عازفة الكمان التي قادتني إلى اكتشاف تفاهتي

  حسن اليملاحي

  قصة قصيرة

        من سوء طالعي أن ألتقي فقط بالمدللات الإسبانيات. "أميليا" كذلك، لا أدري كيف ومتى تعرفت إليها؟.

 بعد طول أسابيع نجحنا أنا وإياها في رسم خربشة لعلاقة اجتماعية تلملمنا. نمسح عبرها الفراغ باللقاء، والوحشة بالأنس، والدهشة التي قد تصيبنا بالتفلسف.

        ذات مساء، أسرت لي أن علاقتنا لم تعد اجتماعية، وأنه يجب الوعي بهذا الأمر. كنت أفهم صراحة ما الذي تعنيه، لذلك لم أبال بدعوتها لأني غير مؤهل للحب في الوقت الراهن.

        فشرودي، وحماقتي التي تعصف بي أحيانا، ولا مبالاتي، وإفراطي في الجلوس إلى الطاولة، كل ذلك يمنعني من الانخراط في قضية مثل هاته. هذا هو عمقي الحقيقي الذي لم أعلنه بعد لأي أحد، لكن فليأخذوه من أمكنتي إن هم أرادوا معرفتهم بي وإدراك حقيقتي.

        أنا أعلم جيدا أنهم غير قادرين على ارتياد أمكنتي، لأن الأمر يحتاج إذن إلى مزيد من المغامرات، لكنني بالرغم من ذلك سأسرد لهم قصتي إن كانت تستهويهم القراءة. وسيفهمون بعد ذلك أن الحب قد سار بنفسه نحو منحدرات دون أن أدلهم عنها، وسأوحي لهم كذلك بأن أوتاره لازالت عالقة بين حبل الكتابة والتخييل. وبطبيعة حدسي هذا سيفهمون لا محالة نوع شرودي وحماقتي ولا مبالاتي، وسبب إفراطي في الجلوس إلى الطاولة، دون أن أدعوهم إلى التخلي عن جذعهم المشترك والسفر إلى عوالمي السفلية.

        كلما حدثتني "أميليا" على الهاتف عاد، إلي وجهها الصبوح، وصورتها المعطرة بنوم خفيف يعلق برموشها، وبقايا صهيل ليلة البارحة، ونحن نحتسي قهوة الصباح بـ "التشالوط"، المقهى الصغير الذي يتسع صدره لاحتضان الأجانب الذين يفدون إلى بلدة "كالافيل" السياحية للاستمتاع ببحرها الهادئ، وشمسها الدافئة، والانخراط في "كرنفالها" الصيفي الجميل. أما أنا فقد كنت أدرك جيدا جواب ما معنى أن أكون سائحا.

أمام التعب الذي كثيرا ما يلحق بطاولتنا، كنا نجد بعضنا البعض، مضطرين لاستبداله بنوع من التلقائية، بالنظر طويلا إلى تلك "البولندية"، الشقية التي تعزف على كمانها، مستجدية الآخرين بألحانها المتصاعدة في الهواء، وهي تملأ شارع "بيدرو تريس" الذي يعرف كعادته حركية لافتة.

زجاج "التشالوط" الشفاف، لم يكن يمنعنا من تتبع عروضها الموسيقية والاستمتاع بها. المسكينة من شدة تعلقها بكمانها كانت تظل جامدة ومصرة على الوقوف إلى حد العناد. هذا الأمر سرعان ما كان يأخذ المارة فتجدهم يناولونها قطع نقود نحاسية، تبدو بخيسة من شكلها وهم يضعونها داخل ثنايا قبعتها الكالحة، والمبسوطة على الأرض.

الآن، وبعد أن عاد الخريف وانتهت إجازتي الصيفية.

هل يمكن لشارد مثلي أن يتجاهل عروض موسيقى تلك البولندية المهاجرة، وينسى معها ابتسامة "أميليا" التي باتت تختلط عنده بكمانها الساحر؟.

وحيث أن "التشالوط"، المقهى الصغير الذي اعتدت الجلوس إلى طاولته، والبولندية قد قادتني إلى اكتشاف تفاهتي، أيقنت وقتذاك بكوني لا أستمتع حق الاستمتاع بشواطئ بلدي وشمسه، وبموسيقى عازفيها، ولوحات تشكيل فنانيها. لذلك فإنه من رأيي أن أعلن نفسي متشردا بدون مشاعر، و"سورياليا" رابعا يؤسس لعوالمه الخاصة، وأن أتجنب الوقوع في الحب حتى لا أعي بأني سائح من درجة أخيرة.