ما زالت الثقافة
الإبداعية ، وستبقى دوما ، تطرح إشكاليات الغموض والوضوح من
منطلق الإلغاء والمصادرة على طريقة المغامرة المدرسية
المزاجية الذوقية ، وإن كان الهدف المعلن لدى كل مصادر ملغٍ
يتقصد المنهجية النقدية الموضوعية شكلا لا جوهرا . في حين
يعد موضوع الغموض / الوضوح أو الإيحاء / المباشرة الموضوع
الحيوي في تاريخ الآداب كلها ، وذلك عندما تحدث المفارقات
بين نص يحتاج إلى إنتاج، ونص آخر واضح مباشر جاهز للاستهلاك
.وبكل تأكيد يوجد نص ثالث يقع في المنطقة الوسطى بين الغموض
الأعلى والمباشرة الدنيا ، مما يبرر لكثير منا الانسجام مع
مقولة " النص السهل الممتنع " أو "النص الشفاف " فنتقافز
مرددين هذا هو النص الذي نريد !!
هل علينا أن نعترف
دوما بعدم وجود النص الواضح بالكامل ، وبعدم وجود النص
المغلق بالكامل؟!! وما مدى أن نقتنع بإمكانية تواجد
المستويات العديدة في نصوص كل الكتابات ، وأن ثقافات القراء
المتعددة هي التي تحدد ، وبطريقة علمية أو مزاجية ، درجات
النص بين الوضوح والغموض ، ليصبح النص بالتالي محكوما
بديناميات الثقافات المهيمنة لا بديناميات النص نفسه ، ولهذا
لا نستغرب أن يكون المتنبي أعظم شعراء العربية في ثقافة، وهو
ليس بشاعر في ثقافة أخرى ..!!
وفي كل الأحوال ،
كان من الأجدر بنا ألا نغبن النصوص حقوقها ، فنجعلها مثارا
للسخرية ، لأنها ببساطة قد تكون أمثولة إبداعية لدى آخرين .
ولأن التناقض هو
السمة الأكثر بروزا في طبيعة المثقف والثقافة المعاصرة ، فإن
التحولات الرؤيوية والجمالية أصبحت تتطاير متناقضة بشكل
ملحوظ قد لا ينتبه إليها المثقف نفسه كما يتنبه إليها
الآخرون ، فلم يعد هناك لدى الكثير من المثقفين مجال للتجرد
والحيادية في ظل المقولات الثقافية المجاملة التعميمية التي
أصبحت تشبه المصالح التجارية ، ولكن بطريقة ثقافية معجونة
باستعراضات لغوية محلاة بالمحسوبيات والشلليات والنرجسيات
كما يردد الكثيرون من المثقفين !!
لمن يكتب الكاتب ؟
ومن يقرأ كتابته ، وهل الانتشار الإعلامي دليل على سلامة
الكتابة ؟أم أن قراءة آلاف القراء لنص ما معناه أن هذا النص
مثالي ، وأن عدم قراءة بعض النصوص معناه تهميشها؟!
بإمكاننا أن نقول :
إن النصوص التي أثارت إشكاليتي الجريمة والجنس كانت هي
النصوص الأكثر رواجا لدى عموم القراء، في حين كانت النصوص
الفلسفية ـ على سبيل المثال _أقل النصوص انتشارا، بل اقتصر
انتشارها على النخبة.. وهنا نقر بأن الكتابة كتابات مشروعة ،
كما أن القراءة قراءات مشروعة ، وأن أي ناقد / قارئ يحاول أن
يضع نفسه في دائرة تعميم أحكامه الذوقية ،غالبا ما يضع نفسه
في دائرة النقد البطرياركي المعياري الذي يجعل من المعلومة
الذوقية الخاصة توهما معلومة علمية كاملة شاملة لا تقبل
الإفساد أو النقض ، فهو إن صادر وألغى، يصادر ويلغي باسم
العلمية والمنطق ، وإن صادر الآخرون وألغوا بعضه ، يصادرونه
باسم الحقد والكره والغوغاء.. فأية مفارقة هذه التي تجعل من
بعض ثقافات النخبة المهيمنة تنكفئ على وجهها لتصبح علامة غير
حضارية ، لكنها تبقى مشروعة !!
أغلبنا ،إن لم يكن
كلنا، في الثقافة العربية نرفض النص السريالي أعقد النصوص
الحديثة ، لأنه نص غير تواصلي ، مع عدم الإقرار باستحالة
فهمه أو تفسيره ، والذين كتبوا مثل هذا النص في العالم
العربي يعدون على رؤوس الأصابع لأنهم، من وجهة نظر معادية
لهم ، عبثيون وجوديون فوضويون اقتنعوا بأنهم فلاسفة، ومن هذه
الناحية من حقهم أن يمارسوا مشروعية كتابتهم ، كما من حقي
ألا أقرأهم أو أن أقرأهم لإنتاجهم سلبيا بطريقة موضوعية فنية
،.. لكن لا أستطيع أن ألغيهم أو أصادر وجودهم الذي أتصوره
هشا أو مبتذلا !!
ولعل الخطورة الكبرى
تنبع من تلك المقولات التي أصبح يرددها كثير من المثقفين
لتصادر الكتابة الجديدة وتلغيها بعموميتها : ضد الشعر الجديد
، وضد الرواية الجديدة ، وضد القصة الجديدة ، وضد المسرح
التجريبي ، وضد النقد الجديد ، وضد النص الجديد ، وضد
الكتابة عبر النوعية ..وضد الحساسية الجديدة ، وضد الكاتب
الجديد ، وضد الثقافة الجديدة ، وضد اللغة الشائعة في
الكتابة الجديدة ، وضد المعاصرة .. وضد الحداثة .. وضد
البنيوية .. وضد التفكيكية .. وضد المابعد .... وأخيرا ضد
نفسي التي أحجر عليها التفاعل بحساسية جديدة مع الخطاب
الجديد!!.. وكل هذه الأشياء وغيرها أنا ضدها بحجة أن القارئ
العادي لا يفهمها ، بل إن القارئ المثقف (وأنا مثقف) لم يعد
يفهمها ..و"من هذا الكلام خذ وفرق "!!
يا سيدي .. القارئ
العادي لم يعد منذ السبعينيات تحديدا
وما دمنا لا نفضل
الكتابة السريالية ،ولا نفضل، أيضا ، الكتابة المباشرة
التقريرية ، فإننا يجب أن نتفق على أن النص الجيد هو النص
الذي يترك مساحة فارغة لقارئة كي يضيف إلى النص لغة جديدة
ووعيا جديدا ، ليشعر القارئ المثقف تحديدا أنه يشارك في
كتابة النص من خلال إعادة إنتاجه في مقاربة تفتح النص ليصبح
خطابا مليئا بالاحتمالات ، و ومتوالية مليئة بالجماليات
..على عكس النص الذي يموت بعد استهلاكه أو قراءته مباشرة .
ومن هذه الناحية
لا يجوز لي ولك في أي حال من لأحوال أن نلغي النصوص الجديدة
بأحكام معيارية ، كما ليس من حقنا أن نلغي وجود درجة ما من
الجمالية في أي نص مهما كان نوعه أو درجة وضوحه وتقريريته
هذا من جهة . ومن جهة أخرى فإن مستوى ما يقال عن الكتابة
الجديدة سلبا لا يتجاوز الشعارات ، علما بأنه كان من الأجدى
أن يجند أصحاب المصادرة والإلغاء ذواتهم لتسطير الكتب تطبيقا
لا تنظيرا لهدم الكتابة الجديدة من أجل بناء الكتابة الأخرى
المقبولة والتي غالبا ما تكون مستنتجة من الكتابة الماضية ،
وفي أي وقت نجد مجموعة من الكتب العلمية الحيادية تترعرع في
فضاء هدم الكتابة الجديدة لأجل البناء ، نستطيع حينها أن
نقول : لا توجد لدينا أزمة خوف أو تعميم أو تناقض في النقد
المعياري ، وأن زمن الأحكام الفضفاضة الشعارية تلاشى ، وأننا
أصبحنا بألف خير ، لأننا أصبحنا نحترم ذواتنا غير المتناقضة
في صراحتنا الموضوعية !!
وهكذا ، فإذا
اتفقنا على أن العيوب كثيرة في النصوص الجديدة ، فلماذا نغفل
هذه العيوب ، وتصبح مقالاتنا وقراءاتنا ما بين تمجيد وتمجيد
، وأحيانا تلميح مشاكس.. ، وتبقى التنظيرات لا شغل لها سوى
الهدم النظري للكتابة الجديدة ،أليس هذا هو التناقض المرعب
في الثقافة ، أليس هذا هو اللاوعي الذي يمارسه أصحاب نظريات
المصادرة والإلغاء وهم لم يعودوا يقرءون الكتابة الجديدة
وتتبع ما ينتج فيها، وإن كنت أشك في أن يكونوا قرؤوها ،
لكنهم يصرون على أن يرددوا رفضهم للكتابة الجديدة على اعتبار
أن هذا الرفض أصبح "ماركة مسجلة" يتشدقون بها في كل المقامات
.
وفي المقابل،
وإفضاء إلى عدم التحيز ، نجد بعض أنصار التجديد يتقوقعون في
مصطلحات مشابهة، يرفضون من خلالها كل كتابة لا تنسجم مع
أطرهم التي تعلي من شأن كتابتهم المتجاوزة لكل التاريخ
الثقافي المنصرم ، والذي يبدو لهم في صورة تاريخ فقير للغاية
لأنه لم ينجز كتابة مثل كتابتهم..، في صورة من الصور
النرجسية غالبا والشوفينية أحيانا .
كلام كثير يمكن أن
يقال في ثقافة الإلغاء والمصادرة ، لكن الأفضل دائما هو أن
نفرق قدر الإمكان بين أمزجتنا وموضوعيتنا ، بين حدودنا
الذاتية وحدود الآخر ، بين الرؤية الثقافية الأحادية والرؤية
الثقافية المؤمنة بمشروعية التعدد ، بين الانفتاح والانغلاق
، بين الحوارية والبطرياركية، بين النفاق العيني والجرأة
التعميمية ، بين المصادرة والإلغاء من جهة والاختلاف المشروع
العلمي من جهة أخرى!!