بسم الله الرحمن الرحيم

الوظائف الدينية في الدولة العثمانية

مؤسسة شيخ الإسلام نموذجاً
 

          لقد كثر الحديث في بداية الألفية الثالثة عن مؤسسات المجتمع المدني ودورها الاجتماعي في الوطن العربي وكأن التجربة لا تمت إلى تراثنا الإسلامي بصلة .
  ومن هذه الخلفية يمكننا أن نتحدث عن الوظائف الدينية في الدولة العثمانية (مؤسسة شيخ الإسلام أنموذجاً) ، لنرى إلى أي مدى يمكننا القول أن هذه المؤسسة الدينية كانت بمثابة مؤسسة مجتمع مدني .
تدل كلمة شيخ لغوياً على الشخص الذي يحمل علائم كبر السن، وقد نافَ على الخمسين عاماً (2: ج3، ص: 509)
      وكان السيد ، أي زعيم القبيلة، كثيراً ما يُلقب في الجاهلية بلقب الشيخ، أي من تمَّ نضجه بفعل السنين، ومن ثم اكتملت قواه العقلية، وقد أصبح هذا المصطلح يدل على الزعماء الذين يستندون إلى ماضٍ حافل، وهم الرجال الأجلاء الذين حنكتهم التجارب.
    ويحدثنا ابن خلدون في المقدمة : (1: ج2، ص : 165) قائلاً : إنَّ كبيرَ الوزراء في بلاط تونس أيام الفاطميين كان يُلقب بشيخ الموحدين، وكان هذا الوزير هو الوصي على عرش المملكة الذي يُعينُّ عمال الدولة جميعاً .
    ولَقَبُ الشيخ يُستعمل في جميع الأحوال مصطلحاً من مصطلحات أدب الخطاب ودلالة على كٍبر الشأن والاحترام والتوقير - ولو أنه زاحمه أخيراً لقب دكتور – يطيب لكل من يمارس سلطة عامة أو يشارك فيها ، وخاصة إذا كانت روحية . فنجده لقباً للمدرسين الدينيين، والعلماء، ورجال الدين بلا تمييز من أعمارهم .
   ويُعتبر لقَب شيخ الإسلام – من دون هذه الألقاب جميعاً – هو أوسعها استعمالاً من ألقاب التشريفات التي ظهرت أول ما ظهرت في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري والذي ظل مقصوراً على العلماء والمتصوفة، وقد كان يحمل الألقاب الأخرى التي يدخل في تركيبها كلمة إسلام ، أشخاص يتولون السلطة الزمنية وخاصة في الدولة الفاطمية (مثل عز الإسلام، جلال الإسلام ، وسيف الإسلام) وفي سنة 700هـ / 1300م أصبح لقب شيخ الإسلام متاحاً لأي مفت له بعض النفوذ أن يتلقب به .
    بَيّدَ أن هذا اللقب بلغ أوج مجده بعد أن أُطلِقَ بخاصة على مفتي الآستانة الذي اكتسب منصبه في دولة سلاطين آل عثمان بمرور الزمن أهمية سياسية ودينية، لا نظير لها في الدول الإسلامية الأخرى
   وتقول الروايات أن الشيخ إده بالي /حما عثمان/ هو أول مفت تولى الإفتاء في البلاد العثمانية في الفترة (1288-1326م) (7: 472) وتزعم أيضاً أنّ مفتي الأنام قد تعين في عهد مبكر يرجع إلى أيام مراد الثاني، وعقدت له الرياسة على جميع المفتين الآخرين (7: 475) ، وأن محمداً الثاني بعد فتح القسطنطينية قد خلع اللقب الرسمي : شيخ الإسلام على مفتي القصبة الجديدة : خضر بك علي، وجعل له في الوقت نفسه الرياسة على قاضي العسكر.
  ولم يبدأ نفوذ مفتي إستانبول العظيم يظهر إلا على أيام سليم الأول في الأربع والعشرين السنة التي تولى فيها هذا المنصب المفتي المشهور زمبللي علي جمالي أفندي.
  وعلى الرغم من أن الفترة التي استمر فيها زمبللي في الإفتاء وصلت إلى 25 خمس وعشرين سنة تقريباً منذ عام 1506م إلى 1525م ، كان قاضيا العسكر مايزالان لهما السبق عليه لأنهما كانا يجلسان في الديوان السلطاني، أما المفتي فكان لا يجلس فيه (7: 473) وقد كان شيخ الإسلام صاحب الأمر المطاع عند جميع علماء الدولة العثمانية وقضاتها، إلا في عهد سليمان الذي صرف شيخ الإسلام جوي زاده محي الدين أفندي من منصبه ، علماً أنه كان ذا صوله وجولة فيما يقع تحت يده من اختصاصات .  ويمكن تفسير وجود هذه الوظيفة الدينية في الدولة العثمانية :

1-    لتأثرهم بالمماليك من حيث الفصل بين السلطة العسكرية والسياسية وبين السلطة الدينية والثقافية من جهة أخرى.

2-  ربما تأثر العثمانيون بما وجدوه عند رجال الدين المسيحي في الامبرطورية البيزنطية، الذي كان يرأسهم "بطريرك" يشرف على شؤون النصارى جميعاً(7: 4).

3-  لضرورة داخلية عندما كثرت الفتن والصراعات وكذلك كثرت الفتاوى وبلا مرجعية، ولضرورة خارجية تمثلت بالاستعانة بغير المسلمين وخاصة في حكم بايزيد وفي هذا مخالفة لمبادئ الدين، فجاءت هذه المؤسسة على يدي مراد الثاني المعروف بتقواه وزهدة وبحكمته السياسية .

          وتعتبر مؤسسة شيخ الإسلام ، سلطة دينية ليس لها سلطان قضائي ولكنها تقوم بدور مراقبة عامة لتنفيذ أوامر الشرع أو نواهيه من قبل السلطة السياسية، وبالجهة الأخرى تمثل الضمير الديني للناس .
  وهذا الغرض الأخير ربما فسر لنا استمرار منصب شيخ الإسلام في الدولة العثمانية على مدى قرون ، على الرغم من لجوء بعض السلاطين إلى صرف صاحب اللقب من منصبه، فقد بلغ الأمر بالسلطان عثمان الثاني (1618-1622م) أن حرم المفتي جميع إمتيازاته، لأنه رفض إصدار فتوى بتحليل أنْ يقتلَ الأخ أخاه، ولكنّ هذه الامتيازات ردت إلى المفتي في عهد خلفه .     أما مراد الرابع فقد أمر بقتل المفتي آخى زاده حسين (1632م) دون أن يرعى حرمة لجلال المنصب، وكان المفتي عبدالرحيم أفندي هو الذي عمل على خلع إبراهيم الأول وقتله.

     وكان آخر مفتٍ استطاع أن يحتفظ بمنصبه سنين طوالا متعاقبة هو ابو السعود (545-1574م) ، وقد تعاقب على هذا المنصب بعد ذلك عدة أشخاص لم تدم ولايتهم له،إلا فترات قصيرة تراوحت بين الثلاث سنوات أو الأربع في المتوسط، ومنذ بداية القرن السادس عشر الميلادي، أصبح من الممكن أن يتولى الشخص الواحد منصب المفتي عدة مرات (7: 475). فلم تكن مدة خدمته محدودة ، بل مرتبطة بمقدرة صاحبها وبالوضع السياسي للدولة، فمنهم من بقي في منصبه ثلاثة أيام مثل بكشم حسين، ومنهم من بقي 13 ثلاثَ عشرةَ ساعة فقط
  أما التغير المطرد الذي ألم بهذا المنصب، فقد أصبح شيئاً فشيئاً متصلاً بالمؤامرات السياسية التي يدبرها الصدر الأعظم، والإنكشارية، وحريم السلطان، ولم يكن شيوخ الإسلام بمعزل عن هذا الجو، على الرغم من أن أغلب هؤلاء كانوا من أهل الاستقامة، وفي هذه المرحلة أصبح الإستقلال السياسي الذي كان يتمتع به شيخ الإسلام وهماً من الأوهام .  وغدا المفتون جميعاً منذ أوائل القرن السادس عشر من أهل البلاد العثمانية، وكانوا ينتمون – شأن العلماء كلهم – إلى أُسرٍ من المسلمين، ولا يصل شيخ الإسلام إلى مرتبته هذه إلا بعد أن تقلب في مناصب القضاء العليا، فكان معظم المفتين من قبلُ قضاة عسكر قبل أن يلو منصب الإفتاء
وتجلى منصب شيخ الإسلام في الدولة العثمانية من خلال مكانته في المحافل الرسمية. فقد كان يُعد في نظر قانون المراسم " أبا حنيفة زمانه " لا يتقدم عليه إلا الصدر الأعظم . وفي القرن الثامن عشر لم يكن يُفرض على المفتي أنْ يؤديَ الزيارة إلا للصدر الأعظم وللسلطان ، وقد حددت حقوق وواجبات المفتي في المحافل الدينية، مثل : دفن السلطان ، وبيعة السلطان الجديد، وارتقائه أريكة السلطنة (7: 479) . وكان له عدة ألقاب مثل : مفتي الأنام، وأعلم العلماء، وبحر علوم شتى، وأفضل الفضلاء، وصدر الصدور، شيخ الإسلام والمسلمين .
 وكان ملبسه يتميز دائماً بالبساطة، فعند تعينيه يخلع عليه السلطان فروة بيضاء وأما طريقة اختياره فتتم من قبل السلطان، ويتسلم فرمان تعيينه من يد  السلطان مباشرة ، (9: ج، ص : 409) .
إلا أنه لم يكن لشيخ الإسلام مركزٌ لوظيفته منذ البداية وحتى 1826 م، بل كان يمارس عمله في منزله الخاص ، وفي القرنين الرابع عشر والثامن عشر ولكثرة تعيين شيوخ الإسلام لفترات قصيرة ثم عزلهم ، لم يكن هيناً على الناس أن يعرفوا من هو بالتحديد شيخ الإسلام الحالي وأين ينجز أعماله .
وخير مثال على العلاقات البسيطة والعملية التي كان عليها شيوخ الإسلام ، ما ورد عن حياة شيخ الإسلام ( زنبللي مفتي ) أو( مفتي السلة ) فقد كان لشيخ الإسلام علي جمالي على الدوام سلة يربطها بخيط ويدليها من شباكه إلى الشارع . فإذا ما أحتاج أحدهم إلى فتوى يكتب السؤال على ورقة ويضعها في السلة ثم يهز الخيط ، وتلك كانت الإشارة فيسحب الشيخ السلة عالياً ويكتب جواب الرسالة ، أي الفتوى ، ويضعها في السلة ويدليها من جديد إلى الشارع ، ولهذا أطلق عليه لقب زنبلي مفتي أي شيخ السلة .

أما معاونو شيخ الإسلام فهم :

 أ – نائب شيخ الإسلام أو وكيله .

ب – التلخصجي.

ج – المكتبجي.

د – أمين الفتوى ويساعده الموظفون التالون :

 المسود – المبيض – المقابلجي – الكاتب – الموزع .
أما المخصصات التي كان يتقاضاها شيخ الإسلام فقد كانت في المرحلة المبكرة ( 1436- 1460 م ) لا تتجاوز ثلاثين بارة يومياً .
وفي سجل يومي يعود في الأغلب إلى نهاية القرن الثامن عشر يذكر أن شيخ الإسلام كان يتقاضى تحت ما يسمى
HAS معاشاً شهرياً قدره ألفان وثلاثة وثمانون قرشاً أما شيخ الإسلام المعزول فقد كان يتقاضى معاشاً تقاعدياً ، كما كان عبد القادر بن حجي شيخي، الذي عزل في4 نيسان 1589م يتقاضى 250 بارةً يومياً
      لقد كان شيخ الإسلام الرئيس الفعلي للهيئة الدينية الإسلامية الحاكمة في الدولة العثمانية، وكان يتمتع بمركز مرموق داخل الجهاز الحاكم. إذ كثيراً ما كان الصدر الأعظم والوزراء، وأحياناً السلطان يلتمسون رأيه في بعض المسائل المهمة، وخصوصاً فيما يتعلق بِسَنْ القوانين، حيث كانت تُعرَض عليه قبل إقرارها بصفة نهائية ليرى مدى مطابقتها لمبادئ الشريعة الإسلامية (10: 59) ، كما أن الجهاز القضائي كان يرجع إليه في المسائل المهمة للإطمئنان إلى سلامة الإجراءات المتخذة، وخصوصاً في القضايا الجنائية التي يرى فيها القاضي بإعدام المتهم
  وحتى السلطان الذي كان على قمة الهرم الإداري، فقد كان عليه ، قبل تنفيذ أي إجراء سياسي مهم أن يحصل على فتوى من (شيخ الإسلام) بأن هذا الإجراء لا يتعارض مع الشريعة، فالخطوط الشريفة التي كان يصدرها السلطان، كانت تأتي في المرتبة الرابعة بعد المصادر الرئيسة في القانون الإسلامي : القرآن والسنة والمذاهب الأربعة. أما المراسيم التي كان يصدرها السلطان ولم تنص عليها المصادر الرئيسة الثلاثة، كانت تعرف " بقانون نامة" أي كتاب القوانين (14: 107) .
  وقد أحيط هذا المركز في الفترة الأولى من الدولة العثمانية ، بمظاهر التكريم والنفوذ، فعند ذهاب شيخ الإسلام لزيارة السلطان كان يخف لاستقباله متقدماً سبع خطوات. بينما لم يكن السلطان يتقدم لاستقبال الوزراء أكثر من ثلاث خطوات، وكان يسمح لشيخ الإسلام بتقبيل كتف السلطان بينما كان لا يسمح للصدر الأعظم إلا بلثم ذيل ثوبه(4: 124-125)
إنَّ الدور الأهم الذي اختص به شيخ الإسلام ، وهو اختصاص على درجة من الأهمية بل والخطورة، هو إصداره فتاوى ذات طابع سياسي تتناول موضوعات تتصل بالسياسة العليا للدولة . فعندما كانت الدولة تريد إجراء إصلاح في الإدارة ، أو إحداث تجديد ضروري فيها، كان أصحاب المصالح يعللون معارضتهم بأن هذه الإصلاحات والتجديدات إنما هي موجهة ضد الإسلام، كما في فتوى السماح بدخول الطباعة إلى السلطنة عام 1727م (13: 13،
  فالسلطان لا يقدم على الحرب دون أن يستصدر فتوى من شيخ الإسلام يقرر فيها أن أهداف هذه الحرب لا تتعارض مع الدين الإسلامي، وكان شيخ الإسلام في هذه الحالة يرسل الوعاظ إلى المناطق ليعلنوا للناس أن الحرب  القادمة التي ستخوضها الدولة لا تتعارض مع مبادئ الدين الإسلامي وأنها شرعية ، وعلى الناس تأييد الجيش قلباً وقالباً فقد أصدر أبو السعود فتواه بالحرب ضد البندقية وباحتلال قبرص سنة 1571م وسنة 1716م
ساند شيخ الإسلام بفتواه فكرة الحرب ضد النمسا . (13:112)
وإذا أرادت الدولة التنازل عن أراضٍ عثمانية لصالح دولة أجنبية عليها ان تحصل على فتوى من شيخ الإسلام، وتاريخ الدولة العثمانية حافل بمثل هذه الفتاوى
لكن لم يكن شيوخ الإسلام جميعهم أداة طيعة في يد السلطان السياسي، يصدرون الفتاوى المبررة أو المفسرة لإجراء سياسي معين ، كي يبدو شرعياً في نظر الرعايا، حتى ولو كان هذا الأمر نظرياً
 لقد كان السلاطين شديدي الحرص على تأييد سلطة شيخ الإسلام، لأنهم كانوا يفزعون إلى استغلال سلطته، والإفادة منها كلما حلَّ بهم أمر أو ألمت بهم أحوال سياسية عسيرة. إلا أن هناك بعض شيوخ الإسلام الذين تحدوا إراداة السلطان ، فقد تحدى الشيخ جمالي إرادة السلطان سليم الأول الذي أراد أن يجبر المسيحيين في الدولة على اعتناق الإسلام، وقد طلب إلى الشيخ جمالي إصدار فتوى بذلك ، وصدرت الفتوى كما أراد السلطان، ثم تبين لشيخ الإسلام ان السلطان عرض عليه الموضوع بشكل غير سليم فما كان منه إلا أن اصدر فتوى سحب فيها الفتوى السابقة، وسمح للمسيحيين بالبقاء على دينهم طالما كانوا يدفعون الجزية ، فخضع السلطان سليم لهذه الفتوى، وتراجع عن خطوته (11: 415-416) .وفي نظر شيخ الإسلام " أبو السعود " فإن مقام المسيحيين الورعين ، الذين يواظبون على الذهاب إلى الكنيسة ، فوق مقام الذين لا يذهبون ، وكذلك الأمر بالنسبة لليهود الذين يتبعون تعاليم ديانتهم والذين لا يتبعونها . ويروى عن " أبو السعود" أنه سئل : هل يمكن قبول شهادة يهودي في مسيحي ؟ فأجاب نعم إذا كان حقاً يتبع مبادئ ديانته وكان فاضلاً .
وهكذا ورد في فتوى لأبي السعود ، أنه لا يمكن الأخذ بشهادة وأقوال مسلم سيئ السمعة حول غير مسلم .( 13: 131) وفي سنة 1672 زار البطريرك بورتنيوس شيخ الإسلام ، وكان يريد من زيارته هذه أن يمنع زواج الرجال الأتراك من المسيحيات فطلب فتوى طارحاً السؤال فيما إذا كان مسموحاً للمسلم أن يختلط جسدياً مع امرأة تأكل لحم الخنزير وتشرب الخمر . وفيما إذا كان الأولاد الذين جاؤوا نتيجة هذا الاختلاط من غير رحم الإسلام معترفاً بهم ؟ أليس مثل هذا الأمر غير مقبول ؟ وقد أجاب شيخ الإسلام بعد تفكير وروية إن زواجاً كهذا غير مسموح به قانونياً ، فطلب البطريرك أن يمنع زواج المسلم من المسيحية. فتكلم شيخ الإسلام بهذا الموضوع مع الصدر الأعظم وبعد ذلك منع مثل هذا الاختلاط . علماً أن الله لم يمنعه .
لقد كان علماء الأديان من غير المسلمين ، ينظر إليهم باحترام مثل علماء المسلمين ولم يكن مسموحاً الإساءة إليهم طالما هم يعيشون في دار الإسلام ، وكانت أية إساءة لهم تعتبر انتهاكاً للقوانين الإنسانية والإلهية ( 13 : 132) . 
ومما تجدر الإشارة إليه أن سلاطين الفترة الثانية قد أغفلوا هذه السلطة الدينية وأهملوها، خصوصاً وأن أكثر شيوخ الإسلام كانوا كثيراً ما يشاركون في المؤامرات السياسية.وقد تقلد مشيخة الإسلام عددٌ كبيرٌ من الصوفية، ويَدَّعُونَ انتساباً إلى الرسول صلى الله عليه وسلم (15: 290) .وبعد الحركة الارتجاعية ضد السلطان عبدالحميد الثاني (1876-1909م) ، قلصت جمعة الاتحاد والترقي من نفوذ شيخ الإسلام وسائر علماء الدين فانتزعت منهم سلطة الإشراف على القضاء والتعليم . ثم عندما ألغي نظام السلطنة عام 1922 ألغي معه منصب شيخ الإسلام ، بل كل ما يمت إلى الإسلام بصلة ، ومن الوظائف الدينية الأخرى التي على صلة مباشرة بشيخ الإسلام، وظيفة قاضي القضاة الذي كان يعينه شيخ الإسلام، ولم تقتصر صلاحيات القاضي على الفصل بين المتخاصمين بل كان يشرف إشرافاً تاماً على سير العدالة في منطقته القضائية، بحيث أصبح رقيباً على الوالي والد فتردار والجند والأوقاف والجمارك والأسواق وتسجيل العقود، وكان يتمتع بصلاحيات تمكنه من إنصاف الناس من والٍ ظالم . وتتحدث المراجع عن أن القاضي استطاع أحياناً أن يعزل أو ينقل مثل هذا الوالي، وتدخل لرفع مظالم الجند ونجح في أحيان كثيرة (5: ج1، ص : 201) وانظر (8: 84-85) .وقام القاضي بمراقبة الأسعار، وتأمين المواد الغذائية للمدن، وقد اعتبره الناس مسؤولاً عن مكافحة الغلاء ، فإذا فشل في مهمته ثاروا عليه وعلى أعوانه كما حدث في دمشق عندما ثار الناس ضد الغلاء في أسعار الخبز أيام أسعد باشا العظم (5: 125-127) . ويُشرف القاضي على الأخلاق العامة فقد عاقب القاضي في دمشق مرة شخصاً كان يذيع إشاعات تثير الرعب والذعر بين الناس، كذلك عاقب قاضي حلب مرة قنصل الإنجليز بتهمة إقلاق الراحة العامة، ومنع الأجانب من  استخدام العربات لأن أصواتها مزعجة (11: ج1، ص : 82) . وكان القاضي هو المشرف الأول على تنفيذ القوانين ليعمل على تنفيذها إن لم تكن مخالفة للشريعة. وفي هذا استمرار لوظيفة شيخ الإسلام عبر ممثليه من قضاة الأمصار.
ولم يكن للقاضي ونوابه رواتب معينة من الدولة، بل يأخذوا رسوماً على القضايا من المتخاصمين (5: ج2، ص : 125) .وتمتع القضاة في الدولة العثمانية بسمعة طيبة كقضاة عادلين نزيهين حيث لم يكن الحصول على العدالة
امتيازاً للأغنياء الذين يستطيعون شراء العدالة أو دفع تكاليف الخصام . بل استطاع كل إنسان أن يحصل على العدل والإنصاف ولو كان خصمه الوالي أو السلطان. ولكن هذا لا يمنع من وجود قضاة مرتشين أو غير عادلين كما يحدث في كل عصر. وقد سارعت السلطات المسؤولة لمعاقبة هؤلاء . ولكن إكراماً منها لمنزلة القضاء الرفيعة لم توقع عقوبتي الإعدام ومصادرة الأموال بالقضاة، بل اكتفت بعزلهم ونفيهم (11، ج، ص : 84-).وقد تعرض النظام القضائي إلى الإصلاح من فترة إلى أخرى ليتلاءم و وضع الدولة في مراحلها
المختلفة (12: 120-138).وبعد فإن علاقة السلطان بشيخ الإسلام في الدولة العثمانية تمثل شكلاً من أشكالِ الجدل السياسي والديني في تاريخ المسلمين في جميع حالاتها قوة أو ضعفاً ، تقارباً ودياً أو تناحراً تدميرياً تكون الخاتمة في مصلحة الأقوى فالمنطق الذي يتحكم في جدلية الديني والسياسي عند المسلمين، هو أن الديني والسياسي كليهما يتعلقان بالسلطة ويجعلانها قاعدة مادية وجهازاً يحقق به كل منهما ماهيته وغاياته.وإنه في كل مرة يصل الديني إلى أن يصبحَ قوةً غيرَ مباشرةٍ أو موازيةٍ ذاتِ " إمكان" فعّال في الجماعة فإنه سيتحول إلى سلطة تُنازعُ السياسيَّ غاياته وسلطته. أما السياسي فإنه لن يتوانى عن امتحان هذه القوة الموازية أو المقابلة له بجميع الأدوات المتوفرة.
وسيظهر الديني دوماً في مظهرين أحدهما " متصلب في الدين " يتوسل بدرجات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى اقصاها بحسب الإمكان وثانيهما: "عمليٌ مهادنٌ" يتوسل إلى غاياته عند السياسي بالطاعة ، ولا يبدي أية مقاصد عدوانيةٍ أو عصيانيةٍ في موقفه من السلطة ويلوذ بالنصيحة لأولي الأمر والدعاء لهم في السر والعلانية، أو في العلانية على الاقل (6: 354-355) .