|
هنري زغيب شاعر غنّى الحب العاشق حتى الثمالة حاوره : د.محمد جمال طحان الشعر قنبلة الوقت التي تفجّر أحلامنا في وجه رتابة الأيّام ، تدكّ حصون الذاكرة المتراخية ، وتقضّ مضجع التأريخ الرسميّ المكتوب ليستعيد الشاعر توازن روحه عبر تذويب الشمع الأحمر عن الأرواح ، عن الألم المكبوت ، فيتحول المكبوت إلى مكتوب ، يسعد ويؤرّق ويثقّف الأرواح المهمّشة لتسمو وهي تتلقف العالم بصورة جماليّة أبدعها الإنسان . كان الشعر ديوان العرب ، فغدا الباعث الأوّل على استقلال الأقطار العربيّة والمتنبئ الجدير الذي يدعونا إلى رفض ركام القحط عن ذواتنا .
*هل تعطينا لمحة موجزة عن حياتك؟ - أنا من مواليد مدينة جونيه الساحلية 1948 درست الثانوية في جونيه ثم أكملت تحصيلي الجامعي في الجامعة اللبنانية (كلية الآداب) ثم تخرجت حاملاً (الليسـانس) في الأدب العربي ، وهذه الإجازة أتاحت لي أن أدرّس فدرّست 7 سنوات الأدب العربي والترجمة والتعريب وتاريخ العلوم عند العرب والفلسفة العربية في أكثر من معهد ، وفي الوقت نفسه بدأت أزاول الصحافة الثقافية منذ ثلاثين عاماً. بدأت أكتب في جريدة النهار البيروتية 1972 ومع النهار ، كتبت في الصياد (75) فترة سنتين كنت رئيس تحرير القسم الثقافي ثم انتقلت عام 76 إلى الحوادث حيث استلمت رئيس قسم التحرير الثقافي بقيت أربع سنوات ولم أنقطع عن النهار أبداً. وفي 1979 ـ أو 80 انصرفت نهائياً إلى النهار وما أزال حتى اليوم فيها ، عندي زاويتان أسبوعيتان زاوية (أزرار) وزاوية (كومبارس) . * ما هي المؤلفات المطبوعة حتى الآن؟ - أما المؤلفات فقد بدأت باكراً في النشر, أول كتاب نُشر لي 1970 وهو قصة مترجمة , ثم درجت على الكتب المترجمة والمؤلفة والمسرحيات وأبحاث وأنطولوجيات بشكل خاص ، وأول مجموعة شعرية لي صدرت عام 1981 عنوانها "لأنني المعبد والإلهة أنتِ" التي أعقبتها سنة 1986 مجموعة عنوانها "إيقاعات" و 1992 مجموعة "سمفونية السقوط والغفران" ثم عام 1994 مجموعة "من حوار البحر والريح" 1997 "صديقة البحر" 2000 " أنت ولتنته الدنيا" عام 1988. سافرت إلى الولايات المتحدة ، ألقيت سلسلة من المحاضرات والأمسيات الشعرية وصدر لي في واشنطن كتاب مختارات من قصائدي في اللغتين العربية وترجمتها الإنكليزية ، وفي الولايات المتحدة . زاولت التدريس الجامعي في جامعة جورج تاون في واشنطن وفي جامعة فلوريداعام 94 عدت إلى لبنان نهائياً وأسست لجنة الأوديسا الشعرية الأدبية واستأنفت إصدار مجلتي الشعرية (الأوديسا) التي كانت تصدر في بيروت 82 ـ 83 ـ 84 وقد أوقفتها عندما سافرت إلى الولايات المتحدة , والآن عدت إلى إصدارها من جديد ، وهي مجلة شعرية لا تنشر إلاّ القصائد الجديدة أو دراسة عن الشعر ، لا تنشر قصة ولا مسرحية ولا مقالة ، لا تنشر سوى الشعر لأن حياتي كرّستها كلها من أجل الشعر . * ما هو شكل القصيدة التي تكتبها ؟ - أكتب القصيدة الكلاسيكية والتفعيلة والنثر الجمالي الذي يسمّيه البعض شعراً حديثاً أو قصيدة نثر أو نثر شعري ، أنا أسميه النثر الجمالي . عندما لا تكون هناك تفعيلة أو وزن أو بحر هذا نثر وإن كُتب عامودياً كما يُكتب الشعر. لم أدخل مرة في صراع بين الشعر الحديث والشعر الكلاسيكي وهذا الأمر لا يعنيني أبداً لأني أرى أن الشعر فن عظيم والنثر فن عظيم فلماذا نهين النثر عندما نلحق به لفظة شعر فكأننا عندما نقول قصيدة نثر كأننا نرفع من قيمة النثر حتى يصبح بمستوى الشعر ، هذه إهانة للنثر . النثر فن عظيم والشعر فن عظيم فطوبى لمن منحه الله نعمة الصناعتين معاً . * وما قولك بما يقوله شعراء النثر؟ - يعني هناك أسماء أصبحت بارزة هناك قصيدة نثر .. سموها قصيدة نثر. لا تبهرني الأسماء ولا تبهرني الموجات ، هذه الموجة موجة استوردناها من الغرب لأن الغرب حاول أن يبحث عن أسماء جديدة قد كان الأمر عادياً حتى عام 45 أو 46 عندما نشرت نازك الملائكة في العراق قصيدة الكوليرا ثم تلاها بدر شاكر السياب وأعقبها بلند الحيدري والباقون ، ثم وصلت الموجة إلى لبنان فبدأ الشعراء في لبنان يكتبون شعر التفعيلة . عام 1955 سافر الشاعر اللبناني يوسف الخال إلى الولايات موظفاً في منظمة الأمم المتحدة هناك تعرف إلى مجلة تدعى (poitry) ، عندما كنت في أميركا كنت اشتريها أو بالأحرى كنت مشتركاً فيها ، هذه المجلة تنشر الموجة الجديدة من الشعر ، بعد سنتين أمضاهما يوسف وقرأ امرسن وقرأ ت ـ س ـ ايليوت وقرأ سان جونبرس وقرأ الشعراء الأمريكيين ثم عاد إلى بيروت ونقل هذه الموجة كما هي ، والمجلة كما هي بنفس الاسم (شعر) وأصدرها في بيروت في نفس الطريقة التي تصدر بها مجلة (poitry) أو شعر في الولايات المتحدة (عندي شعر وعندي poitry) وهما متشابهتان . نقل هذه الموجة ، الذين كانوا مقصرين عن الإبداع في التفعيلة أو الوزن ركبوا هذه الموجة السهلة وقالوا هذه القصيدة الجديدة وبدؤوا يكتبون بها ، - منهم مجيدون ورائعون كأنسي الحاج ـ ومحمد الماغوط ـ وأدونيس الذين يشتغلون على القصيدة ، أما من ركبوا الموجة من الكثرة الكثيرة فهذا استسهال للكتابة لأن الكتابة بجدية كتابة صعبة تتطلب صناعة عالية وهذا ما يفتقر إليه الكثيرون ممن يركبون موجة الشعر الحديث ، وبحجة الشعر الحديث يكتبون الغث والثمين ويكبون ما يطيب لهم بدون روادع بدون ضوابط بدون قواعد وبدون سكة يمشون عليها كلّ يغنّي بما يحلو له حتى عمّت الفوضى كما هي الآن ..... عمت الفوضى ... فوضى الكثرة وليست فوضى الجودة ، أنا مع الجودة لا الكثرة أنا مع النوعية لا العددية أنا مع حبة اللؤلؤ الثابتة في قعر البحر ولست مع الزبد الكثير الذي يبهر العين في ألوانه الكثيرة عندما تنعكس عليه أنوار الشمس وخاصة مع المغيب كل هذا الزبد الأبيض تحسبه كثيراً تحسبه أصيلاً تحسبه لن يزول وبعد دقائق تصل الموج إلى الشاطىء ويبتلع الرمل كل هذا الزبد وتبقى حبة اللؤلؤ الأصيلة في قعر البحر لا يهمها موجة تعلو وموجة تهبط .. موجة تأتي وموجة تزول إنها ثابتة من العمق وهكذا الشعر الأصيل لا يتأثر لا بموجة ولا بعصر جديد ولا بعصر حديث * هل وصلنا إلى سؤال الحداثة في الشعر ؟ - عندما يقول عنترة : وودت تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المتبسّمِ هذا شعر نضر، هذا شعر حديث كأنه كتب في عصرنا اليوم لأن فيه جماليةً شعرية ليست موجودة في الكثير الكثير مما ينشر اليوم أو مما يُكتبْ . إذاً الشعر الحديث لا يلغي الشعر السابق أو القديم أما الشعر الحديث في المعنى الاصطلاحي ، كل قصيدة جميلة هي حديثة حتى ولو كان عمرها ألف عام عندما يقول المتنبي : على قلق ٍ كأن الريح تحتي أوجّهها جنوباً أو شمالاً هذه هي الحداثة وهذه هي النضارة التي لا تزال تدهشك حتى اليوم كأنها كتبت لك . *حول قصيدة النثر ، ما فهمت من حديثك في كل نوع جديد لا بد أن يكون هناك رواد وهذا لا ينفي أن هناك قادمين جدداً قد يصبح بعضهم روّاد في يوم من الأيام ، يعني كيف ننفي الشاعرية عن هؤلاء الجدد الذين لم يعرفوا بعد ؟ - أنا لا أنفي الشاعرية عن الجدد ، عندنا عناصر شابة ممتازة لا تزال تتلمس طريقها للوصول إلى صيغة ما ، إلى شكل ما ، هذا الكلام الذي أقوله لك لا يعني أنني أتعصب للشعر العمودي لأن في الشعر العمودي غثاً وثميناً أكثر بكثير مما تجده أنت فيما نسميه قصيدة النثر أو الشعر الحديث . أنا لا أُخدع بطنين البحر والروي والوزن والقافية والقصيدة العمودية المرصوفة أبياتها فوق بعضها البعض، لا أقع في هذا الفخ لأن القصيدة الكلاسيكية هي كالفرس الأصيلة كالفرس الجموح إن لم يمتطها فارس أصيل سوف يقفز عنها أو سوف توقعه هي عنها لأنه ليس ابن الأصالة . الشاعر الشاعر هو الذي يمتلك أدوات التعبير، ويمتلك صناعة الشعر حتى يستطيع أن يمتطي هذه الفرس التي هي القصيدة العالية من دون أن توقعه عنها وإلا فهو نظّام ثرثار يأخذ معنى ويسكبه أو يسفكه في الوزن لم يكن الوزن ولم تكن القافية ولم يكن العمود الشعري مرة شرطاً لإبداع القصيدة . * هذه اللغة الشاعرية تفرض عليّ أن أُظهر شاعراً في داخلي ولكنني سأكبح جماح هذا الشاعر كي أبقى في مستوى الحوار العقلاني كي أستطيع أن أوصل لمن أكتب لهم آراءك كما هي . ذكرت في حديثك شيئاً ما عن لجنة الأوديسا أرجو أن تحدثنا عن هذه اللجنة وما الذي تفعله وما هي مهمتها ؟ - لجنة الأوديسا أسستها عام 1986 وهي مؤلفة من ثلاث سيدات هن منى غزال ـ رشا نجار ـ ألكسابرجي وأنا , نحن أربعة أشخاص في هذه اللجنة منذ تأسيسها ونحن نقوم شهرياً بأحداث ثقافية شهرية في بيروت ، بعض الأحداث يكون احتفاء بصدور كتاب ، نحاور مؤلفه ، بعض النشاطات يكون احتفاءً بذكرى أديب أو بذكرى شاعر وعندنا مرة كل سنة مهرجان الأدب الشعري نقيمه ونستضيف فيه شعراء من لبنان والدول العربية . *هل هناك معيار لانتقاء الكتب التي تحتفون بها؟ - إجمالاً الكتاب الصادر حديثاً والذي يتمتع بمستوى معيّن أو بمصداقية أو يتمتع مؤلفه بمصداقية معينة . * هل هو ديوان شعر فقط أم أي كتاب ؟ - لا ليس من الضروري أن يكون ديوان شعر . لكن إجمالاً أنا ميّالٌ لتكريم الشعر أكثر، أشعر بأنني كالكاهن الإغريقي واقف على باب الهيكل ومرصود ، عليّ أن أكرّم الشعر والشعراء زملائي أو روادنا الكبار ، أحس هذا النوع من القدر كأنما هو قدري . * هل هناك معيار أيضاً لتكريم الشعراء ؟ - بالطبع هناك أدباء أصبحوا مكرّمين ، أعطيك مثالاً كرمنا الذكرى العاشرة لوفاة توفيق يوسف يوسف ، وكرمنا الذكرى الخامسة عشرة لغياب عاصي الرحباني ، كرمنا الذكرى الخامسة والعشرين لغياب أنطون قازان . إذاً هذا هو النوع النشاطات التي نقوم بها . *هل تذكر بعض الكتب التي احتفلتم بها ؟ - نعم ، مثلاً عندما صدر كتاب سلة الفاكهة لطاغور بترجمة من الدكتور أنيس مسلم احتفلنا به ، وعندما صدر كتاب لليلى العثمان الكاتبة الكويتية اسمه (يحدث كل ليلة) وهو مجموعة قصصية، عندما صدر كتاب (وشوشات غير مسموعة) للكاتبة السعودية هيفاء اليازجي وكتاب رسائل أندلسية بين نزار قباني وسلمى الحفار الكزبري ورواية مي ميسّر (أوراق من دفاتر شجرة رمان) احتفلنا به .. هذا هو النوع الذي نحتفل به . * ألم تفكر بالاحتفال بشيء من التراث ؟ - لا .. بعد .. ولكن هذا لا يغيب عنا أبدا * أحاول أن أوحي بفكرة الاحتفاء بالذكرى المئوية للكواكبي . يخطر لي لو أن نستغل بعض المناسبات لشخصيات مهمة لعودة التذكير بها بطريقة أو بأخرى. - والله ليتهم يحتفون بالكواكبي هنا لأنه فعلا مجهول من الجيل الجديد المخدوع بالسهولة والذي لا تصله أية جرعة من ثقافتنا العربية الاصيلة . * ننتقل أيضا إلى مجلة الأوديسا : من أبرز من بحث فيها ؟ - محمد الفيتوري ـ سعيد عقل ـ بلند الحيدري ـ عبد الوهاب البياتي ـ أدونيس ـ نزار قباني. * الحديث عن سعيد عقل يستدعي سؤالا بديهيا : هل جربت الكتابة باللهجة العامية ؟ - أنا عندي قصائد بالعامية تغني معظمها الفنانة ماجدة الرومي . عندي الكثير من القصائد المغنّاة . القصائد غناء نعم ، ولكن القصائد للكتابة أو الكتابة بحد ذاتها ، لا يوجد عندي كتاب في قصائد العامية . * إذا لا تجيزون الكتابة بالعامية إلا في مجال الغناء . - الغناء في العامية أقرب إلى قلوب الناس بشكل عام . هذا لا يعني أن الفصحى هي أبعد عنهم وعن هواهم . * هل تحدثنا عن هواياتك ؟ - أنا هوايتي الكتابة وعندما أريد أن أستريح من الكتابة أكتب ، إذاً أنا منصرف إلى قدري وهو الكتابة شعراً ونثراً وأشعر بأنني تزوجت الكتابة وهذا دليل أو مؤشر وهذا سبب لانكسار زواجي لأن انصرافي الكتابة شغلني عن حياتي الزوجية ... أشعر أن قدري هو الكتابة ، لا هواية عندي سوى الكتابة ، لا حرفة لي سوى الكتابة ، فكأن الكتابة حرفتي وهوايتي معاً . * هل جربت أن تكتب القصة ؟ - أبدا لا أدّعي أنني أتجاسر على فن عظيم كالقصة ، وأنا لست أهلاً له ، لم أجرب أصلاً ، لم يخطر ببالي أن أجرب القصة أو الرواية . * هل تحضرك الآن شخصية مميزة مرت في حياتك ، في فكرك أو لم تكن قد التقيت بها قبلاً .- شخصية مميزة بأي معنى ؟ * شخصية تحب أن تلتقي بها الآن ، شخصية أثّرت بك . - الياس أبو شبكة * السبب ؟ - السبب أن له الفضل الأول في تحولي إلى عالم الشعر . * كيف ذلك ؟ هل يمكن أن ننتقل إلى عالم الطفولة لنتلمّس ذاكرةَ الشاعر الأولى ؟ - كنت في طفولتي الأولى أمضي عطلات الصيف عند بيت جدي وجدتي في الضيعة وكانت المدرسة الدخول الأول في عالم الشعر الغامض ؟ تعطينا فروض العطلة الصيفية فكنت خلال فترة الصيف أكتب فروضي وأمضي أسابيع طويلة بين كروم العنب والتين وبين أشجار اللوز في أحضان جدي وجدتي وبيتهما الجبلي الريفي الجميل فكان جدي يملك دكاناً في ساحة الضيعة كلما أتى مساء يسألني هات اقرأ لي ما كتبت اليوم فأقرأ عليه فروض الإنشاء فكان يغتبط طربا لما أقرأ له لم يكن يدري جدي أنه في هذه الطريقة نمّى فيَّ الوقفة المنبريّة ، وقفة القراءة الجهورية أمام الناس. فكأن جدي كان جمهوري الأول .. ذات ليلة دخل كالعادة قال لي هات ماذا كتبت اليوم ؟ قرأت له موضوع إنشاء أتذكره حول الربيع وهو بدائي وليس له معنى فأغرقت عينا جدي بالدموع فرحا وغبطة وحينما أنا انصرفت إلى حقيبتي أدرس فيها موضوع الإنشاء سمعت جدتي تقترب منه وتقول لم أفهم شيئا مما قال الصبي ولكني أخشى أن يستمر هكذا ويغدو غداً كهذا المجنون عندنا في الضيعة . فقال لها : لا تخافي سوف يكون كاتباً ولن يغدو مجنوناً. نمت تلك الليلة وأنا أفكر من هو هذا المجنون الذي شبهتني به جدتي ولماذا شبهتني بالمجنون إن أنا قرأت أو كنت كاتبا ، وعندما استيقظت في اليوم التالي سألت جدتي : من هو هذا المجنون الذي تحدثتي عنه الليلة الماضية ؟ فقالت: لا تهتم يا حبيبي هذا مجنون كان عندنا في الضيعة يمشي يهز بكتفيه ويحمل عصاً يضرب بها الأرض ، كنا نقول له إلياس أبو شبكة . أنا كنت صغيراً ولم أعرف من هو إلياس أبو شبكة . عندما انتهى فصل الصيف وعدت إلى البيت ، أول ما فعلته طلبت من أبي أن يشتري لي كتب الياس أبو شبكة ، اشتراها لي وقرأت في هذه الكتب ولكني لم أفهم شيئاً ، كنت صغيراً جداً وبقيت هذه الكتب قرب وسادتي سنتين أو ثلاثاً وربما أربعاً وكنت كلما قرأت فيها أكثر كلما كبرت في السن أكثر وكلما فهمتها أكثر وأحببت الشعر على صفحات الياس أبو شبكة . اليوم ماتت جدتي وهي لا تدري بأن سؤالاً صدفويا سألته لجدي ذات ليلة صيف من ليالي الطفولة حولتني به نهائيا صوب شعري ، إلياس أبو شبكة كان أول شاعر قرأته وتأثرت به مرتين ، مرة لتركيبه الشعري ومرة لصدقه في شعره . وحتى اليوم لا أزال على هذه المدرسة .. على هذه النزعة.. على هذا المنوال لأن الصدق في الشعر هو جوهر الشعر . * إذا شئت ان تستحضر شخصية من التاريخ ، من تستحضر ؟ .. ما السبب ؟ - أستحضر المتنبي لكي أحاوره وأستنبط مكامن هذا العظيم الذي أمضى حياته عاشقاً ومقهوراً . ومن العشق والقهر كانت عبقرية شعره أحب أن أستحضر المتنبي . * خلال عملك الصحفي هل واجهتك صعوبات .. أو مواقف مستعصية ، أو مواقف طريفة تستدعي الاهتمام ؟ - لم تواجهني صعوبات خلال عملي الصحفي أنا لم أتعاط إلاّ الصحافة الثقافية ، وقد تمكنّت خلال ثلاثين عاما في هذا العمل أن أرسم صورة ثقافية بيلوغرافية وفي نفس الوقت بشريحة كبيرة جداً من الأعلام اللبنانيين وبعض العرب عندما يتسنى لي أن أخرج من لبنان إلى مهرجان أدبي هنا أو ندوة هناك أو احتفال ,أنا سعيد جدا بما أنجزت . * ما أحب دواوينك إلى نفسك ؟ - دواويني تقسم إلى قسمين : القسم الأخير وهو منذ (صديقة البحر) وكتبي قبل صديقة البحر. كتبي قبل صديقة البحر مع احترامي للواتي أوحينها إليّ ، كانت مقدمات لبلوغ مرحلة النضج العاطفي والحب الكبير الذي أعيشه والذي أعطاني (صديقة البحر) كتابي قبل الأخير . والذي أعطاني ديواني الأخير (أنتِ .. و لتنته الدنيا) * هل يمكن أن تكون صديقة البحر بعيدا عن حب حقيقي ؟ - إنها الحب الحقيقي . هذه المرأة موجودة .. لم أتوهمها .. لم أتخيلها .. لم أفترضها .. إنها المرأة التي كأنني قضيت أول خمسين سنة من حياتي أنتظرها ، وكل كتبي قبل (صديقة البحر) كأنها كانت مسوّدات لموناليزا مع ليونادرو دافنشي ، وها هي اليوم وصلت موناليزا ، وأنا مبهور أمامها أنشدها الشعر وأشعر أنني ما أزال مقصرا أمام هيول حضورها .. أمام طغيان حضورها عليّ ، بينما قبلها كانت النساء يتغيرن من فترة إلى فترة ومن مرحلة إلى مرحلة، أما الآن فأنا وصلت إلى شاطئي .. وأنا بدأت أهنأ بحياتي وحبي الذي أعيشه الآن والذي أضرع إلى الله كي يطيل في عمري لا لأكتب شعرا ، بل لأحب حبيبتي .... * وقبل (صديقة البحر) أقصد (المرأة) وليس الديوان ؟! - قبل (صديقة البحر) طبعاً كتبت قصائد لنساء .. إنما كنت دائماً أضيف شيئاً مني في القصيدة حتى تكتمل الحالة الشعرية مع صديقة البحر ، مع طغيان هذه الحالة النيرفانية العظيمة ، الشعشعانية العظيمة ، النورانية العظيمة ، أشعر أنني ما أزال مقصّراً عن التعبير عمّا يجب أن أقوله في حبيبتي . * هل يمكن أن نحتمل الحياة مع وجود صديقة البحر الحقيقية ؟ - أنا احتملت الحياة بعذاب قبلها وأنا وجدت الآن فردوسي الذي كان مفقوداً فاهتديت إليه . *هل هذا يعني أنه بلا عذاب ؟ - طبعاً بلا عذاب .. العذاب ليس شرطاً من شروط الإبداع الشعري أبداً .. أنا هانئ بحبي ، هانئ مع حبيبتي وأكتب لها شعراً هو من أصفى ما كتبت على الإطلاق .. ليس في شعري حزن ، ليس في شعري غم ، ليس في شعري بكاء ، ليس في شعري تشاؤم ، ليس في شعري نق .. شعري هو الضوء ، هو الفرح الذي أتاني أخيرا من حبيبتي وما أزال أمامها ألقي لها الشعر .. أنشدها الشعر ، وأرجو أن يطول بي العمر حتى أستطيع أن أفي حضورها كل هذا المخزون العاطفي الذي تفجره بي . * كنت سأسأل كيف يكتب الشعر إذا مع وجود حب بلا عذاب ؟ - الشعر هو قلب الحالة وإذا كانت حالتي سعيدة فشعري سعيد . * نصل الآن إلى سؤال قد يفجر فيك شيئاً من الحزن ؟ ما أحب قصائدك إليك ؟ - يا صديقي .. كل قصيدة لي هي قصيدة أولى وأنا أتنفس في قصائدي مع نفسي ، يعني قصيدتي الجديدة لا تنافس باقي الشعراء ، بل تنافس القصيدة التي قبلها . أنا أنافس أنا في الشعر وليس بوارد أبدا أن أتنافس مع أي أحد من الشعراء . * أليست هناك قصيدة محببة إلى نفسك الآن ؟ - نعم ... قد تكون أول قصيدة كتبتها لحبيبتي ، لصديقة البحر هي أحب القصائد إلى نفسي . * هل تذكرها ؟... - أذكرها طبعاً .. عنوانها : (حب إلى الضوء الآتي) تقول القصيدة : باسم الضوء الآتي من ظلمات صحارى العمر باسم الضوء الطالع شمساً لم يعرفها نور الفجر وعلى اسم الرجز الهادر في أعماقي صحوة رب أني اليوم عرفت الحب جئت إليكم فالتمسوني بين يديها أودعت حياتي نذر وفاء واقتلعوني شعاً يسّاقط في عينيها هي كل أنا هي نبض أنا هي بعد اليوم ، اليوم أنا فانتظروني أنذر ذاكرتي العذراء * كيف تكتب القصيدة ؟ سؤال تقليدي ، ومع ذلك سأسأله كي أستفزك ؟ - أنا لا أكتب القصيدة أبدا .. هي التي تكتبني .. هي التي تطرق بابي ، هي التي تؤرقني ليلاً حتى أكتبها .. وعندما أكتبها ينتهي دورها هي ويبدأ دوري أنا في التنقيح وإعادة الكتابة والصقل حتى تصبح لابسة أزهى أثوابها لكي تليق بحبيبتي . * هل لديك طقوس خاصة بالكتابة ؟ - لا .... أبداً . * ما هي مميزات القصيدة لديك .. ما الذي تريد أن تقوله فنّياً في القصيدة بعد أن تكتبك هي ؟.. - ما أريد أن أقوله فنّياً في القصيدة هو أن يتزاوج الشكل مع المضمون تطير القصيدة بجناحين: الموهبة والصنعة ، المضمون والتقنية ، يجب أن يتساويا وإلاّ جنح الطير وسقط ، يجب أن يتساوى الجناحان معاً ، عندما يكون المضمون عظيماً ، عليّ أن أنحت الشكل حتى يصبح لائقاً بهذا المضمون . * إذا جاءك بابا نويل المارد أو مصباح علاء الدين ، ما الذي تتمناه ؟ - فاجأتني بالسؤال . ولكن الجواب قد يكون أتمنى أن يحمل أياماً إضافية من عمري لكي أعوّض عمّا فاتني من عمري ولم أحب فيه . * الشعر لا يطعم خبزا ، كيف إذا تعيش ؟ - أعيش من كتابتي .. كتابتي الأدبية .. كتابتي الصحفية ومن كتبي . الشعر هو المادة الفاخرة في كتابتي ، المادة الأجمل في كتابتي .. لا تطعم خبزاً .. لا يهم .. إنها الأبقى . ما يطعمني خبزاً يذهب مع الخبز .. النثر والكتابات الصحفية تذهب مع رغيف الخبز .. أما الشعر فهو الباقي . * هل وُجه إليك نقد جعلك تفكّر طويلاً ؟ - صحيح وُجه إليّ نقد أنني شاعر لا أغوص على الحياة وعلى أنماطها وعلى فلسفتها وعلى عقائدها ، بل انصرفت وأنصرف حتى الآن وسأظل منصرفاً إلى شعر الحب هذا ما أخذ علي ، ولكنّه لا يوجعني ... أنا سأكتب شعر الحب لأنني أصل إلى وطني من خلال حبيبتي ... أصل إلى الله .. أصل إلى نفسي من خلال حبيبتي ... * ما الذي يؤرقك الآن .. على الصعيد الشخصي ، ثم على صعيد العام ؟ - على الصعيد الشخصي : بدأ يؤرقني العمر .. أخاف أن يغدرني العمر .. لم أكن أشعر به من قبل . على الصعيد العام : يؤرقني وطني .. أقصد لبنان ، بمقدار ما فيه من فساد سياسي يقودنا إلى الهاوية ، فيما لبنان الحقيقي هو لبنان الإبداع ولبنان الثقافة . * أين إذن الوطن العربي ؟ - الوطن العربي اليوم خاصرته تنزف والعالم يتفرج ، قد تكون هذه أبشع جريمة تشهدها البشرية وليس من يتحرك .. عندما أراقب وأتابع كيف يذبح الناس .. أو يقتل الناس في فلسطين ... كيف يسقط شهداء المقاومة .. وشهداء الانتفاضة حتى ينفذوا هذا النسغ الذي هو أرض فلسطين . حتى تعود أرضهم إليهم ، وليس من يتحرك وضمير العالم عاهر أمام الجمل الأعور الواحد في البيت الأبيض أشعر بأن الإجحاف يطال شعبي بكامله . كتبت قصيدة في ذكرى خمسين النكبة عن فلسطين * هل جربت الكتابة عن حوار الحضارات أو صراع الحضارات ؟ - لا هذا موضوع لم أكتب فيه . وأنا ضد الذين هم ضد العولمة أنا لا أخاف العولمة عندي من التراث العريق .. عندي من التراث الأصيل ما يكفي . على هامش الحوار : أجرينا الحوار خلال دعوة عشاء أقامتها جمعية العاديات
بمناسبة الندوة العالمية عن (ابن حزم الأندلسي) التي أقامتها جامعة حلب
بالتعاون مع معهد ثربانتس الاسباني وجمعية العاديات في أحد المطاعم القابعة
في حلب القديمة .... تركنا العشاء .. والحفل ونزلنا إلى (قبو المونة) وفتحنا
حوارا دام ساعة ونصف ومما يجدر ذكره أخذنا طاولة صغيرة في ركن يشبه مغارة
جعيتا ... ولاحظنا وجود طاولة كبيرة مستطيلة الشكل مجهزة بقالب كاتو كبير ..
ويبدو أنها معدة لإقامة حفل ما ... ونحن في منتصف الحوار وإذا مجموعة من
الشبان والشابات يتوافدون واتضح أنهم كانوا يقيمون حفل عيد ميلاد في القبو
... جلس المتوافدون تباعا صامتين ... بعد أن انتهى الحوار وجدت أن واجبي
الاعتذار لهم لأننا أخرنا وقت حفلهم .. لكن الصدق كان باديا في عيونهم حين
قالوا لقد كنا نستمتع بما نسمع من شعراء وهذا يجعل لحفلنا طعمًا خاصّاً ... |