|
الأديب حنا أبو حنا
كثرت زيارات يحيى الى شفاعمرو حيث انشأ فرعًا للشبيبة ورعى
تطوره ونشوء قيادة له. كل زيارة هي مبيت ليلة هناك، كل مرة
في بيت آخر. اجتماع في المساء تليه سهرة تدور حول مواضيع
اجتماعية وسياسية وثقافية. نما الفرع، رتب يحيى زيارة من فرع
الناصرة الى شفاعمرو، تجول الجميع في القرية ثم كانت مباراة
في كرة القدم. ليس في البلدة مدرسة ثانوية. سرعان ما يجد
الفتى نفسه يبحث عن مشغل يتدرب فيه على مهنة.. في تلك
الزيارات يتحدث يحيى عن تاريخ العرب والادب العربي ومبادئ
الماركسية ويناقش الشؤون السياسية وارهاب الحكم العسكري.
يشجع على القراءة ويدعو الى جمع كتب للمطالعة.
افلح الفرع في شفاعمرو في استئجار مقر له. لم يكن سهلا ان
تجد من يؤجر بيتا. لانه معرض لمنع تصاريح التنقل عنه ولزفاف
اسمه الى القائمة السوداء. كان صاحب البيت صديقا مقربا
مستعدا باقتناعه للتضحية. اصبح المقر ملتقى ثقافيا واجتماعيا
للشباب.
هناك من يهتم بانشاء تنظيم آخر للشباب في البلدة – على اساس
طائفي، عرف على السنة الناس باسم "كشافة المطران" انه
المطران حكيم، المقيم في حيفا والمعروف بعلاقاته الوثيقة
بالسلطة والتقائه معها في محاربة الشيوعية – في المجلة التي
يشرف عليها، وفي مواعظ الكهنة عن حرمان الشيوعيين ونبذهم.
ذات ليلة، في ساعة متأخرة شبت النيران في مقر الحزب الشيوعي
في شفاعمرو.
التهمت كل ما في المبنى وامتدت لتهدد البيوت المجاورة. هرع
الناس، وبقواهم الذاتية اوقفوا اللهيب.
اصابع الاتهام موجهة الى الحكم العسكري وكشافة المطران.
عيلبون قرية صغيرة مشرفة،
تطل شمالا على قرية المغار، وتبعد بضعة كيلومترات عن طرعان
حيث تنعطف شمالا من "مفرق مسكنة" الذي اغتيل اسمه وتغير
فاصبح مفرق "جولاني" وتسعى السيارة في طرق هزيلة ملتوية
تصعّد وتهبط. المواصلات العامة اليها: حافلة واحدة من
الناصرة الى الرامة تمر بها في الصباح وتعود بعد الظهر. فاذا
شئت المبيت هناك عليك ان تنزع ورقتين من رزنامة الايام.
اقام يحيى هناك فرعا للشبيبة بعون من فرع الحزب. في البلدة
عدد من الرفاق الذين عرفوا "عصبة التحرر" من قبل، وفيهم
متعلمون، وللكتب بينهم حضور.
هذه القرية نُكبت بأربعة عشر شابا من ابنائها.
في يوم الاحتلال جمع الجنود رجال القرية واختاروا هؤلاء
الشباب – اعتباطا – ثم اطلقوا عليهم الرصاص امام الجميع ليدب
الذعر وتخلو البلدة.
فرع الحزب في القرية يتوطد، وكذلك فرع الشبيبة، اخوة لطفي
زريق سكرتير فرع الحزب اعضاء كلهم في الشبيبة ومنهم فهيم
وسهيل.
السهرة بعد الاجتماع التنظيمي حيوية. مبيت يحيى دائما عند
لطفي في غرفة نومه حيث ينام اخوته ايضا. الغرفة في طابق ارضي
ولها شباك يطل على الشارع يظل مفتوحا في الصيف. القنديل
المعلق على الجدار يخفت نوره عند النوم ولا يبقى منه الا شبح
ضئيل.
ذات ليلة تسلل متآمرون الى شباك الغرفة وصبوا صفيحة بنزين
على السرير الذي ينام فيه لطفي. اشعلوا النار وهربوا. لم يكن
لطفي في البيت تلك الليلة. كان اخوه سهيل في سريره احترق
سهيل قبل ان يفلح الناس في اطفاء الحريق.
هذا الاغتيال خلّف جرحا عميقا في نفس يحيى. كتب قصيدة نشرها
في جريدة "الاتحاد" وتُرجمت الى العبرية ونشرت في جريدة "قول
هعام".
أي مستوى من الصراع هذا؟ ومن يخطط لمثل هذه الجرائم التي
يمكن ان تنتمي الى ما تفعله "المافيا"؟
أيدي الاتهام تشير الى "كشافة المطران" مدعومة بالحكم
العسكري.
الغضب شديد ولا يمكن ان يُكبح. السلطة تضطر الى اعتقال بعض
اعضاء الكشافة.
زعيم فرع الكشافة هناك يتصل بيحيى مدعيا ان لا يد له شخصيا
في الموضوع، مع انه لا يبرئ الكشافة من ذلك. هذا الزعيم يهرب
الى حيفا نهائيا ويجد من السلطة والمطران دعما.
يُعتقل اثنان بتهمة القتل، ويُحالان على المحكمة.
قال الراوي: صدر فيما بعد حكم على الاثنين بالسجن بضع سنوات،
وبعد اطلاق سراحهما مضيا ليسكنا في بلدة اخرى. اما الزعيم
فكان له دور كبير في التعاون مع السلطة وسعيها الكابت – في
حيفا وغيرها.
عقل دمويّ
يوجّه هذه "الكشافة"/ العصابة.
في مسيرة استعراضية في الناصرة وقد تسلحوا بالبلطات والعصي
قام افراد من هذه الكشافة باستفزاز رجل من آل القاسم من
الحارة الشرقية كان يجلس في "الحسبة". تفاقم الامر حتى قتلوه
بالبلطات. الفتنة المرسومة مروعة لان الامر يتجاوز القتل
والقضاء الى اثارة صراع طائفي بين ابناء هذه الاقلية.
الجريمة تهز الجميع وتفتح عيون ابناء طائفة الكاثوليك على
الخطر الداهم، فتطالب بحل هذه الكشافة.
رفاق
الحزب والشبيبة يبيعون جريدة "الاتحاد" في "ساحة الكراج"
يتعرضون الى هجوم بالعصي تقوم به جماعة تأتمر بأمر من سيف
الدين وتوجيه من اجهزة الحكم العسكري. يريدون منع توزيع
جريدة "الاتحاد" بالعربدة المدعومة.
عقد اجتماع سريع للمسؤولين في الحزب والشبيبة. هنا منعطف لا
يمكن التهادن عنده. هؤلاء المسلحون بالعصي والمعتمِدون على
نجدة تأتي بالسيارات، وعلى تحريض مكتوم من الحكم العسكري –
يجب ان يوقفوا عند حدهم حالا وبنفس اللغة.
اقيمت لجنة الدفاع. امتلأت بعض غرف النادي بالعصي ومنها
قضبان الحديد وكل ما يمكن ان يكون سلاحا "أبيض" قويا ومؤلما.
استُنفر الرفاق من القرى المجاورة ايضا، عُينت فرق وعين
مسؤولون عنها، ورًسمت خطة للدفاع وللهجوم.
اذا اخلي المجال لهذه العصابة فلن يقف امرهم عند حد. يجب
اخماد امرهم في المهد. لا يمكن ان تتصف المعركة بسمات
عائلية، فمن عائلة سيف الدين عدد من الرفاق المسؤولين. انها
معركة ضد ما يرسمه الحكم العسكري واعوانه، وويل اذا افلحوا.
كان يحيى في مقر الحزب في الناصرة مسؤولا عن فرق الشبيبة
التي اندمجت مع فرق الحزب. التعبئة المعنوية تامة. ادرك
الرفاق انهم – هم وحريتهم وكرامتهم في خطر. المعركة مفصلية
في الناصرة التي اعتبرت عاصمة الاقلية العربية. يوم الحسم
كان يوم توزيع الجريدة، يوم الجمعة.
الجماعة الاخرى تزودت بنجدة/ "فزعة" من قرى المرج جاءت في
شاحنتين. توجه الرفاق ومعهم الجريدة في مظاهرة كبيرة ومعها
كل وسائل الدفاع، وتوجهت فرق اخرى الى مناطق قريبة من "ساحة
الكراج" لتنجد وتطوق المهاجمين من خلف. سيارات بعض الرفاق
قريبة للاسعاف والوصول الى المستشفيات. كل ما تحتاجه ساحة
معركة. الخطة: عدم التردد في الضرب، وجر المهاجمين الى ازقة
وشوارع جانبية لتقسيمهم.
السلطة تراقب وتتفرج. هناك من يقوم بدورها ثم – "فخّار يكسّر
بعضه".
بدأت المعركة شديدة. الرفاق يضربون بعنف، مجموعاتهم تنهال
على الساحة من الازقة والشوارع المجاورة. اصيب بعض الرفاق
ونقلوا الى المستشفى. الرفيق حنا المر اصيب بضربة قاسية على
رأسه من قضيب حديد. آخرون جرحوا، لكن الطرف الآخر يتمزق
ويهرب.
كان ذلك يوما حاسما في حياة الناصرة. كُسرت شوكة ارهاب
الزعرنة، وكان ذلك عمّادا نضاليا لكثيرين.
لكن المؤامرات لا تتوقف بل تزداد حدة بوسائل اخرى.
نادي الشبيبة في الناصرة يحرق في احدى الليالي. كل معدات
الفرقة النحاسية الجديدة التي كانت تتصدر مظاهرات اول ايار
وغيرها بالابواق الكبيرة والطبول وبالانغام القوية – احترقت.
المكتبة وغرف الالعاب وغرف الادارة – التهمتها النيران.
أيدي الاتهام موجهة الى الحكم العسكري ورجال سيف.
الدكتور النمساوي جار النادي
استطاع ان يصور الحادث بآلة التصوير من شباكه مما افاد في
الاعلام والتوثيق.
جو الغرفة
عابق بدخان السجاير الخانق. القنديل المعلق على الحائط شاحب
تضطرب ذيالته بين حين وحين. والاجتماع في بيت احد الاصدقاء
في القرية. صاحب البيت غاب عنه المدعوون قليلون، فيهم يحيى
واربعة آخرون.
في الايام الاخيرة يجري الهمس على ضرورة الاحتياط، والعمل
شبه السري.
البيان الذي قدمه الرفيق المسؤول مزعج جدا.
قال: الكيان العربي كله هنا مهدد بالخطر.
اصوات رسمية تتساءل علنًا: كيف بقيت جيوب عربية في الدولة
اليهودية. قاموا بترحيل من بقي بعد الاحتلال في صفورية وام
الزينات وغيرهما.
هدموا اقرث وكفر برعم بعد صدور قرار المحكمة.
سنّوا القوانين العديدة، لسلب الاراضي.
جهار الحكم العسكري بأذرعه العديدة يحصي الانفاس، يجند
العملاء، يسعى الى شق الصفوف برشوات رخيصة، ونحن نًنفى
ونُسجن باحكام عرفية.
يروجون لمشاريع الرحيل الى البرازيل واستراليا او أي مكان
آخر.
سعوا لشق الصف العربي بزعامة مدجنة لملموا اطرافها واشركوها
في انتخابات الكنيست باسم "القائمة او القوائم – العربية"
ليغتصبوا شعبنا ويزوّروا ارادته.
الهجوم على الحزب يشتد رفاقنا يعتقلون ويعذبون، توفيق زياد
يُصلب على حديد شباك السجن ويعذب، ينكلون برزق عبده في
السجن، اجهزة تنصت في بيوت قادة الحزب. الحملة عنيفة، علنية،
الحزب في خطر.
قال الراوي: عرف يحيى عن ترتيبات لاقامة مطبعة عربية واخرى
عبرية في اماكن سرية لم يسأل عن التفاصيل.
الاستعداد اذن للانتقال للعمل السري، مع تشديد المعركة ضد
الاجراءات لمنع العلنية.
في بعض الجلسات تجري مناقشة بعض الامور كتابة حيث يكون تبادل
الاوراق للرد، كما تفتح اجهزة الراديو، ويجري النقاش على
خلفية ثرثرتها.
قال الراوي: بعد سنين افلح العلم في فرز اصوات "التشويش"
وسماع الحديث او الحوار مصفّى بدون شائبة.
كان النقاش موجزا فالصورة معروفة للجميع ولا داعي الى مزيد
من التفاصيل عن صورة الهجوم والبطش.
السؤال: كيف يكون التنظيم الجديد والرفاق معروفون حتى
الاصدقاء المؤازرون مكشوفون سهل ان تنتقل من السرية الى
العلنية. لكن حتى آنذاك يجب ان تبقي لك احتياطا سريا
للطوارئ، اما الآن فمن اين تأتي بطاقية الاخفاء؟
في ذلك الاجتماع عُرضت المشكلة العامة. الا ان الترتيبات
العينية تُركت للقاءات فردية مع عناوين مختلفة.
|