمه، و أقعد العجز أباه، فصارت تلك الأخت أبا وأما للبطل، وكانت المعين له في الوصول إلى هدفه الأسمى الزواج، لقد أدى فشلها في تحقيق الهدف إلى انفصال البطل عنها برحيله بعيدا، كان  سبب الفشل هو تجزئة الاسم: " - حدث خطأ قلت لهم في أول مرة أن اسمك محمد علي، لم أقل محمد علي أكبر لأني لم أشعر بحاجة لكي أقول.. "[19] .

   يتأكد ذلك على لسان الراوي :

" كلمة واحدة وقفت في حلق القضية فماتت "[20] .

   هكذا يتشابك التجليان الدلاليان ببعضهما، ففشل الزواج (العلامة الأقوى على الحياة) يأتي نتيجة تجزئة الأسم .

   على هذا الحدث الذي تكون شخصية الأخت بطلة له تنعقد حبكة المتن الحكائي المتخيل، فهو يمثل - بحسب بروب -  وظيفة الإساءة[21]، التي لا تنتهي الحبكة إلا بإصلاحها ، يمنح ذلك شخصية الأخت وظيفة سيميائية مهمة في النص، فإذا تذكرنا أن المشكلة من وجهة نظر الراوي هي " مشكلة انعدام أو خلود"[22] فإن وظيفة الأخت ستكون مزدوجة بين الأمرين، فهي بسعيها في سبيل زواج البطل تسهم في تحقيق الخلود، وبخطئها الذي أدى إلى منع الزواج تسهم في إيصال البطل إلى الفناء، وتبقى شخصيتها المزدوجة تهيمن على أحداث المتن المتخيل، فالبطل في مواجهته للعالم الجديد لا يستطيع أن يراه أنيسا إلا حين ينظر إليه بعيني أخته سبيكة وأهل قريته:"بدأت ملامح الشوارع ومعاني الجدران تدخل إلى رأسه…أحسّ بشيء من الألفة ولكنها ألفة ملصوقة على خلفية من شعور قاتم بأنه إنما يلاحق  بعيون أخته سبيكة"[23]، هكذا تجمع سبيكة بين الألفة والشعور القاتم، وتبقى محفوظة في ذاكرته علامة من الماضي الجميل في أبخا مشيرة إلى مستقبل اجمل :

" كان ثمة في الصندوق حلق خزفي لأخته سبيكة تزين به أذنيها إذ يعود لأبخا"[24]، وهنا لا بد من الانتباه إلى أن الأخت التي تحمل الاسم "سبيكة"، الذي يحيل على الذهب والفضة، لا تتزيّن إلا بالخزف، لأن البطل جاء حاملا في ذاكرته أسم سبيكة من مدينة ابخا الفقيرة البدائية إلى مجتمع الذهب والفضة، أما القرط الخزفي فهو يحمله من العالم الثري المتطوّر إلى مجتمع أبخا البدائي الفقير، هكذا يؤدي التقابل بين لفظة سبيكة والحلق الخزفي وظيفة كنائية تكشف عن توق المجتمع البدائي متمثلا بالبطل إلى التطور السريع وصولا إلى المجتمع الرأسمالي الذي تحكمه سبائك الذهب،  ثم يكشف عن توق الفقراء في المجتمع الرأسمالي إلى الوصول إلى المجتمع اللاطبقي الذي يكون كل الناس فيه سواء: "كلنا في أبخا سواء"[25] .

  وأخيرا فإن الأخت سبيكة لا يقتصر حضورها على المتن الحكائي المتخيل، وإنما نجدها في خاتمة النص تقفز إلى المتن الحكائي الواقعي متمثلة بالحلق الخزفي الذي يكتشفه الراوي في صندوق البطل بعد موته، وتتأكد واقعية ذلك الحلق باعتماد الراوي حاسة اللمس إلى جانب حاسة البصر :

" قبل أن أخرج من الغرفة شاهدت ما صعقني ، لقد أزاحت الممرضة فواتير محمد علي أكبر جانبا، فبرق في قاع الصندوق حلق خزفي طويل.. شعرت بالدوار وتقدمت إلى الصندوق ورفعت الحلق بإصبعي"[26]، ولعل انتقال سبيكة وحلقها الخزفي من المتن المتخيل إلى المتن الواقعي تعبير عن واقعية حلم الفقراء في الانتقال إلى المجتمع اللا طبقي، ولعل وجود الحلق تحت  الفواتير في ذلك الصندوق تعبير كنائي عن القانون الجدلي في أن الظاهرة تحمل نقيضها في داخلها.

     أما الثانية فتبرز من المتن الحكائي الواقعي، عجوزا قبيحة يتكئ الراوي على ذراعها أثناء سيره في المستشفى، تضحك "عن أسنان ناقصة مسودة"[27]، ولعل في صورة هذه العجوز القبيحة ذات الأسنان المتآكلة دلالة رمزية على الموت

    وإذا كانت الأخت قد جزّأت اسم البطل مرة واحدة عن غير قصد، فحصلت الإساءة - كما مر- فإن الممرضة كانت تمارس ذلك دائما بقصد مسبق:

" كانت الممرضة تسأله في كل صباح: - كيف حالك يا محمد علي ؟ وكان محمد علي لا يجيب، إذ أنه كان يعتبر أن اسمه هو محمد علي أكبر"[28]، وهنا تتأكد الدلالة السلبية للممرضة، ويترسخ الارتباط بين الموت و ترقيم البطل، وفي ذلك تأكيد لوجهة النظر التي يصرح بها الراوي بعد موت البطل وإعلان الممرض عن ذلك :" لقد فقد محمد علي أكبر اسمه ، إنه سرير رقم 12!"[29]

   وإذا كانت الأخت تقدم رؤيا مشرقة لمجتمع الفقراء اللاطبقي - كما مر قبل قليل- فإن الممرضة تقدم نظرة طبقية متحاملة على الفقراء، مشككة بما يعلنونه، فحين يسألها الراوي عن محتويات البطل تجيبه :

"قالت الممرضة وهي تضحك :

-  لا أحد يدري، إنه يرفض أن يتخلى عن هذا الصندوق لحظة واحدة. ثم مالت عليه وهمست :

- هؤلاء الفقراء المظهر يخفون عادة ثروة ما، قد تكون هي ثروته! "[30]

   بهذا التقابل يتحقق الارتباط بين الحياة والطبقات الفقيرة، وبين الموت والطبقات الغنية المستغلة التي تعبر الممرضة عن وجهة نظرهم .

     وأخيرا يختم النص بالتقابل بين شخصية الأخت وشخصية الممرضة: " لا أدري لماذا نظرت إلى الممرضة وقلت فجأة :

-  هذا الحلق كان اشتراه لأخته سبيكة..أنا أعرف هذا جيدا..

 لقد حدقت إلي مستغربة بعض الشيء، ثمّ ضحكت بعنف، وضحك الطبيب للنكتة"[31]، واستكمالا للتحليل السابق فإن سخرية الممرضة تشكل تعبيرا كنائيا عن رفض الطبقات االمستغـِلـّة، للفكر التقدمي الذي ينشد الوصول إلى المجتمع اللاطبقي .

  الفضاء

   يرى باختين أن الفضاء الروائي يكتسي من خلال تداخل مكوناته طابعا رمزيا[32]، إن قراءة متفحصة للفضاء في هذه القصة تؤيد بشدة ما قاله باختين وتكشف عن الأبعاد الرمزية لصور الأمكنة، وتسلط الضوء على عملية التحويل - باصطلاح سيزا قاسم - التي ينتقل وصف المكان بموجبها من معناه الحرفي إلى معنى خيالي[33] .

 عطفا على ما جاء في مدخل هذه الدراسة، وانطلاقا من النافذة التي تفتحها لفظة "سرير" من العنوان على فضاء النص، نجد المكان الذي يختاره الراوي موقعا له في رصد الأحداث يؤيد الدلالة التي تضمنتها لفظة "سرير"، فهو يتوسط المسافة بين مكانين متضادين:"إن غرفتي تطل من ناحية بابها على الممر الرئيس لجناح الأمراض الداخلية، وتطل نافذتها على حديقة المستشفى الصغيرة، وهكذا فإنني أستطيع أن ألاحظ وأنا متكئ على وسادتي: المرضى الذين يمرون بلا انقطاع أمام الباب والعصافير التي تطير بلا انقطاع أمام النافذة"[34]، هكذا اختار الراوي موقعا وسطا بين مكاني: الأول يحيل على الموت والآخر يحيل على الحياة، وبهذا التقابل بين عالمين متضادين وبالوصف الدقيق للعصافير التي تطير أمام النافذة ، والمرضى الذين يمرون أمام الباب "آتين على أقدامهم (…) مغادرين على عربة الموت ملفوفين بغطاء أبيض"[35] … بهذا الاستقصاء الدقيق والتضاد العنيف تترسخ نظرة الراوي إلى الموت بوصفه مأساة انطولوجية، وتتهمش نظرة المروي له المضادة التي ترى إلى الموت بوصفه حدثا يوميا مألوفا يشكل نهاية منطقية لحياة كل فرد.ويتأكد ارتباط عالم ما وراء النافذة على الحياة في الرسالة الثانية من النص، فالبطل يقيس درجة شفائه بطول مسافة الأرض المعشبة التي يبلغها عقب السيجارة حين يرميه البطل[36].

   يأتي هذا التقابل بين عالمي العصافير والمرضى صورة مكثفة ترادف التقابل الأوسع بين عالم أبخا المنبثق عن المتن المتخيل وعالم الكويت في المتن الواقعي:

  تنبثق من خيال الراوي صورة لمدينة أبخا العُمانية التي لم يرها ولم يعرف الكثير عن جغرافيتها وأوضاعها العامة: فيراها مدينة فقيرة يشح فيها الماء، ولم تصلها الحضارة بعد، يجلس أهلها على الحصران المصنوعة من القشّ ويسيرون في طرقات متربة. وعلى الرغم من أن الراوي لم يعتمد الاستقصاء في وصف المدينة لكن ملامح الألفة كانت تطفح على الأحداث والشخصيات التي تتحرك في فضائها ( الأخت ، والحبيبة ، وقربتا الماء …) ، فهي بحق المكان الأليف الذي وصفه باشلار، إنها بيت الطفولة الذي لم يبذل الراوي جهدا في وصف ملامحه الدقيقة ليترك للقارئ حرية تخيله كما يشتهي، وليفسح في المجال لسيلان أحلام يقظته[37].

  أما الكويت فأول ما يظهر من صورتها: " زبد البحر الكبير" ومنه: " أطلت صواري المراكب مستلقية في ميناء الكويت الهادئ"[38]، لكنها لن تظل هادئة فسرعان ما:" بدت له الشوارع الغاصة والأبنية ذات الجدران الصلبة، والسماء الرمادية، والقيظ، والهواء الشمالي الساخن، والطرق المزدحمة بالسيارات، والوجوه الجادة .. "[39]، ذلك هو المكان المعادي، ملامح الكويت تصير "سدودا تقف بينه وبين حلمه"[40]،  كل شيء فيها "بلا بدء بلا نهاية بلا ملامح"[41]، إنها صور مرادفة للإنسان المرقم.

  بهذا التقابل بين أبخا والكو