|
كتاب "الثقافة العربية والتجديد الإسلامي" بدأت قصة هذا الكتاب في الولايات المتحدة. لقد هاجرت في أواخر عام 1990 اي بعد ما يزيد عن ثلاث سنوات من تقاعدي القسري ومن الانتفاضة الاولى. هاجرت بنفسية متعبة لانني لم أكن راغبا في هذه الهجرة؛ وإنما كنت مضطرا لإعالة عائلتي الكبيرة، وهناك عرفت طعم الغربة والاغتراب معا. تركت الكتابة لمدة أربعة أعوام، ثم بدأت أكتب في الصحف العربية في شيكاغو ونيوجيرسي ولوس انجلوس. وهناك أخذت تلح عليّ الأسئلة الكثيرة التي يسألها كل المواطنين العرب مثل: ما أسباب هزيمة الأمة العربية؟ لماذا يتصرف العربي بالصورة التي يتصرف بها؟ لماذا لا نتحد؟ لماذا تدوس بساطير الانظمة العربية الحاكمة شعوبها وتقف عاجزة أو متآمرة مع اعداء الامة؟ ولماذا تستكين هذه الشعوب لحكامها؟ لماذا تفشل الثورات العربية؟ لماذا تتصارع أحزابنا وأقطارنا مع بعضها وتستكين لمن يذبحها؟ هل الغرب متحضر؟ هل هو قوي؟ هل نحن ضعاف؟ أين مصادر قوته وضعفه؟ وأين مواقع الخلل لدينا؟ وأسئلة كثيرة غيرها تخطر ببال كل عربي ألف مرة في اليوم. لقد سمح لي بعدي عن الوطن، واحتكاكي بالثقافة الغربية، أن أبدأ الإجابة على الاسئلة، ورأيت نفسي أقرأ بنهم واكتب كل ما يخطر على بالي، وأفادني اهتمامي بالتراث الشعبي أن انتقل إلى مستوى آخر هو المستوى الثقافي الذي يندرج التراث الشعبي ضمنه. ووصلت إلى نتيجة واضحة هي ان الثقافة فقط هي القادرة على الإجابة على كل الاسئلة المطروحة مني ومن الآخرين، فتوجهت إلى دراسة الثقافة العربية في بعض وجوهها المسؤولة عن فشلنا، وكان لا بد من الربط بين الثقافة والتاريخ كي نفسر الثقافة العربية في واقعها الحالي وفي مكوناتها التي منحتها صفاتها الموجبة والسالبة على حدٍّ سواء. وبعد أن وصلت إلى قناعة راسخة بأن الثقافة العربية هي المسؤولة عن الهزائم التي نمنى بها ليل نهار، بدأت بتشخيص الأمراض الخطيرة التي أصابت هذه الثقافة وتهددها في مستقبلها أيضاً. وبعد التشخيص طرحت الحل الذي لا أرى بديلا ًعنه للخلاص من هذا الواقع ببناء ثقافة عربية أصيلة وجديدة لا تقوم إلا بالاسلام بعد أن فشلت الاشتراكية والقومية والليبرالية في استنهاض الأمة، أما الاسلام فهو المؤهل لبعث الأمة من جديد. ولكن الاسلام يحتاج إلى خطاب جديد مختلف تماما عن الخطاب التقليدي المألوف والذي ناقشته في أحد أبواب الكتاب. وباختصار، فإن الفرضية التي تبنيتها وبرهنت عليها في الكتاب هي: إن الثقافة العربية ثقافة تعاني من مختلف أنواع الخلل، وحتى تتخلص من الخلل لا بد من إعادة بنائها، ولا بد من عقيدة(أيديولوجيا) يقوم البناء على هديها، وهذه العقيدة هي الإسلام القادر- بعد تجديده أو تحريره من الثقافة- على إعادة بناء الثقافة العربية القادرة أن تعيد للعرب كرامتهم ودورهم الحضاري. وبمعنى آخر، لقد طوّعت الثقافة العربية الإسلام فجردته من الكثير من فعاليته لدى المسلمين، والمطلوب أن يعود الإسلام لتطويع الثقافة لتتحول إلى ثقافة إسلامية قادرة على التصدي للأخطار الخارجية وحل المشاكل الداخلية في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. لقد انهيت الكتاب في مدة تقرب من ثلاث سنين، وقرأ صديقي الدكتور سلامة النسور مسودة الكتاب فأعجب به، وشجعني على نشره، بل كان ذلك حافزا لنا كي نؤسس مركزا مستقلا للدراسات والنشر في الولايات المتحدة، ونشرنا الكتاب في بيروت من خلال هذا المركز، ولقي الكتاب تجاوبا كبيرا من القراء والنقاد. وحينما عدت إلى الوطن عام 2001، وعرضت على صديقي الدكتور شريف كناعنة كتابة مقدمة للكتاب وإعادة نشره هنا في الوطن، رحّب بالفكرة وطبع الكتاب في فلسطين طبعة ثانية، وكتب الدكتور شريف تقديما للكتاب.
يتكون
الكتاب من ستة أبواب يقع كل منها في فصلين، ناقشت في كل باب موضوعا هاما في علاقته
بواقعنا المهزوم، وهذه الأبواب هي: نحو فهم الثقافة العربية، التراث العربي، ثقافة
التغريب، أزمة الثقافة العربية، الخطاب الاسلامي المعاصر، التجديد الاسلامي. وعلى
الرغم من أن صفحات الكتاب تزيد عن 400 صفحة، إلا أن الاسئلة والموضوعات المطروقة في
الكتاب تحتاج إلى عشرات الكتب التي تعالج المواضيع إياها، أما هدفي الرئيسي من
الكتاب فهو أن يدفعنا إلى مراجعة الكثير الكثير من المفاهيم والمسلمات وأن نجري
حوارا واسعا حولها، حتى نتمكن من إعادة الثقة إلى الأمة، ولن تعود هذه الثقة إلا
بالتغيير الثقافي المطلوب. |