الشاعرالعربي والمدينة

 إبراهيم القهوايجي

      اقترن شعرنا الحديث بالمدينة، حيث غدت ملفوظا شعريا بامتياز، يخلع عليه الشاعر زخما خاصا، ويعيد صياغته وبناءه من جديد في رؤيته ورؤياه الشعريتين، لذلك لم تعد المدينة في الشعر العربي الحديث موقعا جغرافيا وطبوغرافيا، بقدرما أضحت إيحاء للخير والجمال أو إيحاء للبؤس والاغتراب، كما قد تصير رمزا للألم والضياع، ، فغابت أبعادها الهندسية المادية ، وتحولت إلى طاقة استعارية رمزية، تمد الشاعر بالإلهام ، بل وتطهره من الواقع وإحباطا ته، تتجاوز المعيشي واليومي إلى الدلالة التعددية في التأويلات الممكنة لها، وهي بذلك تهب الشاعر إمكانية التفاعل مع الناس والمكان، لذلك قد تصبح عند أحدهم امرأة فاتنة يتغزل بها ، أوتصبح غولا يهدد حياته و يمارس عليه كل أنواع القسوة...
     والقارئ المتأمل لدواوين شعرائنا العرب في العصر الحديث يلفي انغماسهم في تيمة المدينة، ولعل ذلك راجع لسببين هما:
  -  تأثرهم بالشعراء الغربيين الناقمين على معالم الحضارة المعاصرة، نظرا لما أتت به من تمزق ف ينفس الإنسان، ومن برود في العلاقات بين الناس (التشييء).

-   واقع تجربة كل واحد من الشعراء العرب أنفسهم، خاصة وأن المدينة العربية حاليا شهدت تحولات سريعة ومستمرة، وهو ما يدعو الشاعر إلى الكشف عن جوانبها، والتعبير عن أبعادها، ومن هنا ستتعدد صور المدينة في الشعر العربي الحديث، وتتردد أسماؤها في نصوصهم الشعرية، ويمكن أن نستخلص من ذلك صورتان أساسيتان للمدينة في أشعارهم:
 1 -  - صنف من الشعراء يكتب معاناته من حياة المدينة ، ويعبر عن مشاعر غربته واغترابه وشعوره بالوحدة والضياع ، ولعل من هؤلاء : صلاح عبد الصبور الذي يقول من قصيدته"أغنية القاهرة"(..أهواك يا مدينتي../أهواك رغم أنني أنكرت في رحابك/ وأن طيري الأليف طار عني/ وأنني أعود، لا مأوى، ولا ملتجأ / أعود كي أشرد في أبوابك/ أعود كي أشرب من عذابك) ، فالبرغم من كون هذه المدينة بكل سوءاتها مدعاة لنقمة الشاعر ، فخيوط وده لازالت مربوطة بها ، وعبد المعطي حجازي الذي يقول:"( رسوت في مدينة من الزجاج والحجر / الصيف فيها خالد ، ما بعده فصول / بحثت فيها عن حديقة فلم أجد لها أثر / وأهلها تحت اللهيب والغبار صامتون/ ودائما على سفر / لو كلموك يسألون...كم تكون ساعتك؟). إن الشاعر هنا يرسم لنا سمات وجه المدينة الآلي الذي غدا يصدر كسلوك من سكانها ، ويقول الشاعر المغربي أحمد بنميمون :(آهات الأطيار/ لكن مدينتنا في هذا الزمن الفاجع أضحت.../ قلبا ميتا حفرته الأيام.../ وتجسد فيه الحزن، / فحدائقها أضحت تبخل بالأزهار /هذي الساحات حدائقنا الميتة الآن / أعطت للحب اللغة المفقودة / فتحت للشعر الآفاق الموصودة.)، وهو هنا يعبر عن إحساسه تجاه ما شهدته المدينة من تحولات أفقدتها كل سمات الجمال...
 2 -  - صنف آخر من الشعراء تنقطع وشائجهم بالحياة في المدينة، مما دفعهم للتعبير عن الموت والانعتاق من سجن المدينة، يقول بدر شاكر السياب: (التفت حولي دروب المدينه / حبالا من الطين يمضغن قلبي / ويعطين عن جمره فيه طينه / حبالا من النار يجلدن عري الحقول الحزينه / ويحرقن جيكور في قاع روحي / و....فيه رماد الضغينه.)، إن السياب هنا يختنق ، فكأن للمدينة يدا تضغط على أنفاسه لترديه، ويقول الشاعر المغربي عبد الكريم الطبال:(..البرد في المدينة يقتل حتى البرد/الريح في المدينة تقتل حتى الريح / أحيانا يحلم الحزن بقادم إلى المدينة / يركب فرسا من نار / يحمل وجه الحالم)، فنحن نلاحظ أن الشاعر يسم المدينة بصور الحزن وجفاف الانساغ ..
     لقد تميزت تيمة المدينة في الشعر العربي الحديث بجملة سمات يمكن إجمالها كالتالي:
-
إن تناول تيمة المدينة هو تعبير عن الإيقاع الشعري للحياة فيها، وبالتالي تعكس تجربة الشاعر.
-
إن تناول تيمة المدينة في شعرنا مرتبط بالقلق الوجودي وانهيار الأحلام والاغتراب..
 -  هيمنة تيمة الرحيل والسفر قصد تحقيق التوازن النسبي للشاعر، لان المدينة تفجر لديه أحزانا معيشية وتاريخية وفلسفية.
-
 توظيف معجم شعري يسعف الشاعر في التعبير لإدراك أبعادها.
-
 صياغة معالم جديدة للمدينة، كما يحلم بها الشاعر لتكون بديلة عن مدينته المترهلة ، والمستدعية لكل معالم الفقدان والاغتراب..
   وهكذا أبدع شعراؤنا العرب في العصر الحديث مدنهم بالطريقة الشعرية، وهم يمتلكون وعيا متزايدا للمكان، لذلك اختلفت رؤاهم الشعرية بصدد تجربتهم في المدينة.