عزت عمر
1
زهرة الرغبات
قارىءإبراهيم
الملاّ مهما كان موقفه من قصيدة النثر سيحبّ أشعاره، إذ ليس
لإنسان مهتمّ بالشعر أن يتخذ موقفاً من متعة جمالية فائقة
يقدّمها له الشاعر كهدية مباغتة غلّفت أحسن تغليف بيد فنان
ماهر، وليس له أيضاً ألاّ يدفعه الفضول للتأكّد من أن هذه
العلبة الجميلة التي تفوح منها رائحة عبقة من "زهرة
الرغبات"، تلك الزهرة التي تتجاوب مع اللحظة الحلمية الخاصة
للقارئ؛ من أن تدفع به لمزيد من الحلم والتأمل؛ إلى مزيد من
الاستغراق في متابعة نصوص أضنتها الشفافية، فأشرقت كأشربة
المتنبي التي وقفت على أغصانها بلا أوان في بيته المشهور:
لها ثمر تشير إليك منه بأشربة وقفن بلا أواني
فهذه الشفافية ستتغلغل
عميقاً في الوجدان، بما تبثّه من شاعرية عذبة قابلة للقراءة
تماماً كـ "زهرة الرغبات"؛ بما تمنحه من قابلية التفاعل مع
النصّ المرسل، أو بإمكانية التأثر والانفعال؛ بما يقدمه من
أخيلة تشبه على نحو ما عملاً فنياً باهراً، يسمح لك بتأمله
أو بإعادة تشكيله وفق ذائقتك، واشتعال الأرواح فيك:
"عميقاً يرحل
قاربنا المحمّل بالضباب
لذكرى العتبات الهابطة في الماء
بعيداً وعميقاً
مثل بكاء الزيزفون
في النظر المعطّل لعصفور
هناك
حيث شعرك
على المياه المذهبة يفيض
هناك.. نغيب
بعيداً وعميقاً
مثل موتى بشفاه ضاحكة"!
وبهذا المعنى فإن قصائد
إبراهيم ستكون على الدوام غنية بتجربته الإنسانية المستمدة
من ثقافة منفتحة على العالم الجميل، ذلك العالم الذي هندسه
طويلاً الحالمون من الكتاب والفنانين والشعراء، وبذلك فإن
إصراره على تجاوز لغة الأمس التي أدمنت خطاب الأنا، ربّما هو
أحد أسرار هذه الخصوصية التي لم تعد تنظر إلى المرأة، إلاّ
بكونها امرأة معاصرة يمكن الاشتراك معها في حياة جديدة خالية
من كلّ تعقيدات الذكورة، وتنظر إلى العالم، في الوقت نفسه،
على أن يكون أكثر إنسانية؛ عالماً جديداً خالياً من العنف
وضرائبه الباهظة:
"كيف لي إذن أن أكلّم الغيمة
فتسدل خيوطها القديمة
واهتدي "بأصفهان"
بامرأة تخاطب الشموع وحيدة
فلا يطلع على المدينة نهار
كيف لي
والراعي الوحيد
يقود الفجر
إلى مسكنه
ولا يخرج
إلا ويداه مليئتان بالحقول."
واستهلال المقطع بكيف، هو نوع من الرغبة في التواصل مع
الغيمة المسافرة مع الريح، وفي التمني بتحوّلها ذاتياً إلى
جسد من خيوط أثيرية تقود الشاعر المفتون إلى تلك المرأة
الوحيدة بـ "أصفهان"، والتعبير عن الوحدة سيكون برصد مشهد
ليلي لا يضيئه سوى الشموع: امرأة وشموع ينتظران طارقاً، ولكن
المسافة بعيدة فيما يبدو، لأن الأسلوب الإنشائي نهض على
التمني أساساً، وما بين الرغبتين المختلفتين مكانياً يتموضع
الخيال فاسحاً المجال للقارئ أن يسافر فيه عبر العناصر
ودلالاتها المستمدة من الطبيعة: الغيمة والليل والفجر
والحقول؛ وكأنما ثمة دعوة لهذه العناصر أن تمتثل لرغبات
الشاعر العفيفة. وستعبر الاستعارة عن هذا التمثّل حيث يمتزج
الخارج بالداخل في وحدة شعورية دلالية تنفتح على فضاء الحقول
ورمزية الخضرة المستقاة منها بالطبع.
إن
حضور عناصر الطبيعة المختلفة على هذا النحو سوف نرصده في
أكثر من نصّ، بل إنه من النادر أن تقرأ نصاً من نصوص
المجموعة لا تلتمس فيه مثل هذا التداخل الذي يشير على الدوام
إلى خلفية النصوص الناهضة على رومانسية تخصّب النصّ بمزيد من
رموزها ومعطياتها، ويمكننا إلى ذلك توصيفها بالرومانسية
المستحدثة، التي تعيد صياغة ذاتها عبر الصورة والمشهد على
نحو جديد:
"لمرة واحدة
أقفلنا المشهد
ولم يكن هناك باب ولا نافذة
فقط الليل
كان يلمّع جسدينا
والريح القوية
تكنس الفائض من أيامنا."
وسنلحظ هذا التناغم الواضح بين مفردات
الطبيعة من جديد، حيث ثمة ليل وريح قوية، وهو ربّما ليل
شتائي يهيمن على فضاء اللحظة في الخارج، والدفء بالتحام
الجسدين مطلوب في الداخل، وهو ما أشار إليه بـ "يلمّع
جسدينا" في دلالة على هذا الدفء وما بينهما ستعمد الريح على
أداء دورها المناط بها في تكنيس "الفائض"، أي كل ما يزيد عن
لحظة التلاحم هذه كفضاء حميم ينتصر على الليل باشتعال
الجسدين، وعلى الريح الباردة بما يصطنعانه من دفء. وعلى هذا
النحو سنطالع نصوصاً فائضة بعناصر الطبيعة تنسجم ورغبات
الشاعر إلى هذا الحدّ أو ذاك، أو أنها تستحيل إلى ظرف طارئ
قاهر، وفي كلا الحالين ستعبر اللغة الشعرية في مستوياتها
المختلفة عن اللحظة المراد إيصالها عبر خطاب جديد يوظّف
ضمائر السرد والخطاب توظيفاً جديداً، حيث من جهة تتصدر "نا"
الدالة على الجماعة والفاعلين كدلالة على المشاركة الكاملة
بين الحبيبين ( أقفلنا، جسدينا، أيامنا، مضينا، صمتنا،
انتبهنا، إيماننا)، ومن جانب ثان فإن استخدامات ضمائر الخطاب
ستعزز هذا التوجه، وبذلك فإن بنائية النصّ سوف تكون مفارقة
بالتأكيد لبناء النصّ الكلاسيكي، بما يؤكّد بعد المسافة التي
قطعتها قصيدة النثر عن تلك "الأنا" الذكورية أو الفحولية
بتعبير الغذامي، تلك التي لا ترى في الشريك الأنثوي سوى جملة
من الخصائص الجسدية والحسيّة، فالشريك هنا شريك الجسد، ورفيق
الروح الحرة الطليقة التي تشبه قصيدة النثر ذاتها، فلا ينبغي
لأية نظم أو ضوابط أن تأسرها، سواء كانت هذه النظم هي تقاليد
الشعر المؤسِّسة لمنظومة فكرية لا ترى فيها سوى حالة متضادة
مع النسق العام، أو في كونها تجاوزت الضوابط الوزنية، تلك
الضوابط التي جعلت من القصيدة فضاء صوتياً منبرياً
ومناسباتياً، كلما أجاد الشاعر الإلقاء كلما لقي استحساناً
من السمّيعة، والغريب أنه بالرغم من كلّ ذلك، فقد رسّخت
قصيدة النثر نفسها، مهما اختلفنا في تقييم جودتها أو
رداءتها، على المشهد الثقافي العربي برمته خلال العقود
الأربعة الأخيرة، وذلك لأنها كالنبع تتجدد بدوام تدفقها،
وبدوام تفاعلها مع الثقافة العالمية سعياً لإبداع منجزها
الحضاري. ومن هنا فإن التباين في توظيف الأساليب وضمائر
الخطاب بين لغة الأمس واليوم، سيعكس توجّهات الشاعر الجمالية
والفكرية في رؤيته للبشر والطبيعة عبر لغته الشعرية الناهضة
بالتأكيد على تعدد مستوياتها الدلالية والرمزية. وكنا في
دراسة سابقة لأشعار إبراهيم الملاّ قد نوّهنا إلى شيء من هذا
القبيل، حول نفور استخدام الشاعر لصيغ الأمر والنواهي
المتعالية، الأمر الذي يدفعنا للاعتقاد دائماً أن تقييم
القصيدة الجديدة، يعود بالدرجة الأولى إلى خطابها المرسل
ومقدار انفتاحها أو عبورها نحو الآخر:
"عبر النوم
انتبهنا
كان الوقت يحفر أظلافه في الممر
والخنجر قرب الوردة
لم نفقه
كيف أن الغيمة
خدشت رقّتنا
وأن الظلّ رافقنا إلى النوم
وإن أحداً لم يطرق الباب
ولم تحدثنا السهرة عن عشّاقها
هكذا مضينا على حافة ظنوننا
تسخر منا الأسماء
وتجمدنا البيوت على العتبات.."
2 بلاد أخرى.
ونعني بها تلك البلاد التي زارها الشاعر،
ووقع قصائده من خلال تسمياتها: "فيينا، سالزبورج، زيلامسي،
إنسبروك،زيوريخ، كابرون،فينيسيا،برايتون، لندن،) ومن خلال
تقصّ دلالي سوف نجد أن هذه الرحلات تمّت بين 1997 و 2000،
بحسب التأريخ المكاني الزماني أسفل كلّ قصيدة.
وبإحصاء بسيط سوف نكتشف أن مدناً بعينها استأثرت بالعديد من
القصائد كلندن في خريف 97، وبرايتون في 99، وزيلامسي في
2000، فلمَ استأثرت هذه المدن وحدها بالعديد من القصائد،
بينما المدن الأخرى كفيينا أو فينسيا وهما مدينتا الفن
والشاعرية والجمال، لم يكتب عنهما سوى قصيدة واحدة لكلّ
منهما؟ ولم حدد زيارته للندن بالخريف؟ وهل سينعكس الخريف
اللندني على فضاءات قصائده، أم أن كلّ ذلك جاء عفوياً ودون
قصد؟ هذا بالإضافة إلى العديد من الأسئلة التي يمكن أن
إثارتها وخصوصاً المؤثرات المكانية من خلال هذا التقصّي
الدلالي، إلاّ أننا آثرنا أن نترك ذلك لما بعد تحليل النصوص،
التي سندرسها وفق تراتبها الزمني، وليس من خلال موقعها في
المجموعة.
2.1 خريف لندن 1997.
وقد كتب خمس قصائد فيها: (ما نمحوه في النظر،
استراحة، المقامر، نزهة، أشجار) وسنلاحظ أن رموز الخريف
ستكون حاضرة نسبياً من خلال عناصر الطبيعة: " الأمطار،
السماء المرة، الغراب، أشجار الدلب..." ولكنها إلى ذلك لا
تتفاعل لتؤسس فضاء خريفياً لندنياً بالشكل الذي نتخيله، بل
إنه في قصيدته "نزهة" سيكون طقساً لطيفاً:
"هناك حيث الظلّ
رجل خفيف
السناجب على غصن الصباح:
ضيوف التلصّص
هناك أيضاً
امرأة وحيدة
تعلّم النسيم حياكة النهار
البيت البعيد
أليف هو الآخر
لأن القرميد نائم منذ ألف عام
والحنين ضربة في الفراغ
الغابة ذاهبة هي الأخرى للمدينة
والحزن بارد على المقعد
ربّما الصمت وحده
العازف الأخير..."
وربّما هي لحظة صحو خريفية دفعت إلى هذه
النزهة في الطبيعة، حيث إننا من خلال العناصر سوف نكتشف
لطافة الطقس بحضور الظل وتشبيهه بالرجل الخفيف، ومن خلال
السناجب والمرح على الأشجار، بينما النسيم يلاطف المرأة
الوحيدة، وهي ربما جلست تحيك كنزة من الصوف للشتاء القادم،
كإشارة أولى، لكن الإشارة الأكثر دلالة على الخريف، هو ذلك
الحزن القار في المكان والشخوص، مما يدفع للتساؤل عن مدى
حضور الأسطورة وخصوصاً ميثة الشتاء تمهيداً للحزن الكبير،
فهل كان الحزن في هذا المقام تعبيراً لا شعورياً عما هو قار
في الذاكرة البعيدة؟
ولعل قصيدتيه، ما تمحوه في النظر" و "أشجار"
تعبران عن حضور الخريف على نحو أفضل من خلال تكاثف رموزه
الدالة: الهدوء الأبيض، طلاء ميت على الجدران، العصفور
الأخير، الكاهنة العتيقة، والغيوم، وعمود الإنارة، والليل،
ونوم العصافير، ومن خلال فضاء المشهد المعزز بالصور
البلاغية: تشخيص الليل والشجرة وعمود الإنارة، والحديث
الهامس بينهم.
2.2 برايتون 1999.
وقد خصّها بسبع قصائد: (إيليني فيتالي، رصيف
الكوينز رود، بدم بارد،
،
The Devil Dike
رفات البافيليون، ماجنوليا)، ومن خلال العناوين سنلحظ أن
تسمية القصائد في غالبيتها تدلّ على الأمكنة، وهي ربّما
أثارت مخيلة الشاعر وداعبت عواطفه بخصوصيتها، سيما وأن
برايتون مدينة إنجليزية قديمة، وتمتاز بألفتها وحميميتها من
حيث السكان والمناخ البحري القريب للنفس، وربما مرور الغجر
أضاف نكهة إضافية على أجوائها:
"للغجر بعرباتهم المائلة على التلّ
رائحة الشواء
عذوبة الإقامة الخفيفة
للمغنية وهي تروّض السحب
البحر مقروء لطائر الخرشنة
البحر الغريب ينمحي
والسفح بعيد
لصوتك "إيليني" يخرس النهر.."
ولعل توظيف الأمكنة في هذه النصوص ينطوي على
دلالات كثيرة تعبّر عنها جملة المشاهد المرسومة بعناية عبر
ذاته الواصفة لعناصر المكان من مثل: رصيف الكوينز رود، رائحة
الجدران، أغاني المشردين، قرع الأجراس، الأسماك، الأصداف،
الشمس النادرة، المطر، السناجب والبندق، الغابة، البافليون،
أشجار الكرز، الراعي، الماجنوليا. حيث تتكاثف هذه العناصر
على شكل صور تتفاعل فيها العاطفة مع الحواس المختلفة على نحو
مثير، لتأسيس فضاءات أليفة ومحببة تعبّر بشكل حاسم عن تآلف
الشاعر مع هذه الأمكنة والأشياء ، فلا نقع على أية انفعالات
مفارقة تستدعي أمكنة أخرى للمقايسة أو المقارنة على النحو
الذي نألفه لدى بعض الشعراء أو كتاب أدب الرحلة.
2.3 النمسا
2000
خلال هذه الرحلة ستمرّ بنا مدن كثيرة: فيينا، سالزبورج،
زيلامسي، انسبروك، كابورون، بالإضافة إلى فينيسيا في
إيطاليا، وزيوريخ بسويسرا.
والقصائد في هذه الرحلة ستعبر عن لحظات يتفاعل بها الشاعر مع
المكان من خلال قصائد قصيرة وخاطفة، تشبه إلى حدّ ما لقطة
الكاميرا كما في قصيدة "في المترو":
"قدناه إلى الممر
الثمل
بشمعة في العاصفة
نثرناه بالقرنفلات
قبل أن تشيخ
كدّسناه في "المترو"
لذكرى قطار
تركناه وحيداً
بانتظار المعجزة."
فكما نلاحظ أن النصّ هنا لا
يشير إلى مكان محدد سوى "المترو في سالزبورج" ولكن الشخص
المُقاد من قبل الجماعة في ليل عاصف ظلّ غامضاً، ولعلّ هذا
الغموض هو ما منح النصّ جماليته إضافة إلى مخيلة الشاعر التي
تلاعبت بالصورة على نحو لقطة سينمائية موفقة: الممر، الثمل،
القرنفلات قبل أن تشيخ، كدّسناه.."
ولعل قصيدة "مثل سهم" تختلف
في بنائيتها عن سائر نصوصه الأوربية، بل عن سائر نصوص
المجموعة، لكونها قصيدة هجائية اقتضت أسلوب الخطاب الذاهب في
التحقير لعابر غامض مرّ بمدينة "زيوريخ": " لمجدك أيها
العابر الصفصافات تثرثر والريح/ لمجدك/ الأقواس على الضفة
تنحني"، وهو إلى ذلك ربما شخصية تاريخية غير مستحبة ومكروهة
عبر عنها إنشاء تحقيريّ ومبالغات لفظية تنطوي على سخرية مرة:
"وأنت العابر في الهواء
في الصدى المنثور على المقابر
حيثما تركتهم يلوّحون
للشبح الضاري
أنظارهم الممنوحة
أيها العابر
قميصك المسموم
معلّق على خنجر."

3 مملكة
اللغة.. الدلالة
3.1 الصحراء
كما أشرنا في تقديمنا أن لغة
إبراهيم الملاّ تتجاوز اللغة التقليدية، من حيث مستوياتها
البنائية والرمزية والدلالية، الأمر الذي يمنح القارئ أو
الدارس إمكانية رصد التفاعلات التي تولّدها المعاني والصور
والرموز، ومتابعة الإحالات المجازية. وعلى اعتبار أن النصّ،
أيّ نصّ، خطاب لغوي مرسل، فإنه ينبغي تحليله وفق معطياته
البنائية وما يفضي إليه من دلالات يسعى الشاعر لإيصالها. ومن
هنا فإنه لفت نظرنا في هذه المجموعة حضور الصحراء في نصوص
عدّة، وكأن هذا الموضوع تحديداً كان يشغل الشاعر منذ مجموعته
الأولى "صحراء في السلال". إلاّ أن دلالات الصحراء في قصائده
الجديدة تتجه في عمومها نحو: المتاهة والخواء والاغتراب،
والصحراء بذلك قد ترمز إلى النفس المتصحرة أيضاً كطبيعة كلية
مضادة للطبيعة الخضراء التي كان من قبل قد احتفى بها، فهي
تغالبها باستمرار وتسعى للقضاء على عناصرها من نبات وحيوان
وإنسان ومياه، وكذلك هي الذات الإنسانية الخاوية من الحبّ
الذي معادله المياه في الطبيعة، أشبه بصحراء لا نبات فيها،
نفس عدوانية كارهة وقاسية، الحبّ والأشياء الجميلة فيها
مفتقدة، أو منفية ومغتربة، وذلك لأنها عاجزة عن التفاعل
لافتقادها المحرض الأساسي ، وبذلك فإن كلّ الأشياء ستذهب إما
إلى الموت، أو إلى المنفى، وهذا ما عبّرت عنه قصيدة "لا أحد"
حيث يقول مخاطباً ذاته:
"في الصحراء امتداد الحنجرة
لا صوت يرتطم
وحدك في هاوية النظر تغوص
وحيداً تغوص في هاوية الممشى
لا أحد
في التسكعات المشرعة
وأنت: الوردة المتحجرة
على فم مقفل
الصرخة لا تكتمل.."
وهكذا فإنها أشبه بمتاهة
تتحجر فيها النفس والأشياء بما في ذلك الهواء، أما الرمل فهو
السيد المطلق المتعالي الذي يمارس سلطاته على النبات كمستبد
لا يهوى الخضرة، وعندما يبحث الشاعر عن ظلّ، أو عن شجرة
يعلّق عليها ثيابه أو كوابيسه، فإنه بالطبع لن يجد سوى نبات
الأشخر الذي يكبر على الرماد، وبذلك فإنه يليق بها التحقير
عبر النداء بـ "يا نهاية الأناشيد" دلالة على نهاية الفرح
وبداية الحزن، لأنها متاهة موحشة والموت رفيقها:
"أيتها الصحراء
رملك عورة الغابات
في الليل.. أنت سلام الضوء
في الليل
أنت أشد وحشة من الحجر الصغير
أعشابك التالفة: موائدنا
في الليل
نحن حراسك المجوّفون
يلمّع السحرة ثمارهم بلونك
أنت ضيافة المستحيل
خرابك
تيجان طفولتنا."
وستتجه قصيدته "اهتزاز
اليقين" لتعزيز هذا المنحى الدلالي الذاهب في متاهة الروح
والنفس والخراب الذي طال كلّ شيء، فهلك الزرع وجفّ الضرع،
وبات الخبز مفتقداً، وحجّر الهواء كلّ شيء، فكيف السبيل إلى
الخلاص من وضع كهذا ولا منقذ يرتجى حضوره؟ ربّما المعجزة
وحدها، وإلاّ فلا سبيل للخلاص:
"الهواء نحيل
والجرار التي حطّمناها خلفنا
مزّقت أرواحنا في البراري
تحت أرجلنا
الشظايا نبتت
وعلى رؤوسنا
حطّ طير من حجر
لم يكلّمنا أحد
وشفاهنا هاجرت في غبار وليل.."
وتذهب اللغة الشعرية مستفيضة في شحن المعاني لتحيل إلى أشياء
وأشياء في نسيج تتكامل فيه عناصر النصّ صوراً وإيحاء وظلالاً
ورموزاً وإيقاعاً، ونعتقد انه من نافل القول أن نتوقف عند
كلّ عنصر من هذه العناصر لتوضيح فنياته البالغة الدقة، وكأن
ثمة مخرجاً سينمائياً عمل بدأب على تجميع عناصر مختلفة، ومن
ثمّ قدّمها في مشهد حافل بالضوء والألوان والحركة وتراسل
الحواس، لأناس معذبين فوق هذا الحيّز، فتابعنا عذاباتهم
الإنسانية عبر تواتر الصور وهذه بعض نماذجها: "ببطء ننكسر/
في جيوبنا ما تبقى من عاصفة/ وعلى جباهنا تلفّ الرياح...
ظلالنا مثل مياه تمضي/ أسماؤنا الجافة تركناها لزوبعة/
أغنياتنا تحرث في ضباب/ تركنا شموعاً على البحر/ وغيوماً في
الخزائن/ ما لمسناه صار تراباً/ وما قبّلناه تصدع/ أفلتنا
زهرة سوداء في الغدير/ وجعلنا الآباء يطلّقون الأمل/ كنسنا
الطفولة من الصور..."
3.2 الأصدقاء
إن حضور الأصدقاء عبر
الإهداءات، إنما هو بعد إنساني إضافي تمتاز به المجموعة، وهو
إلى ذلك تعبير عما يختزنه الشاعر من قيم نبيلة تعلي من شأن
المشترك الإنساني، وتسعى في الوقت نفسه إلى تعزيزه كحالة
مضادة للغربة التي يرغمنا على صقيعها زماننا الجديد، وكأنه
في هذه القصائد ينشد إلى لحظة دفء خاصّة تنطوي على دعوة
للاشتعال الذاتي والمشاركة في إعادة كتابة النصّ من جديد،
حيث الدفء في الداخل يطرد صقيع الخارج، أو على الأقل يفتح
حيّزاً حميمياً ينعم به أولئك المغتربون، ومن هنا فإننا سوف
نراه يهدي المجموعة للشاعر بسّام حجار، كما حملت بعض القصائد
إهداءات إلى أصدقاء له، ومن ذلك قصيدته "أعوام ناقصة" التي
أهداها إلى "مسعود" مكتفياً بالاسم الأول كتعبير عن ودّ
إضافيّ، وكذلك إلى عبد الله عبد الوهاب وهو شاعر من
الإمارات. ومن ذلك أيضاً مرثاته الطويلة "ها أنت تمرّ.. هاهي
الغيمة جسدك.." المهداة إلى روح صديقه محمود صنقور، وهي أطول
قصائد المجموعة، حيث بلغ عدد صفحاتها ثلاث عشرة صفحة، نعاين
فيها نفساً ملحمياً يذكّر ببنية الملاحم التراجيديا والصراع
مع القدر، وهي في الحقيقة قصيدة جديرة بأن تدرس وحدها، لما
تضمنته من فضاءات مختلفة وذات خصوصية في الآن نفسه، حيث يأتي
الاستهلال أشبه بأداء طقسي إنشادي يشرك فيه عناصر الطبيعة
الحية من زهور وحدائق بما يليق بالمناسبة:
"اشملنا بطيفك يا غريب
ظلّك منثور في التعاويذ
ظلّك المهدور من الطفولة
ينحني لبهاء الحقل..
هالك هذا الورد
لأنك كنت..
لأن المساء مشاع لزهر النارنج
وشرفاتنا:
طلّة (التنباك) على الحدائق.."
وإلى ذلك فإنه سوف يعدد خصال
ومآثر هذا الصديق الذي صعقته الأقدار، فهو "مغسول بصمت
النعناع، وهو القادم من جهات الطلسم، في أقفاصه الشعاع
النبيل للأسى"، ثمّ يسافر في الماضي القريب ليستحضر كثيراً
من التفاصيل المشتركة بينهما، وهي في الحقيقة تفاصيل زاخرة
برموز كثيرة ترتبط بمشترك المكان من بحر وغيم وبرّ وما
بينهما من كائنات: عصافير وأشجار رولة وغاف وأشخر، قوارض
وضبّ، وسمك مملح، وبشر بوجوه مختلفة، ومن ثمّ يعلو صوت الحزن
في خطاب مباشر إلى المتوفى، ليفتح صفحات جديدة على كثير من
الحزن والشجن والنقمة وتأنيب ضمير ذاتي واجتماعي واحتجاج
صامت على الأقدار، في مشاهد تتكامل بصرياً ودلالياً لتبيان
الحالة الانفعالية التي استوجبت هذا الخطاب، وكأننا أمام
حالة صراع داخليّ عنيف بين العقل والعاطفة داخل ذات الشاعر
يتغالبان بلا هوادة، وهي لحظة تذكّر بفجيعة جلجامش بموت
أنكيدو، حيث "راح جلجامش يدور حول صديقه المسجّى كلبوة فقدت
أشبالها، وهو بين مصدق ومكذّب، يبكي ويقطع شعر رأسه." وإذا
كان جلجامش قد احتفظ بجثة أنكيدو ثلاثة أيام رافضاً تسليمه
للدفن أملاً في يقظته. فإن عقل شاعرنا كان على الدوام يرفض
هذا الموت برغم حقيقته المرة، وإلى ذلك فإن عاطفته كانت تدفع
باتجاه لوم وتبكيت الذات المجتمعية التي كانت سبباً فيه،
بدليل استخدامه لضميري الجماعة (نحن، و نا):
"ماذا
لو أطلنا المكوث في الهاوية
وتوددنا للعراء
أيّ كلمة تأتي بجسد
أي غناء يبعثك
ونحن صناع الألم
نخيط الظلمات بالبريق
نحرس البلاغة
من صمتها
ونشطر الخراب نصفين
كي نؤوب لمرّة
كي نفتح القمصان
ونقذفها للفتنة
كي نهرّب الرواة من الحكاية
ونصغي إليك
أنت وحدك.."
ثمّ تأتي الخاتمة بعبارات قصيرة وسريعة ولكنها موجوعة
وحارقة، تعبّر عن مدى تأثر الشاعر بهذا الفقد الكبير الذي
استحال إلى مجرد ذكرى:
"ها أنت
كما كنت تعود
من الذاكرات اللامرئية
ومن العتبات النازلة في الفجر
ها أنت
آخر النداء
وآخر الصيحة
تنام في الأبد
ولا أبد يشبهك."

4
تجارب نصّية.
ونسمّيها تجارب تجاوزاً، إذ
هما نصّان نثريان طويلان، يلحقهما الشاعر بمجموعته، وكأنه
أراد في موضعتهما على هذا النحو، أن يخبرنا أنها تجربة خاصّة
لشاعر أغوته اللغة فذهب في دروبها المتشعبة بحثاً عن جديدها،
وتأكيداً للذت وللآخر على امتلاك ناصية البلاغة والكلام، وأن
هذا الضرب من الكلام الذي ظلّ جنساً حائراً، إنما هو تجربة
أخرى في الشعر، تجربة تقدّم نفسها من خلال النثر في "ضوء
جلال الشعر ومهابته تخييلاً وتفاعلاً وتكثيفاً" على حدّ
تعبير محمد أمقار في بحثه في إشكالية تجنيس المقامة:
"كذلك السهر نلمّعه بفكرة، والنوم وما يتلف
منه في الأرق، واحتباس الخاطر وغصّة التيه. من نام منهم لم
يفق، وكانت نومته في أبد الغياهب وكمونها، ومن حرسه الأرق،
انفتحت طاقات الفجر عليه، وتورّد وتفرّد، وكان محكوماً
بالخلاص، مشمولاً بفيالق وشموس، وما انتثر من رذاذ وطراوة،
ودفق القلب وحنكته
توزّعنا كلّّ في جهة، ولم أعلم سوى عن حالي
وما حملته من زاد وبصيرة، والركون لهدأة الخاطر ورفقة
الصبر.."
وهذه التجربة، وإن اختلفت عن نصوص المجموعة من حيث بنيتها أو
عباراتها المسجوعة أحياناً، أو في نهلها من معين التراث،
إلاّ أنه يمكن توصيفها بالتأملات التي تسافر في شعرية السرد،
وفي البلاغة أيضاً كما في نصّه الأول "أحرس الخراب"، فهو نصّ
طويل ينهض على ثلاث ضمائر ساردة: الخطاب والغائب والمتكلّم،
ولكنها ربّما جميعاً تعبّر عن ضمير واحد في النهاية: ضمير
الشاعر المتكلّم السابح في أفق صوفيّ يمكننا تصنيفه من حيث
البناء والدلالة في حقل "إشارات" التوحيدي، الأستاذ الذي سار
على نهجه قدماء ومعاصرون.
"هائم في الندى ولو كان قربي ماء لاسترحت،
وأرخيت ناظري في الغدران، وتهاديت والزنابق، ومعي السراخس
السابحات في المدى، ثمّ مضيت إلى بارقة النبع، ورنّة الضحكات
الطالعات من العذارى، وهنّ يجلبن المياه إلى مخدعك الأثير،
رفيقات الغزلان هنّ، في مشيهنّ الحافي على الهواء، وفي
اشتباك أثوابهنّ بالصبار.
وبالتحام النوايا بالنوايا.. أراني وقد هويت
إلى حلمك، وأخذتني سكرة النوم إلى فراديس تفضي إلى فراديس،
وإلى ذهب يتخلّق من طير وحوريات وغلمان، ولا أحسّني إلاّ في
الخفة كلّها، ولا أراني إلاّ على المكشوف من الرؤى، والمجلوّ
من البصيرة.."
*تركت نظرتي في البئر، إصدار خاص، الشارقة، أواخر 2003.
*إبراهيم الملا شاعر من الإمارات ومهتمّ
بالسينما. له من الشعر "صحراء في السلال"، منشورات الجمل،
كولونيا، ألمانيا. 1997
|