اشحن الآن نفسك
بالدراما التراجيدية ، اكتب مأساتها البسيطة لتنسف العالم
القبيح من حولك.. عد إلى ذاتك مرة واحدة .. قل :إلى الجحيم
تلك الحقوق التي تخص حرية الإنسان ..إن بقيت الحرية توضع في
هذا العالم للأقوياء .. أنت سخيف ، ضعيف ، عاجز منذ ولادتك ،
ربما ستبقى على هذا إلى موتك .. من المهد إلى اللحد ، كما
يقولون.
أيها السريالي
الغبي، الطبل الأجوف ، أنت تسير إلى الهاوية .. هيا.. هيا ..
قم الآن من رمقك الأخير ،اجمع كتبك، نسخة واحدة من كل كتاب
تكفي، أشعل النار بها ، تعرّ من سخافاتك ، اكتب مرثية وحيدة
يفهما الناس..يبكون ..يغضبون .. يفعلون شيئا قم أيها العاصي
الآن ، في هذه اللحظة بالذات ، اهدم عرشك السفسطائي النتن ..
لا تندم على شيء ، عليك أن تندم، إن ندمت ، لأنك لم تفعل هذا
منذ سنوات طويلة، سنوات الشباب، كنت أخرق ، ما زلت إن لم
تحرق كتبك ..قل لها إلى الجحيم .. اكتب قصة عن حكايتها، وهي
التي لم يتجاوز عمرها أسبوعين ،تحمل شقاء العالم كله ، هل
لها وطن ؟ أم أنها مشردة؟ أم أنها "بلا" كأخوتها الصغار..
لماذا لم يسمحوا لها أن تعبر… لماذا تحمل وثيقة لم يعترف بها
إلا في المواسم.. بأية صفة تعيش؟!!
لن تصدقوا أنها
(إسراء) تنام لحظات .. ثم تصحو مذعورة ،تصرخ ، تنام ، تصرخ ،
تنام ، تصرخ، تنام تصرخ .. رخ .. رخ .. رخ .. رخ ..
الرخ طير أسطوري
يتغذى على كبد البشر .. اكتب أيها العاصي عن الرخ ..التنين
.. الغول .. الذئب .. الثعلب ..الحيوانات البشعة التي
تحاصرها بقيودها ، وحوش تتمدد لتحاصر طفلة رأت النور
أمس..سارت بين حقول الألغام وبقايا الجثث.. رأت الدوائر تعج
بتبغ "الماربورو" ، عاصرت الحدود المتقيحة هنا وهناك وهنالك
.. في الأمكنة المزروعة بالقيود وأسياخ الحديد .. تنام على
هدير أصوات السيارات .. تزكم روائح البول و العوادم أنفها ..
تعرق .. ينسلخ جلدها الرقيق..اكتب أيها السريالي المتوحش عن
كونك عشت أوهام الثقافة والإبداع ، الهمس قرب آذان الغواني
في ملاهي الليل .. بعيدا .. لا شيء يقربك من مأساة واقعك سوى
أحشائك تنفض روائح الخمر وعرق السجائر.. كنت تحلم .. أصبت
بتخمة انهيارات الحلم لثلاثين عاما في ثلاثين كتابا ، في
ثلاثين دولة ، في ثلاثمئة حفلة، في ثلاثة آلاف دولار ، في
ثلاثة ملايين كلمة سريالية..في ثلاثين مليار حرف عن العروبة
..أيها الأحمق غدوت عاريا متقيح الجسد،متبخر العقل،مهدود
الحواس والمشاعر أمام حكايتها البريئة.. البرعم الذي تفتح
على المواجع وآثام الصراع بين القبائل..وشريعة الوأد التي
تدفن الفقراء..تداعيات سخيفة ..كنت وما زلت ..
"أنا سيد الناس
ولغتي سيدة الكلام ..
كابوس يقلق المضاجع
الآمنة.. ولغتي زانية تكشف العورات ..
فارس الكسر والتعفيص
والرفض للنعم وللا أيضا ،ولكل الكلام
ولغتي فرس جامح تهب
كإعصار المساء يحيل الديار إلى الهباء والعدم.. "
من أنا ؟ ! ما
لغتي ؟! كيف أكون من غير أن أكون !!إنني أعلن فشلي أمام
حكايتها.. عروس الحياة .. كومة القيود منذ آلاف السنين..
كومة القرارات السريعة !! اكتأبت .. اضطربت.. ثارت.. لم تعد
تسمع أغنية جميلة !! لم تعد تفرح بعرس الحلم الكبير في وطن
غير آمن من غير سوء !! اللعنة!!
***
حكايتها :وردة برية
ولدت من رحم الفرح في البراري المقفرة .. عاشقة للحياة،
للنور ، تشرب الرياحين من عروق أمها .. حورية تسبح في بحر
هادئ لم تأته زوابع الصيف .. أو أعاصير الشتاء.. الأرض
كبداية الخلق بعد الطوفان .. لكنها لمّا ولدت تحولت إلى
طوفان تسيّره الذئاب …
قصة غير موفقة..
الطابع فيها رومانسي.. يهيمن عليها ثنائية الأسود والأبيض..
كما أن اللغة هنا غير مقنعة .. قد تؤدي إلى تفكك "تأزم
الفكرة" ، وبالتالي تكون حكايتها ضحية لرومانسية الكتابة..
عليّ أن أغير السمفونية .. أن أعزف على لغة أخرى ..
* * *
كان يا مكان في قديم
الزمان ( تحاشيا لمقص الرقيب ) أيها السادة الكرام ،طفلة
اسمها إسراء، ولدت في حجر والديها كما الشمس في حالة الإشراق
، أو القمر في لحظة اكتماله..وكان الغول الملعون مل من وحدته
منذ أن عرف بولادتها ، سمع عن جمالها، قرر أن يخطفها ، لتكون
ابنته .. وربما عندما تكبر يجعلها زوجته!! أخفى الغول نفسه
في صورة أمير شاب ، ذهب كفارس شهم إلى بيت الراعي حسن والد
إسراء،قرر في نفسه أنه سيسرقها عندما ينام والداها ، أو أن
يضع لهما المخدر في الشراب ، فيسهل من مهمته .. المهم أن
يخطفها !! خطفها ..أخذها إلى الأهوال .. إلى قصره فوق
الغيوم.. لم ترضع من ثدي..لم تقبل أن تأكل من يد .. لم .. لم
.. لم.. وبعد ذلك .. قرر أن يخطف أمها .. وأن يقتل أباها !!
تبدو حكايتها هنا
غير مقنعة..لأن النهاية يجب أن تكون سعيدة كما عودتنا
الحكايات الشعبية، أي أن يلم الشمل بين إسراء ووالديها ، بعد
أن كبرت في كنف الغول .. يبحث عنها ابن عمها في البراري ..
ينادي :"إسراء يا بنت الغول دلي لي شعرك لأطول"،تدلي له
شعرها،تخفيه عن عيني والدها الغول الذي يشم رائحة الإنس
،تصرخ في وجهه : إنك جئت بالرائحة في أذيالك .. ينام .. يقوم
ماجد العربي ابن عمها ، يتناول سيف الغول ..يضربه ضربة واحدة
،يعود بها إلى أمها التي ما أن تشم رائحتها حتى يرتد إليها
بصرها،يعود الماء إلى العين التي جفت بعد أن خطفت!! أقيمت
الأفراح والليالي الملاح ،تزوجا ( ماجد وإسراء)وعاشا في
سعادة وهناء ، وأنجبا الصبيان والبنات!!
* * *
على أية حال لا يوجد
أضمن من الأسلوب الصحفي .. على طريقة المراسلين الصحفيين ،
لأقص حكاية إسراء بخطابية صحفية تثير القراء ، تستحث شفقتهم
.. بعدها بلحظات ينسون لكون التلفاز سيبث أغنية لعمر ذياب
وحوله مئة بنت بأشكال وألوان ، أو لكاظم الساهر وحوله العدد
نفسه في شكل واحد ، أو .. أو .. أو .. كلهم في الهواء سواء
.. كأننا شعب لم يعرف المصائب.. حياتنا رقص وغنى والمصايب
فوق رووسنا زخ ..
ما زالت حكاية ابنة
الخمسة عشر يوما على حالها ..لم يسمح لها بالعبور ، بحجة
أنها تحتاج إلى مرافق غير أمها التي لا تستطيع أن ترافقها
مسافة مئة متر لكون مسارب العبور متناقضة.. ومما يجدر ذكره
أن والدتها وضعتها في الشهر السابع ، وهنا مكن الخطأ إذ كان
من المفترض أن تلدها بعد تسعة شهور. لذلك حملت السلطة
المسئولية للسلطة التي عدتها المسئولة عن كل ما يحدث لإسراء
بسبب أن هذه السلطات الأخيرة التي لم تعمل على تأخير الولادة
.. صرح مصدر غير مسئول لم يفصح عن اسمه أن بإمكانها المغادرة
بشرط أن توقع على وثيقة تقر فيها بأنها لم تعد مواطنة!!في
ضوء ذلك وبناء على تضاد وجهات النظر صرح الناطق باسم حقوق
الإنسان بأن…
اللعنة،هذه ليست قصة
هذه مأساة جرائد ،تغلف الأشياء بلغة خطابية لا تتغلغل إلى
داخل الحقائق، كما أنها لغة ركيكة ،وغالبا ما تكون مليئة
بالأخطاء ..
* * *
أليس من حقها أن
تبدي موقفها الخاص؟!على المبدع الحقيقي أن يجعل الشخصية تنطق
بما في داخلها،أن يفجر أعماقها كما يراها في حقائقها الآنة
بالصرخات الإنسانية الموجعة !!
هيا لنغير الحكي إلى
طريقة أفضل،إلى أسلوب أكثر حميمية عن طريق العزف على أوتار
المشاعر الكامنة في مأساة إسراء الجوانية!!
* * *
قالت الأعرابية "
يوم ولادتكم بشارة لموتكم " .. كلنا سنموت ما دمنا قد ولدنا
..سبحان الذي أسرى بعبده من مكة .. إلى الأقصى .. فكان
المعراج !! نحن في هذا العالم كبش فداء نسري من هنا إلى
هناك.. لا نعرج إلا إلى المزيد من الآلام .. ليس من حق
الآباء أن ينجبوا أطفالا .. ربما عليهم أن يستشيروهم قبل أن
يوجدوا !!
في ليلة ظلماء هتف
الهاتف في ذاكرة " دنيا" ستحملين طفلة،سميها "إسراء" ..
مباركة ..
ألحت عليه كثيرا ..
سننجب هذه المرة بنتا .. سأسميها إسراء كما سمعت في المنام
.. اسمها إسراء .. ألا تستطيع أن تقدر هذه البشارة!! البيت
بلا بنات كأنه بيت "عزوبية" .. كأنه غصن زيتون جاف ..لا بد
أن تكون الولادة عند الأقصى !!
* * *
تبدو هذه الكتابة
ستحول القصة إلى رواية ..المساحة شاسعة بين إسراء هاجسا في
المنام .. وبين إسراء بعد أسبوعين من ولادتها ، إذ علينا أن
نضيف أسبوعين إلى عمرها في بطن أمها ، وأيضا أسابيع كثيرة
قبل أن تحمل بها أمها .. القصة طويلة عريضة .. قد تطول
الرواية في بناء العقد الكثيرة المتشكلة في الأسبوعين من
عمرها الحقيقي بعد الولادة..
أعدكم بعد أن طرحت
لكم مشكلتها أن أكتب قصتها بطريقة جديدة تختلف عن هذه الطرق
التي اعتمدت فيها أسلوبي السردي الذي تعودت عليه طوال ثلاثين
عاما ..سأترك القارئ يكتب القصة التي يريدها.. ولعل المهم،
من وجهة نظري، أنكم الآن عرفتكم أن إسراء واقعة في مشكلة
كبيرة ، وأنها تبحث عن حل لمشكلتها !! أو دعونا ننتظر
حكايتها فيما بعد!!عندما تكتبها بنفسها!!