أنا لا أعرف من أنا
.. كل ما أعرفه هو أنني كنت أعمل في مؤسسة .. كانوا يقولون
لي أنت ..
أنا لا أتذكر كل
الأشياء القديمة .. هناك أشياء غامضة أتذكرها :
عندما ذهبت في ذلك
المساء إلى عملي ،وجدت مدخل العمل ممتلئا بالــغرباء ..وكذلك
ممتلئا بوجوه المدينة .. بحثت عن مكان لقدمي .. سرت مسافة
طويلة على رجلي حتى وصلت إلى المدخل .. تجاهلتهم .. ومشيت
إلى عملي .. كانت الوجوه كما تهيأ لي تنظر كلها إلي .. جاء
صوت مخلوق ما تجاوزته عاليا:
- وقف.
- خير؟
- وين؟
- إلى عملي..
- أين بطاقة الدعوة؟
- أنا أعمل هنا..
- شوف الواقف هناك.
اعتذر الواقف هناك..
وادعى أن لا دخل له ..
هل يريد أن يتخفى؟!
.. الأمور تختلط علي...!!
لا فرق ...!!
- يا سيد ، أنا أعمل
هنا.
انتظر هناك ... حتى
يأتي القائد.
- أنامشغول...لا وقت
لدي حتى انتظر القائد بتـاعك ...
****
لا أذكر ما حدث لي
..ربما سقطت على الأرض.. ربما ذهبت إلى العالم السفلي ..
ربما حدث لي ما حدث دون أن أعرف ما حدث ... .
أتذكر جيدا أعقاب
البنادق .. أتذكر جيدا ذلك الصوت الرحيم الذي قال "يكفي هذا
" ....
لا أذكر كل الأشياء
بدقة..
كل ما أعرفه الآن هو
أنني لم أعرف اسمي.. هل أنا أنا ؟! أو أنا هو ؟! .
لم أفقد ذاكرتي
لأنني عرفت منزلي .. خرجت من المشفى معصوب الرأس .. يدي في
عنقي..وأجلس على الكرسي الذي دفعه الممرض حتى اقتربت من وجه
السيارة العامة .. وعدت إلى... لا أعرف إلى أين ...
أذكر أنني ركبت في
طائرة ما في عز الظهر، فطارت وطارت وطارت حتى رأيت نجوم
الظهر..أذكر أنني لم أعد أرى شيئا مما كنت أرى ..
تعجبت كثيرا عندما
وجدت وجــه أمــي يبرق كنجمة باكية ...
هل كانت أمي تبكي؟!
..
ومتى جاءت إلى هنا
؟!..لم أكن أعرف أنني أنا من حمل إليها ..
كانت أمي أكثر من
أرض بور عندما أراهـــٍـا حزينة .
****
أذكر الآن الأشياء
بالتفصيل الممل :
إنهم لم يقدموا لي
بطاقة دعوة كي أحضر الحفل ..
كان العشاء هو
المهم بالنسبة لي...
لم أتوقع حضور
الخواجا الكبير...
لم أكن غازيا
.. كنت أعمل في المكان نفسه . لكنهم أبعدوني عن مجال
الدعوة...
حسنا قد أعود
بعد ساعة .. ربما يغادر الخواجا قبل العشاء..
يجب أن أدخل ؛
فهذه المناسبة انتظرتها منذ أربعة شهور..
أراهم كل يوم يرتبون
المكان بدقة أكثر مما يتصورها عاقل، فقد تحولت الحديقة
المتعفنة إلى أجمل حديقة في العالم ، وأصبح الأثاث في المركز
كله من أغلى أنواع الأثاث ، وانتقلت الكتب المتخزنة من غرفة
متعفنة إلى صالة كبيرة ضخمة مرصعة بـكل غــال وثمين ،حتى
المكتب الذي كنت أجلس عليه ألقي في الزبالة واحضر آخر لأجل
الحفل، وقالوا سنعيده إلى مكانه .. هذا مؤقت ..
وتكونت - يا للعجب
العجاب وغرابة الحكاية - صحيفة جديدة، بدأت تحضر تاريخ
المؤسسة المخدوم من الخواجا وحياة الخواجا في خدمة الثقافة
والفنون..
كل شيء يلمع ويبهج
..
نصبت في الزاوية
خيمة عربية كي يجلس فيها ، ويتناول طعامه حيث التراث
والأصالة ونوافير الماء ، والأباريق المذهبة وأواني الكرستال
النظيفة.. كيف كان الأكل ؟!!.. هذا الشيء الوحيد الذي لم أره
.. يمكن ان أتخيله .. يجلس على كل ماعون خاروف كبير محمر..
فاكهة و عصيرات وأواني .. من سيأكل هذه الأشياء التي لا
تنتهي..؟!.
يجب أن أدخل ، فأنا
ترعرعت مع هذه المناسبة .. انتظرت بداية هذا العام بفارغ
الصبر .. سأنتظر ساعة حتى تخلص المقدمات ..ثم أدخل في وقت
العشاء بعد أن يخرج الخواجا ، ويذهب الحشد معه..
****
لم يعد القائد ..
والمداخل مغلقة !!
- هل حضر القائد؟!.
- هناك.
- أنا أعمل هنا.
- أنت مجاز اليوم.
- يجب أن أدخل.
- ممنوع.
- دعني أتحدث مع
سكرتير المؤسسة.
- ممنوع .
يجب أن أدخل بأي
طريقة.
- انتظر هناك حتى
يخرج .
- أنا مش فاضي الك و
لا لل ..
لا أذكر كل الأشياء
التي حدثت معي ..فأنا لم أعد أسيطر على عقلي ...
سأحاول أن أذكر ما
حدث لي ، عندما حاولت أن أعاند ذلك الضخم الجثة ..
لم أكن أتقصد
إزعاجهم .. كان لدي طموح وحاولت ان أحققه.. كنت أريد أن
أحتفل معهم في بداية هــذا العام ..
سأتذكر كل ما حدث
معي وسأخبركم به.. كل ما أذكره الآن هو أنني لم احتفل في ذلك
المساء .. لقد رأيت نجوم الظهر ...
****
ربما عدت إلى بيتي
وشربت القهوة المرة ..وربما حاولت للمرة الثالثة والرابعة
والخامسة ..وربما هي المرة الوحيدة ..
سأذكر لكم شيئا مهما
:
عندما عدت إلى البيت
قرع الجرس بعيد دخولي .. فتحت .. فوجدت عشرة أشخاص يقفون في
الساحة ينظرون إلى .. فتحولت إلى صنم من الإعياء والمفاجأة
..
ربما تفوهت بشيء ما
..
غاص أحدهم إلى قدمي
اليسرى ورفعها .. كــان جثة .. فأصبح رأسي على الأرض..
وماذا حدث بعد ذلك
..؟!!
لا أعرف شيئا
...!!!.
كيف أصبحت الآن عند
أمي؟!!