|
حوار: صبحي بحيري:
الدفء الذي ينثره
يوسف الديك في قصائده يؤكد انه شاعر حتى العظم، فهو يملك
مشروعاً أدبياً يقوم أساسا على تغليب كل ماهو إنساني، وهو لا
يتوقف عن الحلم بفلسطين التي تسكن قصائده وتمتد من بحر غزة
حتى مشارف الناصرة، ويقول إن الحركة الشعرية في الإمارات
تتنامى بشكل ملحوظ وتتطور مع اشراقة كل صباح من خلال الأصوات
الشعرية المحلية التي لها عظيم الأثر في الحركة الشعرية
العربية·
الديك في هذا الحوار يتحدث عن البدايات والدواوين ومشروعه
الثقافي والشعر الحر والحركة الشعرية في الإمارات والشعراء
الذين أثروا فيه من المحدثين والقدماء والعديد من القضايا
الأدبية الأخرى بعد أن أصدر ديوانه'' تفاصيل صغيرة على نحاس
القلب'' قبل شهرين، سألناه:
* ماذا عن البدايات
والدواوين ومشروعك الثقافي؟
قال:
مثل كل الذين سبقوني عبر تاريخ من الهم الثقافي فقد تزامنت
انطلاقتي الحقيقية في الكتابة مع الاجتياح الصهيوني للبنان
عام 1978 وما تلاه ذلك من تداعيات ولم تكن ثمة وسيلة مناسبة
للتعبير عنها أقوى من القصيدة وهذه لم تكن فقط مرحلة انطلاق
الشخص، فقد زخرت بالعديد من الرموز الشعرية في الوطن العربي
والأردن بشكل خاص نظراً للتقاطعات الحسية والرومانسية التي
شكلت عنوان المرحلة من 1978 حتى 1982 حيث حصار بيروت·
أما عن دواويني فقد صدر ''طقوس النار'' عام 1986 و''شعراء من
بلاد الشام''، وفي مطلع العام الحالي صدر ''تفاصيل صغيرة على
نحاس القلب'' عن دار المسار برأس الخيمة·
*
وماذا عن مشروع يوسف
الديك الثقافي؟
مشروعي يقوم على
تغليب كل ماهو انساني وطنياً وقومياً وعاطفياً واستطيع القول
إنني أعي حقيقة ما يعول على مشروعنا الثقافي العربي من آمال
نهضوية للخروج من هذا النفق الذي أدخلنا فيه المشروع السياسي
العربي، وهو من وجهة نظري القلعة الأخيرة التي نتحصن بها ضد
الاستلاب والتبعية، وقد أشرت إلى ذلك في مقدمة الديوان
الأخير، ومن هذا الوعي والادراك يكتسب مشروعي الثقافي كل
عناصر الاستمرارية ويشكل بالنسبة لي قناعة مرحلية بعيداً عن
مفهوم الفن للفن بالقدر الذي يأخذني إلى قناعات تترسخ مع
مرور الأيام بأن الفن رسالة
فلسطين والآخر
*
احتلت فلسطين مساحات واسعة من شعرك ألا ترى أن ذلك تكرار
لتجارب آخرين سبقوك؟
فلسطين حاضرة دوماً، فهي في القلب وتجليات القصيدة، وبالنسبة
لي فلسطين حيفا وعكا وطولكرم وغزة، بمعنى أن ''أوسلو'' لا
تعنيني واسقطها من حساباتي الشعرية دوماً، وفي الوقت الذي
يقتنع به السياسي بما تبقى من حثالة في آخر الكأس فإن الشاعر
لا يرضى بأقل من الكأس المملوءة فمن المحزن أن ترضى عن وطنك
بشارع لا يفضي إلى البحر!! وهذا أنا وسواي العديد من الشعراء
لا يرضون بأقل من فلسطين من فائها إلى النون ومن بحر غزة حتى
مشارف الناصرة، وأعرف أن هذا ما يشبه الحلم لكن احلامنا ملك
لنا وهي بالضرورة أجمل ما نملك·
الشعر هو الشعر.
* توزع شعراء الثمانينات
والسبعينات بين الشعر الحر والموزون أين يقف يوسف الديك من
الشعر الحر؟
الشعر هو الشعر ياصديقي
والبناء الخارجي للقصيدة بالنسبة لي مسألة شكلانية، فالقصيدة
المتكاملة تطرح نفسها بقوة سواء أكانت كلاسيكية أم حرة أم
حداثية، وبالنسبة لي الشعر هو المعنى، رغم انني أكتب شعراً
حراً إلا أن ذلك لا يعطيني الحق أن أطلق أحكاماً متسرعة
وعشوائية على أصناف الشعر الأخرى احتراماً للمبدعين من مختلف
المجالات، فلكل شاعر قدراته في هذا المجال والفصل في الحكم
هي القصيدة، فهناك شعر حر سيئ، وشعر كلاسيكي سيئ، وشعر حداثي
سيئ، لكن هناك شعراً عبر كل هذه الأشكال تقف أمامه بدهشة
واعجاب وباعتقادي أن القصيدة العربية الحديثة تتجه في مسارين
متلازمين نحو السرد من ناحية، والتكثيف النصي''الومضات'' من
ناحية أخرى ولكل منها خصوصيته، وهذا ما سيقودني للقول إن هذه
الأشكال للبناء الشعري تنسجم أكثر مع الشعر الحر حيث تتيح
للشاعر عبر تجليات النص السردي على وجه الخصوص بالكتابة خارج
حدود النمطية التي تغلب على الشعر الكلاسيكي·
وهنا لابد من الإشارة بأن
مفهوم الشعر ورسالته قد تغيرت بشكل حاد حيث لم يعد الشاعر
متحدثا باسم القبيلة أو العشيرة بقدر ماهو أقرب حديثاً إلى
الوجدان والتجليات الداخلية والشغل على الصورة المبتكرة داخل
النص·· أما ما عدا ذلك فهو نظم شعري وليس شعراً بالمعنى
الدقيق العصري للمصطلح·
* ما دمنا نتحدث عن الألوان
الشعرية·· ما تقييمك للحركة الشعرية في الإمارات؟
بعيداً عن المجاملة
والتملق، دعني أسجل ابتداءً اعجابي بإنسان هذا البلد
''الإمارات'' الذي يتسم بالنقاء والشفافية·· وهذه السمات
برأيي ركيزة أساسية للشعر بمفهومه العام، الحركة الشعرية في
الإمارات تسجل تنامياً ملحوظاً وتطوراً دؤوباً مع كل إشراقة
صباح، وهناك العديد من الأصوات الشعرية المحلية المهمة على
المستوى الإماراتي والعربي، ولها عظيم الأثر في الإسهام في
الحركة الشعرية وربما هنا تجدر الإشارة إلى ضرورة التلاقح
الفكري بين هذه الرموز الشعرية المهمة في الإمارات ونظرائهم
في الوطن العربي من خلال المزيد من الملتقيات الشعرية
والندوات النقدية والمهرجانات وهذا ما بدأ يأخذ حيزاً من
اهتمام المعنيين في الشأن الثقافي مؤخراً الأمر الذي يدفعنا
إلى المزيد من التفاؤل·
* وهل استطاعت المطبوعات
الثقافية في الإمارات القيام بدورها في خدمة القضايا
العربية؟
هناك جانبان مهمان تجدر الإشارة إليهما في هذا السياق، أولاً: إذا وضعنا نصب
أعيننا مدى التقصير الذي تتسم به القضايا العربية بكل
أبعادها نرى أنه من الصعب القول إن ما تم حتى الآن من
إسهامات على الصعيد الثقافي يحقق الطموح كاملاً، فالمسألة
هنا تخضع للتجريب، وكما تعلم فإن النوايا الطيبة زرع وحدها ·
ثانياً: الملاحق الثقافية
في الصحافة الإماراتية (بشكل عام) تبذل جهداً متميزاً من حيث
الكم والاهتمام بالنشر، لكنها في المقابل مطالبة بالمزيد من
الانفتاح على الآخر سعياً للحصول إلى حالة الثقافة التكاملية
فالتركيز على بعض الأسماء المكرسة أساساً في الوسط الثقافي
محلياً وعربياً لا يخدم الحركة الثقافية الإماراتية والعربية
يجب الاهتمام بجيل الأدباء الشباب ومنحهم مساحات كافية من
المتاح الثقافي وفتح المجال أمامهم للانطلاق والإفصاح عن
هويتهم الثقافية·
أما عربياً فأعتقد أن الصحافة الإماراتية مهيأة لتحمل
مسؤوليات أكبر حجماً في ظل الانغلاق الذي تعانيه الكثير من
الصحف والمطبوعات في العديد من الدول العربية.
* تؤمن بالشعر الحر وتحدثني عن
إعجابك بالمتنبي وأمل دنقل ومظفر النواب ومحمود درويش، هل من
تفسير؟
''أشعر الناس من أنت في شعره حتى تفرع منه''·· (مقولة للدكتور إحسان في
كتابه: ''نقد الشعر العربي'')·· وهو قول تبناه ابن حزم وابن
قتيبة وأقول إنك إذا تناولت شعر أبي تمام فإنه سيكون أشعرهم،
وإذا قرأت عنترة ستقول أشجعهم، وهكذا لكل منهم خصوصيته، أنا
شخصياً توقفت طويلاً عند محطة المتنبي الذي مازال يتجدد رغم
كل القرون التي مرت، وتذهلني قصيدته في حضرة سيف الدولة، ففي
هذه القصيدة اختلط العتاب بالفخر بالاعتداد بالذات والشجاعة،
أما عن الشعراء المحدثين محمود درويش، وممدوح عدوان ومظفر
النواب وأمل دنقل وسواهم ممن أضافوا للشعر العربي نكهة
وخصوصية وتركوا بصمات لافتة في فسيفساء الحائط الشعري
العربي، وكما تعلم فإن قصيدة صوتية لشاعر مغمور قد تقلب
طاولة الشاعر
على كل الأسماء المكرسة منذ
عشرات السنين، ولأنه كما قال الأصمعي: ''المعاني في الطريق''
وليست حكراً على فئة أو مجموعة، والشاعر المبدع باعتقادي هو
من يقرأ الجميع وكأنه لم يقرأ لأحد، بمعنى انشغاله بمشروعه
الخاص بعيداً عن أصوات الآخرين بالخبرة والتثقيف الذاتي وفهم
حقيقة مشروعه الشعري وماذا يريد من الشعر؟ فمنذ زمن ليس
بالقريب انتفت فكرة شياطين الشعر ''والإلهام الروحاني والوحي
الشعري وبدت عملية الكتابة أشبه ما تكون ببراعة الجراح داخل
غرفة العمليات.
* يوسف الديك··· وماذا بعد··؟
القصيدة التالية؟
من مقولة ناظم حكمت الشهيرة: ''إن أجمل الأيام هي التي لم تأت بعد''، فإن
أجمل القصائد عندي هي تلك التي لم تكتب بعد·· فالقصيدة هي
فكرة في الحلم وفهي أجمل ما نملك في هذه الحياة·
|