|
باحث له حضوره الفكري في الساحة العربية، عبر دراساته الرزينة
وإبداعاته المتميزة، ومن خلال الندوات التي يشارك فيها، وعبر دراساته المهمّة
التي
نذكر منها : ( الاستبداد وبدائله في فكر الكواكبي - على هامش التجديد -
مشاغبات
فكريّة - هكذا تكلّمت حوريّة – الخديعة الكبرى – امنحوني فرصة للكلام.. )
.
إنّه
الدكتور الباحث جمال طحّان، وفي لقائنا هذا نحاول أن نلقي الأضواء على
بعض نتاجاته وفكره. وهوعبر مسيرته الإبداعيّة والفكريّة أصدر ديوان شعر
بعنوان /
عِشرة زمن يا آه / وصدر له عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت ((
الأعمال
الكاملة للكواكبي )) دراسة وتحقيق 1995 . وكتاب عن زكي نجيب محمود بعنوان
(على
هامش التجديد – من الكلامولوجيا إلى التكنولوجيا ) و(الحاضر غائباً) و(أفكار
غيّرت
العالم).. وكتب أخرى …
إضافة إلى العديد من الدراسات والمقالات والقصائد
والقصص، وهو يتحلّى بما يتحلّى به المبدع في نصّه وسلوكه .
حول
بعض هموم
الباحث الدكتور جمال طحّان الثقافية والفكرية والاجتماعية، كان لنا معه هذا
الحوار:
1*
الباحث الدكتور جمال طحان أرجو في البداية أن تقدّم لنا
لمحة عن حياتك الشخصيّة؟
**
عندما تنظر ببصيرتك في وسائل الإعلام المختلفة،
وأنت تفعل كل يوم، تجد حياتي مبسوطة أمامك، لافي السطور نفسها، بل مابين
السطور..
لاأقصد تلك المساحة البيضاء، بل تلك السطور المخفية الواضحة التي يحاول بعضنا
أن
يطمس معالمها لتخرج من حيّز المكتوب إلى حيّز المكبوت.
إنني
جزء من أمة
أرهقها بعض بنيها، وأرهقوا معها بنيها الآخرين من أجل حفنة تشتري الملاذ
هرباً من
عقدة الذنب التي تطارد المستغلّين. عدا ذلك، أقصد الخصوصية التي منحني إياها
الله،
ككل خلقه، إنما تتمثّل في اندفاعي نحو القراءة والكتابة، اندفاع يؤجج في
داخلي
عوالم غريبة، ويمنحني شرفاً لاأدعيه، وإنما هو هبة أعتزّ بها، ويمقتها الذين
يلهثون
خلف الامتلاك… خلف حيازة مال يحاولون من خلاله امتلاك الآخرين.
أكتب
كي
أعيش.. وأكتب كي أفرّج كربي.. وأكتب لأفي أمتي بعض فضلها عليّ.. وكي أنسى
عذاباتي
التي يتفنّن في زيادتها بعض أرباب العمل، والصغار، والحاسدون.
أكتب
كي أنسى
أحقادهم، ولكنني - عن غير قصد - أوغر صدورهم ضدّي لأنني أكتب وأنتج بضاعة
يمقتونها
لأنهم محرومون من نعمتها.
حياتي
الشخصية هي هذا الصراع الدائم مع القوى
الغاشمة.. ضد أمتي.. ضد مدينتي.. ضد أسرتي.. ضدّي.. هم يحاربونني.. وأنا أتقن
الصمود، ليس بفضل بطولتي وإنما بفضل هبات الله التي تتمثل بعضها في أنني أعيش
هنا
والآن.
الآن
بتجنّبي الآثام ماأمكنني ذلك.. وهنا .. حلب التي أحب حتى
الفناء.
2*
هل لك أن تعطينا لمحة عن آخر أعمالك ؟
**
أفضّل أن أحدّثك عن
آخر مانُشر لي ، وهي كما تعلم ثلاثة كتب صدرت هذا العام (2003) عن دار
الأوائل
بدمشق بعناوين : الخديعة الكبرى - هل، حقاً، اليهود شعب الله المختار؟
والرحالة كاف
طبائع الاستبداد دراسة وتحقيق، وامنحوني فرصة للكلام وهو مقالات ترصد الواقع
وتتحدث
عن هموم الوطن والمواطن.
3*
من هم الأدباء والمفكرون الذين تأثرت بهم
؟
**
الذين تأثرت بهم كثيرون جداً ولا مجال لذكرهم الآن… إنّ عددهم يتجاوز سنّي
عمري.. وسأفترض أنك ستسأل : مادام الفكر العربي ، عبر امتداده الطويل، بخير،
لماذا
إذاً لم يزل سؤال التقدّم مطروحاً ؟ وسأجيب: لأنّنا مشطورون قسمين: أهل الرأي
في
جهة، وأصحاب الحل والعقد في جهة معاكسة . ولكنّني بالضرورة، وتبعاً
لاهتماماتي،
يبدو تأثّري واضحاً بالكواكبي، مما جعل الدكتور إحسان الشيط يحمد الله أننا
في ظلّ
الاستقلال والانفتاح على الديمقراطية والحريّة والتقدّم، وبعيدين عن عصر
السلطان
عبدالحميد وأعوانه بقرن من الزمان .. والزمان لن يعود - كما سأبيّن في
محاضرتي خلال
هذا الشهر- وإلاّ لكنت من المرثيّين بعد فنجان من القهوة في مقهى
يلدز.
4*ومِـنَ
الغرب ؟
**
ليس من الغرب فقط، بل من الشرق والغرب
والشمال والجنوب، كثيرون ممن تأثرّت بهم من غير العرب، وكثيرون تأثرت بهم من
غير
المسلمين…
قد أختلف مع كثيرين، ولكن الاختلاف لاينفي التأثّر… والأثر غدا منغرزاً
في مسامي حتى أني كنت مصاباً بـ (الإيدز الفكري) .. لقد قرأت أرسطو حتى غدوت
أرسطياً .. ثم انتقلت إلى السينية فالغزالية فالوجودية فالإنسانوية … إلخ .
وبالمتابعة والمران والتجربة صرت محصّناً ضد جميع أنواع العدوى والأمراض
السارية …
أحمل مضادّي الحيويّ في داخلي وأنا أتهجّى كلّ حرف جديد… لاأحمل العداء لأيّ
مفكّر،
ولكنني - أيضاً - لاأنقاد. ولعلّ أحدث ما أتأثّر به الآن هو سؤالك الأخير
..
5*
هل للحياة اليومية في مجتمعاتنا أثر في حياة المفكر وأفكاره ؟
**
يعاني الأدباء مما يعاني منه المجتمع، بوصفه واحداً من الذين يعيشون آمال
وأحزان أقرانهم، بل إن الأديب يعاني مرتين، مرة بوصفه مواطناً كغيره، ومرة
لأنه
يعرف حجم الأحزان التي تقبع خلف كل نافذة من وطنه.
6*
ماهو دور الأدباء
والكتّاب في المجتمعات النامية؟
**
للأدباء والكتّاب في المجتمعات التي تسميها
نامية وأسمّيها من غير مواربة أو خجل مجتمعات متخلفة حتى السواد.. أقول
للأدباء
والكتاب في هذه المجتمعات أدوار صعبة ومركبة ومعقدة…
هم الذين يؤرخون للمرحلة،
وهم الذين يستعيدون خلاصة الماضي ليكوّنوا خبرة الحاضر من أجل مستقبل ينفي عن
أوطاننا صفة التخلّف التي تبدو راسخة.
هم الذين يساهمون بعمق في ترسيخ قيم
الجمال والحق والخير، أو هكذا يفترض فيهم أن يفعلوا… وهي إسهامات صعبة لأنهم
محاصرون.. لاأحد يمنحهم نعمة التفرّغ للإبداع، بل هم مطالبون بالإبداع وترسيخ
القيم
الجمالية والمساهمة في نهضة الأمة، جنباً إلى جنب مع واجباتهم في تحصيل لقمة
عيش
ضنينة وصعبة المنال…
يقاومون عفونة البيروقراطية والمدراء الذين يشكّلون جبهة
تكره التغيير كما تكره الإبداع وتحارب أصحابها بكل ماأوتيت من نصوص صارمة، إن
لم
تجدها تقوم باختراعها لتكبّل بها المبدعين الذين تسميهم متمردين.
الأدباء
والكتّاب هم بعض رسل الزمان، وكما تعلم.. دائماً يكون في العالم (أبو جهل)
الذي
يسفّه الرسالات ويحاول تشويه أصحابها.
باختصار، دعنا لانطيل.. فنقول: الكتّاب
مجاهدون، يحملون على أكتافهم
الجهادين : الأكبر والأصغر معاً.
7*ما
الذي
حققه الأدباء الكتّاب طيلة ما ندّعيه بالنهضة العربية وحتى الآن ؟ بمعنى آخر
هل
استطاع الأدباء الكتّاب السابقون واللاحقون تحقيق ولو جزء مما يناضلون من
أجله ؟
وما هو السبب في ذلك ؟
**
لم يحقق المفكرون العرب منذ قرون سوى فضيلة الجهاد
التي تمثّلت في إبداعاتهم.. في إبداع العالم جمالياً.. وتشكيله.. ومحاربة
القبح..
وهذا في ظني إنجاز غير قليل.. لأنني أظن أن إنجازات المفكر إنما تنحصر
في الفعل الفني.. الكتابي.. أو التشكيلي.. أو موسيقي.. وهو فعل قول، بمعنى من
المعاني…أما مانجده في سادة القبح في بعض الأعمال الأدبية والفكرية والفنية،
فإنما
مردّه إلى أولئك المتنطّعين الأدعياء الذين حرموا من ملكات الإبداع، فامتطعوا
سلّم
الوصولية وما تتطلبه من نفاق وتملّق واحترفوا عمل (الحواة) فسادت كتبهم
الواجهات،
وتصدّرت افتتاحياتهم الصحف التي تبارك الخراب وتصوّره فتحاً عتيداً يخترق
الزمان.
إنهم كالنعامة، يزيّنون القمامة مدّعين أنها شكل من أشكال النعيم.
إذا كنت تقصد
تحقيق التقدم على صعيد عملي، لم يحركوا ساكناً من ذلك… والسبب واضح كالشمس،
على مدى
القرون العشرة الماضية افترق أهل العمل عن أهل الفكر
8*هل
هذا هو حال
المفكرين في العالم أم أن ثمّة اختلافا ًبين الدول المتقدمة والدول
النامية؟
**إن
أمريكا اليوم.. وأوروبا أمس.. عندما تريد توسيع حدودها والحصول
على ثروات الآخرين، كانت تتبع العلماء ولا تجعلهم تابعين. كانت - وما تزال -
تبسط
الواقع أمام أشخاص يتمتعون بالحرية وتسألهم عن الحلول الممكنة للتوسع وللخروج
من
الأزمات…
العلماء يرسمون المخططات للمرحلة.. بل للمراحل القادمة.. فيتبناها
الساسة، ويعمل العسكر على تنفيذها بالطريقة التي يرسمها المفكرون.
توزع المخططات
على العلماء فيقومون بإجراء الأبحاث اللازمة فيدرسون الواقع ويدرسون البنية
الاقتصادية والسياسية والعسكرية والانتربولوجية لأصدقائهم وأعدائهم، ثم يبدأ
التنفيذ.
وهذا بالذات مانفتقر إليه نحن… نظن أن الحفاظ على المكاسب وعلى القوة
لايكون إلاّ بتحقيق الانسجام بين ثلاثي مهم لايستغني واحد من أوتاره عن
الوترين
الآخرين، وأعني به مثلث السياسي والمفكر والشعب.
السياسي يحفظ المفكّر ويوفّر له
الظرف المناسب للتطوير، ويحفظ الشعب من خلال سيادة القانون .
والمفكر يدعم
السياسي برأي مخلص يهتم ببناء أمة ذات منعة وذات سيادة ، ومن جهة أخرى يحافظ
المفكر
على دعم الشعب وولائه من خلال توجيه خطاب يحترم المتلقي ويخاطبه بصراحة ووضوح
لايتعمّد التعالي أو الغموض.
حينذاك يشكل الشعب دعماً للمفكر يحترم ذكاءه
ويخاطبه بلغة مفهومة يتّضح من خلالها الحب المتبادل بينهما.
إذا لم تكن قد
اكتفيت بالإجابة.. أظن أنني أنا اكتفيت فقد أثرت
فيَّ
شجوناً عاناها كثيرون غيرنا
عبر قرون.
9*هل
تشبه علاقة الأديب بمجتمعه عندنا علاقة الأديب بمجتمعه في
المجتمعات المتحضّرة ؟
** علاقة
الكاتب بمجتمعه عندنا علاقة تصادمية تناحرية
عدائية.
يظن الناس في بلادنا أن الكاتب مجنون أو أبله وكسول، يواري بطالته
بالكتابة…
الثقافة عندنا بضاعة كلامية لاقيمة لها ولا قيمة لصاحبها، وهي لاتغني
ولا تمنع من جوع.
يقولون: الأخ متعلم… هذا قَدَره.
ويبتعد أهل المؤهلات
للزواج عن أصحاب الشهادات الجامعية لأنهم يعتقدون - وهذا حقيقي - أن الفقر
يلازم
المتعلمين. بالطبع، هذا الأمر لاينطبق على العلم الذي يشكّل مهنة تجارية
مربحة لم
يبق منها الآن سوى بعض الأطباء.
أما العلوم التقنية والهندسية والالكترونية
والعلوم الإنسانية، فهي مجرد كلام في كلام مالم يفتتح صاحبها مكتباً للتدريس
الخاص
أو لإصلاح الأعطال الالكترونية وسواها.
هذا هو الحال عندنا… حتى إذا طرقت باب
أحد كبار المفكرين والأدباء الذين يحترمون أنفسهم ولا ينافقون ولا يتخلفون عن
علمهم
أو يوظفونه في خدمة شخص أو هيئة متنفذة من التجار المنحرفين، إذا طرقت باب
أحدهم
وقد خلّف مايربو على ثلاثين كتاباً وخمسين من السنوات، تجده يستقبلك بوجه
بشوش
وفداء عتيق.
في الدول المتقدمة.. أقصد في الدول التي تريد أن تصنع حضارة.. يكفي
للأديب أن يصدر كتاباً واحداً حتى تجده وقد استغنى به وتفرغ للإبداع وللتفكير
في
تطوير بلده في مجال تخصصه.
تطرق عليه باب قصره فيستقبلك وعينه على الساعة لأنه
مُنح الوقت كي يعمل به لالكي يبدده.. ولا لكي يعمل في مجالات مختلفة لتحصيل
لقمة
العيش.. ولا لكي يقضي نصفه بالوقوف أمام الفرن… وأمام كوى توزيع التموين..
ودفع
فواتير الماء والكهرباء والهاتف…
الكاتب في الدول المتقدمة، يعيّن، إذا شاء أن
ينال وظيفة، في مكان يزيده إبداعاً وتألقاً وعطاءً وتُترك له حرية تقدير ماهو
مناسب
للعمل.
أما عندنا فالكاتب يستجدي الوظيفة ليسد بعض حاجاته اليومية… ويوضع في عمل
مهمل لايناسب قدره ومكانته ويُسلّط عليه مدير حاقد أجاد في وصفه الأديب ممدوح
عدوان
في سلسلة مقالات نشرت في صحيفة (النور) تحت عنوان: (السلبطة والتنمّر)…
دعني
ياأخي العزيز.. ولا تجعلني أسترسل بالموازنة بين ثمن الأديب عندنا، وقيمة
الأديب
عندهم… وأنت تعرف الفرق بين
(value)
و
(price) .
10*
أصحاب النفوذ
والمستفيدون والانتهازيون هل أثّروا في مضمون المشهد الثقافي في العالم
العربي ؟
وكيف ؟
**
المشهد الثقافي العربي ذو شجون. منذ سنوات نشرت في صحيفة (البعث) ثم
في مجلة (المنابر) مقالة تحت عنوان: (المشهد الثقافي العربي- تعدديّة الشكل
ووحدة
المضمون) أثار زوبعة ضدّي.. وأخشى أن الأمر مازال كما هو ، إن لم نقل أنه
ازداد
تراجعاً وسلبيّة واتكاليّة. المضمون أنت في غنىً عن شرحه لأنه (هشّ) إلى درجة
أخاف
منها عليه من أن ينكسر قبل أن يصل إليك . في محاضرة لي باتّحاد
الكتاب العرب نُشر
نصها في مجلة (المعرفة) السورية منذ مايزيد عن خمس سنوات، فرّقت بين المثقَّف
والمثقِّف (بكسر القاف وتشديدها) واليوم يسود المثقَّف وينحسر دور المثقِّف ،
لأنَّ
الأسلوب التجاري الذي يجنّد الأبواق هو الذي يسوّد الأوراق وتسلّط عليه
الأضواء.
لا.. لاأريد أن أكرّر تجربة (الولدنة) .. ولعلك تذكركلامي منذ خمسة
أعوام حين شاركت في ندوة حول " المشهد الثقافي بحلب " .. لقد بيّنت رأيي
الصريح
معزَّزاً بالأدلّة والبراهين والوثائق، فظنّ بعض القائمين على بعض المنابر
الثقافية
أنني أنتقص من قدرهم بسبب وشايات مانُقل تحريفاً عنّي.
ومع ذلك أقول: إن بعض
الأعمال الفرديّة على صعيد الثقافة ماتزال بخير.. وما يزال المثقِّفون (بكسر
القاف
وتشديدها) مخلصين لرسالتهم الإنسانيّة، من خلال إخلاصهم لأنـفسهم. وتحاول بعض
المنابر - بصعوبة - وبإمكانيّات ضئيلة - رفع المستوى الثقافي فيها. كَـبُر
المثقِّفون وكبرت الثقافة وكبر همّها، وبقي ذلك كلّه في إطار الزمن الأفقي
بعيداً
عن تعميق الوعي والتواصل الحواريّ مع الجمهور.
لقد أمسى المثقَّفون فئات مهمّشة
وتابعة ومهشّمة في تيارات هجينة مختلفة ومتخالفة، وتحوّل كثير منهم إلى
متعلّمين
وأصحاب مهنة الكتابة المرتزقة ، كثيراً ماينصبون الفاعل أو … ينصبون عليه …
خاصة
إذا كان يعمل غير متعدٍّ ..
وباختصار
، فقد تردّت الثقافة عن قرن مضى، عمل
فيه النهضويون العرب على تأسيس رؤية متكاملة لأسس التقدّم.. وبدأنا نحن نعمل
على
هدم مشروعهم والطعن به وبمشروعيّته من غير أن نقدّم أيّ بديل عمّا قدّمه
أجدادنا .
أتعرف لماذا ؟ أنا أعرف جملة من الأسباب التي أدّت إلى ذلك ولكنني أخاف
من الكلام.
كن جريئاً أنت وقل لي ماالسبب؟!
11*
أين موقع منابرنا العلمية والتعليمية في
هذا المجال ؟
**التعليم
الذي نمارسه حتى الآن تعليم وافد دخيل لم نبدع
لامناهجه ولا حتى
برامجه،
تعليم وافد إلينا مع المّد الاستعماري ، لم نكيفه مع
ظروفنا ومع المرحلة التاريخية التي نعيشها ،وهذا يزيد من اغتراب الطالب الذي
يتلقى
تعليما غريبا عنه ، وأسلوبا لا يجد فيه ذاته أو مجتمعه أوهويته ، ولايتعلم ما
يمكن
أن يسعفه في السيطرة على الواقع ، إنه تعليم يطبعه التكدس والتراكم والحشو.
تتجاور
فيه المعلومات والقضايا بغير نظام وبغير انسجام. هذا فضلاً عن أن مستوى انفاق
العرب
على أنشطة البحث والتطوير مازال متدنيًا مقارنة مع الدول المتقدمة والدول
الأكثر
نموًا.
إضافة إلى ضعف مساهمة القطاع الخاص في تمويل أنشطة البحث والتطوير
في دول العالم الثالث،مقابل انفاق كبير في الدول المتقدمة .
وضعف أو انعدام
شبكات المعلومات الخاصة بالعلم والتقانة مما يحول دون القيام بالدراسات
المتعلقة
بأنشطة البحث والتطوير وتقويم التطور المتحقق ، فضلا عن الافتقار إلى شبكة
عربية
متخصصة .
إن الأكاديمي لدينا محبط ويبحث عن ذاته خارج إطار الجامعة، هذا في
حين تهدف السلطة المعرفية عبر الدرس الجامعي إلى بناء الشخصية والفكر معا ،
إنها
تؤسس الطالب بعيدا عن التعليم التقليدي حيث يغدو العلم مجرد تلقين يفضي إلى
مهنة
تنتظر الطالب .إن الجامعة الحرة تؤسس القيم عبر فكر حرّ مستنير، كما أنها
تعمق
شعورالفرد بالمسؤولية تجاه نفسه وتجاه الآخرين ،وتربط ذاته الفردية بالمجتمع
،
انطلاقا من حرية اختياره التي تتيح له مجال فحص القيم واستخدام النافع منها
لمصلحة
المجتمع الذي يعيش فيه بغية تطويره .
12*هل
هذا يعني أن الشباب يعانون
أزمة في الوطن العربي؟
**بكل
تأكيد.
13*
وماهي الأزمات التي يعانون
منها؟
**إن
أزمة الشباب تختلف شكلاً ومضموناً وعمقاً بحسب المجتمع الذي ينشأ
الشاب فيه، ويعكس، بالتالي، في أزمته الظروف الاجتماعية التي ينشأ فيها.
هناك
تغيّرات تحدث داخل الشاب، تؤثّر، لكن الأثر الكبير إنّما مردّه إلى طريقة
تعامل المجتمع مع الظروف التي أدّت إلى تحوّل الأشبال إلى مرحلة الشباب.
غالباً
مايكون التغيّر الفيزيولوجي غامضاً، حيث لم يعد الشاب يعامَل معاملة الطفل،
وبالوقت
نفسه لايُسمح له بإبداء الرأي وبالمشاركة في أعمال الكبار، فيشعر الشاب
بالاغتراب
لأنّه لايعرف من هو بعد أن أُخرج من مرحلة الطفولة وأساليب التعامل معها، في
حين
لايُعامل معاملة الراشدين فيشعر بأنّه هامشي غير مرغوب به.
إن
الوضع المربك
للشاب العربي تشكّل من وضع العرب غير المرضي لطموحه، فلا هو ينتمي إلى دولة
قوية
تستطيع مجابهة التحديات العالمية، ولا هو يأخذ فرصته في السعي إلى تحقيق ذلك.
هذا
فضلاً عن ملاحظته وجود فئات اجتماعية متفاوتة ومتناحرة في مجتمع
استهلاكي يعاني من بيروقراطية تعيق حركة الشباب هذا في حين أنهم يلاحظون
تقدّم
العالم علمياً بشكل كبير، في حين أنهم ورثوا حيرتنا بين التراث والغرب.
14*أين
موقع المواد الدراسية من ذلك كلّه؟
**إن
معظم المواد
الدراسية لاتعبّر عن اهتمامات الشباب ولا تجيب عن الأسئلة الملحّة التي
يفكّرون
بها، ولا تتيح لهم فرصة لفهم الواقع.
إن
أزمات مجتمعنا العربي هو السبب
الرئيسي في تفريخ أزمات الشباب، حيث لم يعد للتعليم جدوى في نظر الشباب وإنما
الشهادة هي الشيء المطلوب، وهذا يؤدّي إلى تهاوي أحلام الشباب في العمل
المنتج
المحبّب، ويتهاوى الحلم في وجود أمة عربية موحّدة في ظل تقسيمات طال أمدها من
دون
أي تغيير أو تقدّم.
15*وماهو
الحل؟
**إن
أزمات الشباب هي
مسؤولية مجتمع الكبار، بالدرجة الأولى، ولكنّ الحل لايكون بأن نرسم لهم
مانريده
نحن، بل بأن نقدّم لهم مفاتيح صحيحة لفهم العالم والتعامل معه، وبأن ندرّبهم
على
أسلوب التفكير الحرّ الذي
يستطيع أن يستوعب المشكلات ويستنبط الحلول اللازمة
لها.
|