رحلة الفراشات

 الحداثة، الديموقراطية، المجتمع المدني

عزت عمر

ربّما تعبّر عن بعض أفكاري، تجاه حداثة زماننا هذا، قصّة كنت كتبتها في السويعات الأخيرة من يوم الجمعة 31/12/1999. تحت ضغط الصحافة والإذاعات والتلفزة التي كانت مشغولة إلى أقصى حدّ بما يسمّى "علّة القرن" بانقلاب الأرقام 999 إلى 000، حيث كان جميع أبناء العالم المتحضّر يخافون انفلات زمام الأمور على صعيد الطيران والأسلحة الذرية والكمبيوترات الضخمة التي تسيّر حركة الاقتصاد العالمي، وذلك في تمام الساعة الثانية عشرة، أي لحظة انقلاب الأرقام إلى أصفار، وعلى الرغم من أن هذه العاصفة مرت بسلام في تلك السويعات الحاسمة من مصير العالم، إلاّ أنه بدا واضحاً للجميع، كم أننا بتنا معنيين بالشأن العالمي، ومنغمسين في حياته وتقنياته إلى درجة أننا لم نعد نستغني عنها، وقد عبّر بطل القصّة عن ذلك  بقوله: "أدرك الآن أنني أصبحت إنساناً عالمياً وجديداً..." وشأن بطلنا هذا فإنني أرى شباب اليوم يسعى بكلّ رغبة وعزم للدخول في ثقافة العصر الجديد؛ أي أن يصبحوا مواطنين عالميين، سواء بالاتجاه إلى بلدان الغرب، وأمريكا على وجه الخصوص، أو الاتّجاه لتعلّم الإنجليزية بكلّ حماس، بعدما أدركوا أن أمنهم المعيشي يتوقّف عليها. فكان من نتائج هذا أنهم باتوا غير معنيين بالشأن السياسي أو بالثقافة المحلّية، فالأضواء الغربية مازالت مشعّة وقوية، وأسراب الفراش تتهيأ للطيران من جديد نحوها، ولكنها في الوقت نفسه تجهل المصائر الكامنة خلف هذه الأضواء التي غيّبت سماءنا الجميلة ونجومنا وأقمارنا بدعاو شتّى.

ولطالما تساءلت، إن كنا نحن أبناء الجيل المخضرم، قد حققنا ما كنا نصبو إليه من أحلام حول حرية الإنسان، أو حول المشاريع الثقافية والفكرية والسياسية الداعية إلى تحرير العالم بتخليصه من نفسه الظالمة، وإزالة العقبات أمام درب الحرية، فاندفعنا بدورنا كالفراشات أسراباً نحو الأضواء البرّاقة التي كانت تجذبنا، أفكار جذابة من هنا، وأخرى من هناك، فعملت الأحزاب على قراءة العالم من خلال الصراع الناشب بين المنظومتين المتناقضتين: المنظومة الاشتراكية، وشعاراتها البراقة، والمنظومة الرأسمالية المعروفة التوجّهات، ومن ثمّ تعميم هذه القراءة في الوسط الثقافي والاجتماعي، وكان من نتائجها أن انقسمنا إلى مايسمّى بـ "تقدميين" و "رجعيين"، وكنا على الدوام نشعر أنه لا يجوز لنا أن نشعر بالهناءة وراحة البال ما لم تتقدم راية الاشتراكية وتحرر البلاد المقهورة بالاستعمار، الأمر الذي دفعنا للتغاضي عن جملة المشكلات الذي باتت تنمو في حياتنا الاجتماعية والثقافية والسياسية بالطبع، وكان أخطر هذه المشكلات على الإطلاق، هي هذه القراءة المغلوطة التي عمّمها المثقفون المنضوون تحت شعار تحرير العالم، أي التغاضي عن المشكلات الخاصة لصالح القضايا الكبرى، ولم تكن أيّ من قضايانا أو مشكلاتنا مدرجة في جدول الأعمال النضالي هذا، فلم يفكّر أحد في مشكلة أنظمة الاستبداد التي أخذت تنمو كالفطر في منطقتنا، ولا في حقوق الإنسان والعدالة، ولا حتى في النهب الدائم والمستمر للثروات الوطنية والقومية، فكان لا بدّ لنا مع حال كهذه من أن نقف حائرين أمام ما استجد من متغيرات على العالم بعد سقوط الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية برمّتها.

إن سقوط المنظومة الاشتراكية، لم تتوقّف آثاره بالطبع عند "التقدميين" والمنضوين تحت راية الماركسية والاشتراكية العلمية فقط، وإنما امتدّت آثاره نحو الطرف الآخر أيضاً الذي وقف بدوره حائراً متسائلاً في ما سيفعله الآن بعد غياب الأعداء، حيث إن حضارة اليوم ما بنت اقتصادها وجيوشها وعلمها ومعرفتها، إلاّ على فرضية وجود الأعداء، فراحوا ينقّبون في جدار الإنسانية الطويل بالعدسات المكبرة، لكي يجدوا نقطة الضعف التي ستمكّنهم من العودة إلى فرضية مواجهة هؤلاء الأعداء، وما تقتضيه هذه الفرضية من المواظبة على نشر ثقافة القوّة واستعراضها على الدوام، تماماً كما كان يفعل الأباطرة.

تقدميو العالم اليوم، ومنهم بلا شكّ بعضُ مثقفينا، تخلوا عن شعاراتهم السابقة، وكفّروا عن أخطائهم تلك بالتخلّي أيضاً عن النظارات "المسفيتة" التي كانت تجعلهم يقرأون الواقع من خلال وجهة واحدة ووحيدة، وذلك بالعودة لقراءة مستقبل العالم قراءة حرّة وخالصة من أية ضغوط، وسرعان ما برزت أمام أعينهم جبال المشكلات التي خلّفتها عملية الصراع بين المعسكرين: كالاستعمار، ونزعة التمركز، واللامساواة، واضطهاد المرأة، وتدمير البيئة، وحقوق الإنسان وغيرها.

واليوم إذ يتقدّم قطار العولمة مدوّياً ومجلجلاً ببخاره وزعيقه فإن أبناء الجنوب الذين اكتووا بنيران الحداثة مرات عدّة، لم يعد بإمكانهم التغاضي عن السلطات الهبّاشة المستبدة، انتظاراً لقطار التقدّم الذي بانت أبخرته من البعيد، بل إنهم ربّما أدركوا أنّ ما تبشّر به الثقافة الجديدة، ما هو إلاّ إيديولوجيا جديدة، خاضعة، ومضللة للثقافة الإنسانية برمّتها. وليس الأمر مقصوراً على أبناء الجنوب فقط، لأنه إذا كان منطق الصراع القديم قد اقتضى أن يتوزع العالم في منظومتين فكرتين، فإنه لا بدّ الآن من التصدّي لهذه الإيديولوجيا الذاهبة للسيطرة على العالم: اقتصاداً وثقافة. بحجج جديدة. فدعا فريق من هؤلاء المثقفين لتشكيل جبهة عالمية جديدة، جبهة إيديولوجية أيضاً، ستفترض العولمة بمثابة عدوّ، وتؤسّس لمنطق صراعي جديد، لن تكون الجيوش عماده هذه المرة، ولن تكون الأممية البروليتارية مطلبه، وإنما أممية من نوع جديد  تؤسّس لها حركة المجتمع المدني داخل البلدان العربية، وفي أوربا وأمريكا، وبالتالي فإنه إذا كانت العولمة قد تمكّنت من السيطرة على مقدّرات الشعوب، إلاّ أنها في الوقت نفسه أنتجت نقيضها. تماماً كما فعلت البورجوازية عندما أنتجت نقيضها العمالي.

والمتابع اليوم لأنشطة حركات المجتمع المدني، ولأنصار البيئة، وجمعيات حقوق الإنسان، سوف يدرك أن الفكر الإنساني العام قد تطوّر خلال هذه السنوات العشرين تطوّراً نوعياً خطيراً لصالح الإنسان والأرض، وعلى مدار السنوات السابقة بدأنا نلتمس فعلاً النتائج الإيجابية لأنشطة هذه الحركات في أوربا وفي خارجها سواء في مواجهة التجارب النووية، أو في الضغط على الحكومات من أجل إيقاف تدمير الكوكب، بل وعلى فضح التواطؤ الخطير بين المؤسسات الصناعية العملاقة، وبعض أنظمة العالم الثالث في التخلّص من المواد السامة والمشعّة، وفي المقابل أيضاً التغاضي عن جملة الممارسات الاستبدادية التي تمارسها هذه السلطات ضد أبناء مجتمعاتها.

ومما لا شكّ فيه أن أنواع الخطاب الذي تصدّره هذه الجماعات قد تكون مختلفة ومتباينة، بل ربّما إن بعضها لا يخلو من راديكالية واضحة، إلاّ أنها تشترك جميعاً في اعتبار نظام العولمة الذي تقوده أمريكا، هو المتسبب في جملة المآسي التي أصابت الأرض والإنسان، وإن هذه الإمبريالية الجديدة ستمضي قدماً في تنفيذ برامجها دون أن تأخذ بعين الاعتبار احتجاجات الشعوب وحركات المجتمع المدني، ومما يزيد في مآسي هذه الشعوب أن أنظمتها الوطنية تقمعها وتسعى إلى وقف أنشطتها على الرغم من أنها لا تشكّل خطراً على مسألة بقائها في الحكم، وربّما يعود السبب في ذلك جملة التجاوزات التي قامت بها على صعيد نهب الثروات، وقمع المعارضة، وانتهاك حقوق الإنسان التي كفلتها له الدساتير.

 

أين طريق الحرية؟

 لعل اكثر الأسئلة الملحة حول النظام العالمي الجديد، يتركز اليوم حول مصير الكوكب، ودور وسائل الاتصال الحديثة في ربط مصائر أبناء البشرية مع بعضها البعض، كما لو أننا في قارب يخضع لقيادة ربّان واحد، حيث تقلّصت المسافات فوق الأرض إلى درجة أننا لم نعد نشعر بتباين الأزمنة الاجتماعية والحضارية فيها، فالكلّ يؤثّر في الكلّ، والفرد يؤثّر في الكلّ، إلى درجة أن عملاً إرهابياً واحداً، كضرب برجيّ التجارة في نيويورك، سوف يغيّر مصائر بشرية كثيرة، بل وخرائط كثيرة أيضا، تبعاً لثقافة البحث عن أعداء. ولكنّ ذلك بدوره لن يدفعنا للاعتقاد بأن قطار العولمة ماض في وجهة واحدة ووحيدة، وإنما هو في الحقيقة يخضع لجملة من المتناقضات التي ستدفع بالربابنة الجدد إلى اتّباع سياسات متناقضة، فهم من جهة سيدعون إلى محاربة الإرهاب، ومن جهة ثانية سيدعمون هذا الإرهاب إذا حقق لهم بعض مصالحهم، ومثال إسرائيل سيحضر هنا بقوّة على الدوام. وإن كان هذا التناقض أساسي في منطقتنا، إلاّ أنه ليس الوحيد في العالم، حيث إن ثقافة ومنطق القوّة لحلّ مشكلات العالم، ما هما إلاّ ركن أساسي من ثقافة الأمس القائمة على تقديم الأضاحي لأجل ترتيب البيت، فمتى يا ترى ستتمكّن البشرية من الخلاص من هذه الطقسية التي اخترعها الإنسان عندما كان عاجزاً أمام قوى الطبيعة، فحاول أن يرشوها خلاصاً من أذاها؟!

وهل ثمة مبرر أن تستمر حاضرة فينا حتى في أيامنا هذه، التي تمكّنا فيها من تقييد قوى الطبيعة، وكسر الحواجز والأزمنة والمسافات، بواسطة العلم وثورة المعلومات؟! إنه في الحقيقة لأمر لا يدعو للدهشة فحسب، وإنما للرثاء أيضاً، إذ لا يعقل بعد كلّ هذا التطوّر التقني والإنساني، أن تظلّ الثقافة القديمة متوارية في أعماق خلايانا كتنّين نائم منذ آلاف السنين، وعندما يستيقظ لسبب أو لآخر، فإنه سوف يعاود سيرته الأولى في إقامة الحرائق في ديار من أيقظوه من نومته الهانئة؟ وبهذا فإن المثل القائل "كأنك يا بو زيد ما غزيت" ينطبق تماماً على هذه المرحلة الحرجة من ثقافة العالم المهددة بعودة ثقافة قديمة ومهترئة، لا تستطيع أن تعبّر عن نفسها إلاّ بما عبّر به التنين الغاضب، ومثال العراق الآن، نموذج لهذه الثقافة المتناقضة والمأزومة!

وإذا كان هذا هو أمر العالم، فهل ثمة براعم خضراء لنظام جديد قادر على تجاوز المشكلات الراهنة، ويتخطّى في الوقت نفسه ثقافة القوّة التي مازالت الثقافة الجديدة تعيد إنتاجها بسبل شتّى.؟ ثمّ هل بإمكان البشرية اليوم أن تستبدل قيم الماضي هذه بقيم جماعية جديدة؟

وهل بإمكاننا أخيراً، نحن أبناء الثقافات الأخرى، أن نساهم بفكّ الاشتباك الحاصل في ضمير العالم؟

 شخصياً متفائل جداً بإمكانية حدوث ذلك، والمظاهرات الحاشدة التي شهدناها في أوربا بالأمس، دليل أكيد على أن العالم قرف من لغة الغطرسة والقوة، ودليل أكيد على الوعي بأهمية اجتياز حدود الدولة الوطنية والأمة، نحو أممية إنسانية تتجاوز أخطاء الماضي من خلال ما ستتوصل إليه من لغة جديدة، يمكننا تسميتها بلغة المشترك الإنساني، وذلك لأن مصير الكوكب وناسه بات يهمنا جميعاً وإلى أقصى حد.