نــــــــجوم*** الظهــــــــر*

 د.حسين المناصرة

قصة

أنا لا أعرف من أنا .. كل ما أعرفه هو أنني كنت أعمل في مؤسسة .. كانوا يقولون لي أنت ..

أنا لا أتذكر كل الأشياء القديمة .. هناك أشياء غامضة أتذكرها :

عندما ذهبت في ذلك المساء إلى عملي ،وجدت مدخل العمل ممتلئا بالــغرباء ..وكذلك ممتلئا بوجوه المدينة .. بحثت عن مكان لقدمي .. سرت مسافة طويلة على رجلي حتى وصلت إلى المدخل .. تجاهلتهم .. ومشيت إلى عملي .. كانت الوجوه كما تهيأ لي تنظر كلها إلي .. جاء صوت مخلوق ما تجاوزته عاليا:

- وقف.

- خير؟

- وين؟

- إلى عملي..

- أين بطاقة الدعوة؟

- أنا أعمل هنا..

- شوف الواقف هناك.

اعتذر الواقف هناك.. وادعى أن لا دخل له ..

هل يريد أن يتخفى؟! .. الأمور تختلط علي...!!

لا فرق ...!!

- يا سيد ، أنا أعمل هنا.

انتظر هناك ... حتى يأتي القائد.

- أنامشغول...لا وقت لدي حتى انتظر القائد بتـاعك ...

****

لا أذكر ما حدث لي ..ربما سقطت على الأرض.. ربما ذهبت إلى العالم السفلي .. ربما حدث لي ما حدث دون أن أعرف ما حدث ... .

أتذكر جيدا أعقاب البنادق .. أتذكر جيدا ذلك الصوت الرحيم الذي قال "يكفي هذا " ....

لا أذكر كل الأشياء بدقة..

كل ما أعرفه الآن هو أنني لم أعرف اسمي.. هل أنا أنا ؟! أو أنا هو ؟! .

لم أفقد ذاكرتي لأنني عرفت منزلي .. خرجت من المشفى معصوب الرأس .. يدي في عنقي..و‎أجلس على الكرسي الذي دفعه الممرض حتى اقتربت من وجه السيارة العامة .. وعدت إلى... لا أعرف إلى أين ...

أذكر أنني ركبت في طائرة ما في عز الظهر، فطارت وطارت وطارت حتى رأيت نجوم الظهر..أذكر أنني لم أعد أرى شيئا مما كنت أرى ..

تعجبت كثيرا عندما وجدت وجــه أمــي يبرق كنجمة باكية ...

هل كانت أمي تبكي؟! ..

ومتى جاءت إلى هنا ؟!..لم أكن أعرف أنني أنا من حمل إليها ..

كانت أمي أكثر من أرض بور عندما أراهـــٍـا حزينة .

****

أذكر الآن الأشياء بالتفصيل الممل :

إنهم لم يقدموا لي بطاقة دعوة كي أحضر الحفل ..

 كان العشاء هو المهم بالنسبة لي...

 لم أتوقع حضور الخواجا الكبير...

 لم أكن غازيا .. كنت أعمل في المكان نفسه . لكنهم أبعدوني عن مجال الدعوة...

 حسنا قد أعود بعد ساعة .. ربما يغادر الخواجا قبل العشاء..

 يجب أن أدخل ؛ فهذه المناسبة انتظرتها منذ أربعة شهور..

أراهم كل يوم يرتبون المكان بدقة أكثر مما يتصورها عاقل، فقد تحولت الحديقة المتعفنة إلى أجمل حديقة في العالم ، وأصبح الأثاث في المركز كله من أغلى أنواع الأثاث ، وانتقلت الكتب المتخزنة من غرفة متعفنة إلى صالة كبيرة ضخمة مرصعة بـكل غــال وثمين ،حتى المكتب الذي كنت أجلس عليه ألقي في الزبالة واحضر آخر لأجل الحفل، وقالوا سنعيده إلى مكانه .. هذا مؤقت ..

وتكونت - يا للعجب العجاب وغرابة الحكاية - صحيفة جديدة، بدأت تحضر تاريخ المؤسسة المخدوم من الخواجا وحياة الخواجا في خدمة الثقافة والفنون..

كل شيء يلمع ويبهج ..

نصبت في الزاوية خيمة عربية كي يجلس فيها ، ويتناول طعامه حيث التراث والأصالة ونوافير الماء ، والأباريق المذهبة وأواني الكرستال النظيفة.. كيف كان الأكل ؟!!.. هذا الشيء الوحيد الذي لم أره .. يمكن ان أتخيله .. يجلس على كل ماعون خاروف كبير محمر.. فاكهة و عصيرات وأواني .. من سيأكل هذه الأشياء التي لا تنتهي..؟!.

يجب أن أدخل ، فأنا ترعرعت مع هذه المناسبة .. انتظرت بداية هذا العام بفارغ الصبر .. سأنتظر ساعة حتى تخلص المقدمات ..ثم أدخل في وقت العشاء بعد أن يخرج الخواجا ، ويذهب الحشد معه..

****

لم يعد القائد .. والمداخل مغلقة !!

- هل حضر القائد؟!.

- هناك.

- أنا أعمل هنا.

- أنت مجاز اليوم.

- يجب أن أدخل.

- ممنوع.

- دعني أتحدث مع سكرتير المؤسسة.

- ممنوع .

يجب أن أدخل بأي طريقة.

- انتظر هناك حتى يخرج .

- أنا مش فاضي الك و لا لل ..

لا أذكر كل الأشياء التي حدثت معي ..فأنا لم أعد أسيطر على عقلي ...

سأحاول أن أذكر ما حدث لي ، عندما حاولت أن أعاند ذلك الضخم الجثة ..

لم أكن أتقصد إزعاجهم .. كان لدي طموح وحاولت ان أحققه.. كنت أريد أن أحتفل معهم في بداية هــذا العام ..

سأتذكر كل ما حدث معي وسأخبركم به.. كل ما أذكره الآن هو أنني لم احتفل في ذلك المساء .. لقد رأيت نجوم الظهر ...

****

ربما عدت إلى بيتي وشربت القهوة المرة ..وربما حاولت للمرة الثالثة والرابعة والخامسة ..وربما هي المرة الوحيدة ..

سأذكر لكم شيئا مهما :

عندما عدت إلى البيت قرع الجرس بعيد دخولي .. فتحت .. فوجدت عشرة أشخاص يقفون في الساحة ينظرون إلى .. فتحولت إلى صنم من الإعياء والمفاجأة ..

ربما تفوهت بشيء ما ..

غاص أحدهم إلى قدمي اليسرى ورفعها .. كــان جثة .. فأصبح رأسي على الأرض..

وماذا حدث بعد ذلك ..؟!!

لا أعرف شيئا ...!!!.

كيف أصبحت الآن عند أمي؟!!

لا أذكر الأشياء بدقة ..

عندما أتذكر التفاصيل المملة سأكتبها لكم..

أذكر أنني كنت أعمل في المؤسسة ..

هل كنت شاعرا من غير ديوان ؟!..

قد أتذكر فيما بعد ..

ربما كل ما حدث لي هو أن بيتي سرق .. وأن ما حدث لرأسي لا علاقة له بعملي ..

أنا أتخيل الجمع والحفل والخواجا لأن السرقة حدثت قبل يوم من الموعد،أي في اليوم الأخير من العام المنصرم..

أذكر الآن القصة بالتفصيل :

****

عندما كنت نائما مطمئنا في أمن وسلام دخل لص من حارة أخرى إلى بيتي .. بل هم ثلاثة لصوص .. ضربوا رأسي بالمقعد الخشبي.. وسرقوا كل ما أملك .. وعندما صحوت من الحلم تفقدت أشيائي فوجــدتها مكانها ...

ما حدث لي كان مع ...

يجب علي أن أتروى قبل أن أتهم الناس المحترمين،

ما حدث هو غير ما أقول .. قد لا تصدقونني ،وهذا من حقكم .. أنا سأقول ما حصل وأنتم عليكم أن تختاروا ماتريدون ...

****

ما أذكره جيدا هو أنني صرخت في وجه صاحب الهاتف العمومي .. كنت قد أجريت قبل يومين مكالمة مع أمي .. فدفعت أجرتها له .. لكنه مصر على أنني لم أدفع .. صرخت في وجهه لعنته .. قلت له أنا موظف كبير يا حمار ، وليس من المعقول ألا أدفع لك فلوسك التافهة .. لقد مللت من ملاحقته لي . وأنا لم يعد لدي الأعصاب الطبيعية .. كان خلافي معه قبل الحفل بيومين ..كنت غاضبا منه حتى الثمالة .. صدقوني لقد دفعت له .. وهو يقر ذلك ؛ لكنه يدعي بأن المكالمة التي يطالب بها هي غير المكالمة التي دفعتها .. وأنا لم أتحدث من عنده إلا مكالمة واحدة في هذا العام ...

في الليل جاءني أربعة أشخاص فأوسعوني ضربا .. وكانوا يرددون : "لا تتعلم التطاول على أسيادك"...

لا أذكر الأشياء بالتفصيل...

كيف خرجت من تلك المدينة لأعود إلى القرية التي فيها أمي .. إذ ليس من المعقول أن يكون صاحب الهاتف ، هو الخواجا الذي كان يفتتح حفل بداية العام في المؤسسة..!!.

***

أرى وجه أمي كبريق الشمس في الشتاء الحزين .. إنها تغلي "البابونج" وتقدمه لي ساخنا فأشرب..إنها تدعو لي بالشفاء ..وكانت تدعو في الماضي أن يكون رفيقي الخضر الأخضر...

هل أنا مريض ؟!.. هل ذاكرتي مقلوبة؟! هي الحمى..!!

أنا لم أكن في دولة أخرى ، ولم أتعارك مع السلطة فيها ،ولم أتعارك مع عامل الهاتف ،انا تعاركت مع نفسي... كيف حدث هذا؟‍‍!.

****

قبل ثلاثة أيام من الافتتاح العام للحفل، كان موعدي مع الطبيب الذي أكد لي أنني مصاب بأمراض الشيخوخة ... قال لي: "لديك اكتئاب مزمن".

قلت : "كل الناس لديها اكتئاب".

- اكتئابك يجعلك عاجزا كرجل.

لقد أصبح وجهي ، كما قال الطبيب، كوجه عصفور ممعوط... بعد ان أهلكه الطفل من اللعب معه.

المرأة التي لدي كبيرة في السن ، ولم تعد بحاجة إلى رجولتي...

هل حاولت أن أنتحر؟!.

أنا متأكد من أنني تعاركت معهم .. كنت أرغب في الاحتفال ببداية العام ..إنهم كسروني عندما طلبوا بطاقة الدخول ..

لا أذكر ماذا حدث معي بالتفصيل .. سأحاول التذكر وعندما أذكر الأشياء المهمة، سأكتبها لكم بالتفصيل الممل .. وسأشرح لكم الأسباب التي منعتني من استعادة ذاكرتي المنظمة..

****

 قال الطبيب لأمي اسقيه البابونج لمدة أسبوعين، وستتحسن حالته...

 لم يقل الطبيب ذلك .. قالت ذلك جارتنا ..أعني جارة أمي...

المسألة ليست أمي فقط ..وأيضا جارتها ..

 كيف عدت إلى القرية والحفل في المدينة ؟!..

إنني لا أذكر الأشياء بالتفصيـل .. يبدو أن ما حدث لي من أسوأ ما حدث لي ..

أعدكم بأنني عندما أذكر الأشياء بالتفصيل، سأكتبها بالتفصيل.. وسأقولها ألف مرة ومرة حتى لا أنساها...

هل ما حدث لي حدث لكم؟! ...هل حاولتم أن تحتفلوا على طريقتكم الخاصة..؟!! ربما!!

هناك أشياء أكبر مما نتصورها...

****

 رن جرس الهاتف قبل أربعة أيام من الحفل ، في الثالثة بعد منتصف الليل ، رفعت السماعة فجاءني صوت الآخر سريعا :

- بط بط .

اغلق السماعة فأغلقتها .. انتظرته أن يعيد الاتصال لأسبقه وأقول :

- بط بط .

لكنه لم يتصل ...أنا لم أعد أذكر الأشياء بالتفصيل...

لا اعرف ماذا حدث معي بالضبط ..

****

بدأت أتذكر :

القصة وما فيها أنني دخلت إلى قاعة الاحتفال بدون بطاقة ،وعندما واجهته طلبت منه أن يطلب منهم أن يسمحوا لي بالدخول إلى قاعة الاحتفال.. أمرهم أن يدخلوني .. فأبدوا له الطاعة ، وابتسموا في وجهي، وقالوا تفضل حتى نتم بقية الإجراءات.. وعندما أخذوني إلى غرفة داخلية انخلع قلبي رعبا ، ولم أعد أعرف ما حولي .. فقط هناك من حاول أن يوقفهم عند حد معين...

أعدكم بأنني عندما أتوصل إلى تنظيم ذاكرتي أن أقص عليكم الحكاية " من كان يا ما كان إلى طير طير الله يمسيكم بالخير “.. وربما استمع إليكم وأنتم تقصونها علي.... هل حاولتم أن تدخلوا مثلي إلى الاحتفال العام ؟!!..

سأحاول تنظيم ذاكرتي....

****

لن أقص عليكم الحكاية .. لأنني لا أريدكم أن تشفقوا علي .. أو أن تأكلوا لحمي ....

سأخبركم بقصتي مع (...)

ربما بدأت أتذكر الحكاية....

إنها حكاية نجوم الظهر، عندما تأكل صفعة حارة على وجهك ، فتأتيك النجوم الذهبية تتراقص .. لم تعد ترى غيرها ..

من أين أتتني تلك الصفعة ؟!!..

عندما أتذكر الحكاية سأقولها من البداية ....!!!