|
عزت عمر
كانَ هُنالِكَ
طفلٌ صَغيرٌ اسمُهُ جابر.. وكانَ تِلميذاً في الصَّـفِّ
الرَّابِع..
كلّما شَرِبِ
عَصيراً أو مَـاءً، أَلْـقَى بالعُلبَـةِ الفَـارِغَـةِ إِلى
الأَرضِ،
وَرَاحَ
يتَقاذفُها برجلِهِ وكأَنها كُرةُ قَـدَم، ثـُمَّ ما
يَـلبَثُ أنْ يُهمِلها بَعدَ قَليل..
أَيْـنَما كانَ
جَـابرٌ، فإنَّ العُـلبَ الفَـارِغَةَ تَتَناثَـرُ من
حَولِهِ..
حَديقةُ المَنزِلِ
اشتَكَتْ مِنهُ مِراراً..
رَصيفُ الشَّارعِ،
والنَّخلَـةُ
الجَميلَةُ ذَاتُ السَّعفِ،
بالإِضافَةِ إلى
زُمَلاءِ المَدرَسَةِ..
جابرٌ وَحدَه، ومن
بَينِ سائرِ التلاميذ، كانَ يستخدمُ من ثلاثِ إلى ستِّ عُلبٍ
من العصائرِ والمشروباتِ المختلفةِ المحتوى، فهذه مياهٌ
غازية، وتلكَ عصيرُ برتقال، أمَّا الثالثةُ، فهيَ علبةٌ
للمثلجاتِ، والرابعةُ والخامسةُ والسادسةُ.. وهكذا فإنَّهُ
كان يرميها جميعاً، حيثُما كانَ يسير..
وكلَّما زارَتْ
الحمامةُ البيضاءُ جارتَهَا النَّخلة..
وكلَّما دارَ
حديثٌ بينَهُما،
تَشتَكِي
النَّخلةُ لِصديقتِها أفعالَ جابر..
ذاتَ يومٍ،
تألَّمتْ الحمامةُ البيضاءُ من تصرُّفاتِ جابر.. فَكَّرَتْ،
وفَكَّرَتْ، ثمَّ في النهايةِ قَرَّرَتْ أنْ توبِّخَهُ
وتستنكرَ أفعالَهُ، فانتَظَرَتْ عَودَتَهُ منَ المدرسةِ
طويلاً، حتى جاءَتْ الحافِلَةُ بهِ.. وكانَ كَعادَتِهِ
يَضَعُ حَقيبَتَهُ فوقَ ظهرِهِ، وفي إحدى يديهِ عُلبةٌ
فُتِحَتْ قبلَ قليل.. لَوَّحَ بيدِهِ الأُخرَى لِبَعضِ
زُمَلائِهِ في الحافِلَة.. شَرِبَ ما تَبقَّى منَ العُلبَةِ،
ثمَّ اتَّجَهَ إلى حوضِ النَّخْلَة، ورمى العُبوَةَ
الفارِغَةَ، على الرُّغْمِ من وُجُودِ حاويةِ القُمامَةِ
قُربَهُ..
فقالتْ الحَمامةُ
بِغَضَبٍ ظَاهِر:
"لِمَ تفعَلْ ذلكَ يا جابر؟! ألا
يُعلَّمُكَ مُدَرِّسُّكَ أنَّ رَمْيَ الفَضَلاتِ في الشارِعِ
عادةٌ كَريهة" ؟!
وكمَن فوجِئَ
بسماعِ الصوتِ نظرَ جابرٌ إِلى الأَعلى، وكانَتْ الحَمامَةُ
البَيضاءُ تَقِفُ فَوقَ سُورِ المَنزِل، وَقُرْبَ
البوَّابَةِ تماماً.. فابتسمَ لمرآها ساخراً، ثمّ التَقَطَ
حَجَراً منَ الأَرضِ ورماهُ نحوها. حاولَتْ الحمامةُ تفاديَ
الضَّربَةِ، ولكِنَّها مَعَ الأَسَف، وأَثناءَ طيرانِها
أُصابها الحجرُ في جناحِها الأَيمَن..
فَضَحِكَ جابرٌ
كثيراً، ثمَّ ما لَبِثَ أنْ قالَ لَها:
"إياكِ أنْ تَعُودي إِلى هنا أَيَّـتُها
الحَمامَةُ الحَمْقاء."
وطارَتْ الحَمامَةُ وهيَ تَتَرَنَّحُ في
الفَضَاء، وفي كُلِّ حينٍ كانَتْ تَكادُ تَسقُطُ على
الأَرضِ، ولكِنَّها أَخيراً بَـلَغَتْ صَديقَتَها النَّخلَة،
وَراحَتْ تَروِي لَـهَا ما جَرَى..
كَيفَ عَالَجَتْ النَّخْلَةُ
صَدِيقَتَها الحَمَامَة
ك َان
الجُرْحُ سَطحياً، ولكنَّ بِضعَ قَطَراتٍ مِنَ الدَّمِ
صَبَغَتْ جَناحَ الحَمامَةِ الأَبْيَض، فَراحَتْ النَّخْلَةُ
الكبيرةُ تَمْسَحُها بِكُلِّ رِفْقٍ بأوراقِ سعفِها، وبين
لحظة وأُخرى تَهزُّ رأسَها آسفةً لما جرى، بينما كانت
الحمامةُ تتأوّهُ من الألم، فقالت لها النخلةُ:
"الحَمدُ لِلَّهَ أَنَّ الحَجَرَ لَمْ
يَكْسِرْ العَظْمَ.. وستعودين للطيران بعد يومٍ أو يومين."
فَقَالَتْ الحَمامَةُ بِصَوت واهنٍ:
"هَذا نَصِيبي.. ولَكِنْ أَمَا تَرِينَ
أَنَّ سُلُوكَ جَابِرٍ هَذا باتَ مُحَيِّراً؟ تُرَى لِمَ
يَفْعَلُ ذَلِك، وهَلْ يُمْـكِنُنا مُعالَجَةَ أَمْـرِهِ"؟!
فَأَجابَتْها النَّخْلَةُ بَيْنَما
كانَتْ تَعْصِرُ بِضْـعَةَ قَطَرَاتٍ مِنْ ماءِ سَعْفِها
فَوْقَ الجُرْح:
"عِنْدَما يَلْتَـئِمُ جُرْحُكِ
أَيَّـتُها الصَّدِيقَةُ، وَيُصْبِحُ بِإِمْكَانِكِ
الطَّيَران، سَأُرْسِلُكِ فِي مُهِمَّةٍ عَاجِلَةٍ إِلى
الرَّجُلِ الأَخَضَر.. اِهْدَئِي الآنَ وَاسْتَرِيحِي تَحْتَ
ظِلالِ سَعْفي، وسَنَرَى ما سَنَفْعَـلُهُ لاحِقاً..
وهَكَذا نامَتْ
الحَمامَةُ بَيْنَ سَعْفِ النَّخْلَةِ يَوْماً كَامِلاً،
مُتحَمِّلَةً آلاماً كَثِيرَة، كانَ مِنها:
أَلَمُ الجُرْحِ
الَّذي لَمْ يَلْتَـئِمْ بَعْد..
وَأَلَمُ
الجُّوعِ، فِهِي مُنْذُ البَارِحَةِ لَمْ تَذُقْ شَيئاً مِنَ
الطَّعَام..
وَلَكِنَّ
أَكْثَرَ هَذِه الآلامِ قَسْوَةً، أَنَّها لَمْ تَتَمَكَّنَ
مِنْ رُؤْيَةِ صِغارِها، وَبَدَأَ الشَّوْقُ لِرُؤْيَتِهم،
وَهُمْ يُزَقْزِقُونَ فِي العُشِّ يَعْصِفُ بِها، لَكِنَّها
تَحَمَّلَتْ كُلَّ ذَلِكَ عَلى أَمَلِ أَنْ يَلْتَـئِمَ
الجُّرْحُ سَريعاً، فَتَعُودُ إِلَيْهم، وَلَكِنَّ
النَّخْلَةَ في هَذِهِ اللَحْظَةِ هَمَسَتْ لَها:
"اِسْتَرْخِ ولا تَقْلَقي بِشَأْنِ
أَبْنائكِ أَيَّتُها الصَّدِيقَةُ، وَلا بُدَّ أَنَّ
أَباهُمْ يَرْعَاهُم الآن..
فَقَالَتْ الحَمامَةُ بِأَسَف:
"لَقَدْ اِرتَكَبْتُ حَماقَـةً عِنْدَما
تَصَدَّيـْتُ لِهَذا الفَتَى الشِّرِّير"!
ـ لَسْتِ حَمْقاءَ، وَإِنَّما أّدَّيـْتِ
وَاجِبَكِ نَحْوَهُ..
فَأَجَابَتْ الحَمامَةُ بِإِصْرَار:
"كُنْتُ حَمْقاءَ.. حَمْقاء..
حَمْقاء.."!!
وراحَتْ تَبْـكي
بِحُرْقَـة، بَيْنَما اضْطَرَبَتْ النَّخْلَةُ لانْهِيارِ
صَدِيقَتِها المُفاجِئ. ولَكِنْ مَاذا بِإِمْكَانِ النّخلةِ
أَنْ تَفْعَلَ أَكْثَرَ مِمَّا فَعَلَتْهُ؟
إنّها لا
تَسْتَطِيعُ المَشْيَ أَو الطَّيَران!
ولكنَّها في
الوقتِ نفسِهِ أمٌّ كبيرة.
وفي نَسْغِِها
وجُذورِها أنهارٌ صاخبةٌ من الحنان.
إنها تمتلكُ
القدرةَ الدائمةَ على محبّةِ البشرِ والكائنات الأخرى.
إنها نبعٌ فائضٌ
على الدوام.
وبذلك فإنّها
تمكّنت من تهدئةِ صديقتها، التي ما لبثت أن نامت في ظلالِ
سعفها، بينما راحَتْ النَّخلةُ تفكّرُ في خُطَّةٍ مُحْكَمَةٍ
للانْتِقامِ مِنْ جابِرٍ الطَّائِش..
الرَّجُلُ الأَخضَرُ القادمُ من حُقولِ
الزَّهر
ب ينَ
حقولِ الزَّهرِ البريَّةِ نَمَا، ومِنْ عَبيرِها رَضِع..
كأنَّهُ نِسمَةٌ
ربيعيةٌ اختزنَتْ رَوَائحَ الطَبيعَة،
ثمَّ راحَتْ
تَنتَقِلُ بينَ أَرْجاءِ البَسيطَةِ..
كانَ أَيْنَما
اتَّجَهَ تَلحَقُ بِهِ أَسْرابٌ من الفَراشاتِ والنَّحلِ.
ولو شاءَ أَنْ
يُداعِبَ غَيمةً لمَدَّ يَدَهُ عالياً، فَتستجيبُ الغَيمةُ
لرغبَتِـهِ طَوْعاً. ولو شاءَ أَنْ يَدخُلَ باطنَ الأَرضِ
مِنَ الثُّـقوبِ التي تُحدِثُها النَّملُ والحَشَرَاتُ
الأُخرى لَفَعَلَ أَيضاً.
الكلَّ كانَ يُسَرُّ
برؤيَـتِهِ، وخاصَّةً صديقَتُـنا النَّخلَة، التي كانَ
يَزورُها بينَ حِينٍ وآخر، ويَقُصُّ عليها بعضاً من
حِكاياتِه..
كانَ اسمُهُ نجمَ
الدين، وكلُّ أَصْدقائِهِ مِنَ النَباتِ لا يَعرِفونَ له
اسماً سواه، أمَّا كَيْفَ حَدَثَ وسَمُّوهُ نَجمَ الدِّينِ
فَإليكُمُ الحِكايَة:
"ذاتَ يومٍ وبينما
كانت نَجمةُ الصَّباحِ تستعدُ لإِطفاءِ نعاسَها بشيءٍ من
ضَبابِ البحرِ، اشتمَّتْ رائحةً أخَّاذةً تفوحُ من بين ثنايا
الضبابةِ، فما لبثَتْ أن تشبثَتْ بالضبابةِ، ولم تعدْ
تُفلِتَها لتذهبَ في سبيلِها.
ولكنَّ الضبابةَ
التي تحبُّ الحريةَ والتجوَّلَ في الفضاء، تضايقَتْ من
النَّجمةِ، فحاوَلتْ جاهدةً التخلّصَ منها، ولكنَّها
النّجمةُ المعروفةُ بقوّتها، أَبَتْ أن تُفلِتها حتى
تُخبرَها بسرِّ عَبيرِها، وعندما رأَتْ الضبابةُ أنَّ لا
منجاةَ لها إلاَّ إذا أخبرَتْها بقصّةِ عبيرِها.. قالَتْ
لها:
"إنْ أَخبرتُكِ بقصّةِ عُطوري أيَّتُها
النِجمةُ المُشرِقَةُ، هل تعدينَني بأنْ تطلقي سَراحي"؟
فكّرَتْ نَجمَةُ الصَّباحِ قَليلاً، ثمّ
قالَتْ:
"أعِدُكِ أيَّتُها الضَّبابَةُ، شريطةَ أنْ
تكوني صادقةً معي"؟
وهكذا فإنَّ الضبابةَ أخبرَتْها بقصّةِ
الرَّجلِ الأخضرِ الممتلئِ بعبيرِ الزَّهر، فقالت النجمةُ
وقد شوّقتها الضبابةُ للتعرُّفِ إليه:
"وأين أجِدُ هذا الرجلَ أيَّتُها الضبابةُ
الفوّاحةُ بالعِطر.. هاأنت ترينَني أسهرُ كلَّ يومٍ حتّى
الصباح، ولم أصادفْهُ"؟
فضحكَتْ الضبابةُ من حديثِ النَّجمةِ ثمّ
أومأت بيدها:
"أنت تذهبينَ من هنا، وهو يستيقظُ من هنا..
أنتما مع الأسف تتعاكسان في رحلتيكما.. أما ترينَ كيف
نتأخَّرُ أنا وأخواتي في الصباحِ قليلاً"؟
ـ نعم.. ولطالما استغربْتُ تاخُّرَكُنّ..
فقالت الضبابةُ بفرح:
"إنما نفعلُ ذلكَ لأننا نريدُ أن نتضوَّعَ
بعطرِهِ، فتلازمُنا الأحلامُ السعيدةُ طوالَ نهارِنا.. على
كلِّ حال لا تبتئسي أيَّتُها النَجمةُ المُشرقَة، سأدلُكِ
عليه، ولكن شريطةَ أن تتأخَّري قليلاً.."
ـ موافقة.. موافقة.
قالت ذلك نجمةُ الصَّباحِ بفرحٍ طفوليٍّ،
ثمّ سارَتْ الاثنتان نحو السُّهولِ البريّة.. هناك حيثُ كان
الرجلُ الأخضرُ يمشي، فتلحقُ به الفَراشاتُ وأسرابُ النَّحل،
فنادَتْهُ الضَّبابةُ:
"أيُّها الرَّجلُ الأخضرُ الممتلئُ بعبيرِ
الزَّهرِ، هلاّ مدّدْتَ يدَكَ إلى صديقتي النِّجمة"؟
فرفَعَ صديقُنا
رأسَهُ إلى الأعلى، ثمَّ ابتسمَ بوجهِ النَّجمةِ
المُشرِقَةِ، كانَ لأوّلِ مرةٍ يراها، ومنذُ ذلكَ اليومِ
باتا صديقين:
هو يستيقظُ مبكّراً
لكي يراها، ويستأنسَ بأَلَقِها الفضيِّ.
وهي تتأخَّرُ
قليلاً، كي تستمدَّ منه عبيراً يُلوِّنُ أَحلامَ نهارِها.
وهكذا باتَتْ
قصَّتُهما على كلِّ شفةٍ ولِسان، وراحَ الكلُّ يستيقظُ
باكراً، كي يستمعُوا بصمتٍ إلى حديثِهِ مع النِّجمةِ.
وذاتَ يومٍ اقترحتْ
زهرةُ الأُقحوانِ على صديقاتِها قائلةً:
"مارأيُكُنَّ أنْ نسمِّيَ الرجلَ الأخضرَ
نجمَ الدِّين"؟
فُوجِئَتْ زهراتُ الأُقحوانِ بهذا
الاقتراح، ولكنَّ الاسمَ الجديدَ أعجبَهُنَّ، فوافقن قائلات:
"نعم.. إنَّهُ اسمٌ جميل.. وسندعوهُ منذُ
اليوم نجمَ الدين."
وهكذا أصبحَ للرَّجُلِ الأخضرِ اسماً
كسائرِ الكائناتِ والبشرِ منذ ذلك اليوم..
نجمُ الدِّينِ والحمامَةُ الجَّريحَةُ
ا لعصفورُ
الدوريّ بعدَ تعيينِهِ مُحرِراً في صَحيفةِ الصَّباح، اعتادَ
متابعةَ شؤونِ المُجتمع، وتَتَـبُّعَ الأخبارِ الجَديدة،
وإلى ذلكَ فإنَّهُ عندما أخبرتْهُ النخلةُ عما جرى للحمامةِ،
فإنه آثرَ أنْ ينقلَ رسالةَ النَّخلةِ إلى الرجلِ الأخضرِ
بنفسِه، وقبلَ أنْ ينشرَ النبأَ في الصحيفةِ، فطار باحثاً
عنه بينَ البساتينِ والرِّياض، حتّى وجدَهُ أخيراً يزورُ
حديقةَ المدينة، التي لم تكن تبعدُ عن موطنِ النخلةِ كثيراً.
فزقزقَ قائلاً:
"صباحُ الخيرِ أيُّها الرجلُ الأخضرُ
المفعمُ بالطيب"
فأجابَهُ نجمُ الدينِ بابتسامةٍ مشرقةٍ
كشموسِ الربيع:
"صباحُ الخيرِ أيُّها الدوريّ.. ماذا تحملُ
في جعبتِكَ من أخبارٍ عاجِلة؟
فهزَّ الدوريّ رأسَهُ أسفاً، ثمّ قال:
"لقد جُرحَتْ الحمامةُ البيضاءُ في
جناحِها، وقد أبلغَتني صديقتُنا النَّخلةُ بلزومِ زيارتِكَ
لها سريعاً كي تساعدَها في معالجةِ الحمامة..
هزَّ نجمُ الدّين رأسَه ثم قال:
ـ سأكونُ عندها بعد قليل أيُّها الصحفيّ
الخبير، أمّا الآن فهاتْ ما لديك من أخبارٍ أخرى..
فهزَّ الدوريُّ رأسَهُ ثمَّ انطلقَ يخبرُ
نجمَ الدّينِ بعناوينِ الأخبار:
~ غارَتْ مجموعةٌ من الغربانِ المقاتلةِ
على مملكةِ الحساسين يومَ أمس.
~ الحسّونُ الشاعرُ قصدَ المدينةَ صباحَ
هذا اليوم كي يقدّمَ شكوى الحساسين إلى هيئةِ
أبناءِ الغابة.
~ الخفّاشُ يُعيَّنُ مندوباً ليلياً دائماً
لهيئة أبناءِ الغابة.
~ خلافٌ بين وادي السناجبِ ومملكةِ الدببة
حول اقتسامِ مياهِ النهرِ الكبير.
"كفى أيها العصفور.. لقد ملأتَني بالحزنِ..
أما يوجدُ لديكَ أخبارٌ مُفرحة"؟
"نعم.. فلقد فازَ منتخبُنا الأوليمبيُ
ببطولةِ الغاباتِ في قذفِ الحطَب."
"ممتاز، وماذا بعد"؟
~ أقام الديكُ ذو العرفِ الأحمرِ
مأدبةَ غداءٍ فخمة، على شرفِ ضيفِهِ الطاووس.. وهذا كلُّ ما
في جعبتي اليوم.
"أشكرُكَ يا صديقي.. أما الآن فيمكِنُكَ إبلاغَ النَّخلةِ
بأنني في الطّريقِ إليها.
فرفرفَ الدوريُّ طائراً نحوَ النَّخلةِ كي
يبلِّغَها بقدومِ نجمِ الدين، فأشرقَتْ النَّخلةُ بالسرور،
وراحَتْ تطمئِنُ الحمامةَ:
"هاهو نجمُ الدينِ يأتي إلينا الآن،
تماسَكي يا صديقتي، ولا تَدعي الألمَ والقلقَ ينتصران عليك."
وارتفعَ صوتُ
الحمامةِ بعدَ قليل:
" هاهو
يأتي أيتُها النخلةُ.. هاهيَ رائحتُهُ تسبُقُهُ إلينا."
ومن بعيدٍ جاءَ صوتُ نجمِ الدين، وهو
يدندنُ بإحدى أغنياتِهِ المحببةِ، وعندما اقتربَ من النخلةِ،
قال:
"ها أنا قد جِئتُ لزيارتِكِ يا أمِّي
النَّخلة."
وكان نجمُ الدين يفضلُ مناداتها بهذهِ
العبارةِ المُحببة، وكانت النخلةُ تفرحُ كثيراً لذلك،
ويسعدُها أن تسمعَ هذهِ العبارةَ على الدوام منه، فما كان
منها في تلك اللحظاتِ العابقةِ بالأريجِ إلاّ أن تحتضنَه بين
سعفِها، وتذهبَ في تقبيلهِ على وجنتيه، وكان لقاءً مؤثّراً،
لولا أن الحمامةَ في تلك اللحظة تأوّهَتْ من الألم، فالتفتَ
إليها نجمُ الدين، قائلاً:
"ها أنا قد جئتُكِ يا حمامتي البيضاء..
تعالي إليّ تعالي."
ومدّ نجمُ الدين يدَهُ نحوَ الحمامةِ التي
اصطبغَ جناحُها بلونِ الدَّم، ثمّ ما لبثَ أن راحَ يعالجُها
بأدويةٍ من الأعشابِ والزَّهرِ اختارها بنفسِهِ من البراري
الواسعةِ، وبينما هو يفعلُ ذلك قالت له الحمامة:
"لولاك يا نجمُ الدين، لَما عرفْتُ ماذا
سأفعل، لقد بتُّ ليلتي هنا، وأطفالي هناك في العشِّ، ولا
أدري ماذا حلَّ بهم"؟
فضمَّها نجمُ الدين إلى صدرِهِ، وراحَ
يمسحُ ريشَها الجميلَ بكلِّ نعومةٍ وحنان:
"اطمئنّي سآخُذُكِ إلى بيتكِ، ولكنّكِ لم
تخبريني عن سببِ إصابَتِكِ هذه.. أهي بفعلِ صيادٍ عابثٍ، أم
ولدٍ شقيّ؟
ـ إنَّهُ جارُنا جابر..
قالت النخلةُ ذلك ثمّ أردفَتْ بحزنٍ:
"ذلكَ الطفلُ الذي شاهدتُهُ مِراراً وهو
يلعبُ تحتَ ظِلالِ سَعفي."
فقال الرجلُ الأخضرُ مندهشاً:
"جابر"؟!
ـ نعم جابر..
ثمّ راحَتْ النخلةُ تحكي لنجمِ الدين قصّةَ
جابرٍ مع العلبِ الفارغةِ، وإهمالِهِ لواجباتِهِ ودروسِهِ،
فضربَ نجمُ الدينِ كفّاً بكفٍّ، ثمّ تمتمَ:
"لقد أحزنتي يا أمِّي.. جابرٌ يفعلُ ذلكَ
وقد أحببناهُ كلَّ ذلكَ الحُبِّ.. أما تذكرينَ كيفَ كنْتُ
أُداعِبُهُ وأَحْمِلُهُ إلى سَعفكِ كي يتناولَ شيئاً من
الرُّطب"؟
فقالَتْ النخلةُ بحزنٍ:
ـ لقد كبرَ الآن، وباتَ يسيءُ إليَّ على
الدوام..
فردّ نجمُ الدينِ وهو يهزُّ رأسهُ بغضبِ :
"الآن سآخذُ صديقتي الحمامةَ إلى عشِّها كي
تطمئنَّ على أبنائِها، وبعد ذلك سأعودُ إليكِ لنكملَ
حديثنا.. إلى اللقاءِ يا أمّي."
ـ إلى اللقاءِ يا نجمُ الدين..
وعندما أوصلَ الحمامةَ إلى عشِّها كان
الجميعُ قلقاً عليها هناك، ولكن عودتَها رسمَتْ البسمةَ على
الوجوهِ، فراحَ أبناؤها يرفرفون حولَها وينادونها ماما..
ماما، بينما انفردَ زوجُها بنجمِ الدين ليستعلمَ منه ما جرى
لها، فطمأنَهُ نجمُ الدين قائلاً:
"لقد عالجْتُها، وستشفى بإذنِ اللهِ خلالَ
يومين، إنَّها تحتَ رعايَتِكَ الآن، وأرجو أن تعتنيَ بها يا
صديقي."
ـ أشكركَ جزيلَ الشكر يا نجمُ الدين.. ألن
تعودَ لزيارتنا..
ـ سأعودُ بالطبع، ولكن إذا استجدَّ شيءٌ
يمكنُكَ أن ترسلَ لي رسالةً مع العُصفورِ الدوريّ..
ثمّ نثرَ نجمُ الدين الكثيرَ من الحبوبِ في
عشِّ الحمامة، لأنهُ يعلمُ أنَّ الزوجَ المسكينَ لم يذقْ
الطعامَ منذُ الأمس، لأنَّهُ ظلَّ ساهراً على فراخِهِ، وهكذا
انطلقَ عائداً إلى النخلةِ، كي يستكملَ قصَّتها معَ جابر..
أبو الروائحِ العفنة
ع ندما
خرجَ جابر متّجهاً نحوَ الحافلة، شعر أنَّ تياراً هوائياً
ساخناً يحملُ روائحَ كريهةً لفحَهُ، نظرَ حولَهُ ليعرفَ
مصدرَ هذه الرَّائحة، ولكنه لم يجد شيئاً، فزمَّ شفتيهِ ثمّ
صعدَ درجاتِ الحافلة، وفي تلك اللحظةِ ملأتْ الرَّائحةُ
الكريهةُ أنوفَ التلاميذِ جميعاً، فصاحَ أحدُهم:
"أف.. أف.. ما هذه الرائحة الكريهة في
حيّكم يا جابر"؟!
ولكنَّ جابراً لم يردّ، وإنما رمى
حقيبتَهُ على المقعدِ وجلسَ غيرَ مكترثٍ بما يجري، ولكنَّ
السائقَ بعد قليل صرخَ من مكانِهِ:
"ماهذه الروائح؟ من أين تأتي؟ افتحوا
النوافذَ جميعاً."
ولكنَّ الرائحةَ الكريهةَ ظلّت تستوطنُ
الحافلةَ حتّى وصلتْ إلى المدرسة، ومن الغريب أن جابراً
عندما دخلَ غرفةَ الصفِّ شعرَ أنَّ زملائَهُ بدأوا يتأففونَ
من الرائحةِ الكريهة، ثمّ سرعانَ ما عَلِموا أنَّها تصدرُ عن
جابر، فتحاشوه جميعاً، ولم يجلسوا قربَهُ، وهكذا فإنَّ
المدرّسةَ عندما دخلتْ غرفةَ الصفّ، فُوجِئَتْ بالرائحةِ
تملأُهُ، وكانت قد اعتادت من تلاميذها بعضَ الألاعيبِ
والمشاغبات، فظنّت أنَّهم سكبوا مادةً كيمائيةً كريهةَ
الرائحةِ داخلَ غرفةَ الصفّ، فصاحتْ بغضبٍ:
"الآنَ أريدُ أن أعرفَ، من الذي لوّثَ
هواءَ الصفِّ بهذه الرائحة.. هيا أخبروني، وإلاّ دعوتُ
المديرة."
فالتفتَ التلاميذُ جميعاً نحوَ جابر..
صحيحٌ أنَّهم لم يقولوا شيئاً، ولكنَّ نظراتِهم حكتْ الكثير،
فصاحت المدرِّسة:
"جابر"؟!
فنهضَ جابرٌ مذعوراً، ثمّ قال:
"لستُ أنا.. لقد دخلتُ للتوِّ غرفةَ
الصفّ."
فقالت المدرِّسةُ بغضب:
"تعالَ إلى هنا.. هيّا تقدّم.."!
واتَّجهَ جابرٌ إلى المُدرِّسة ترافِقُهُ
روائِحُهُ، فأمسكَ التلاميذُ أنوفَهُم، وراحوا يصرخون:
"إنه هو.. إنه هو."
ولم تكنْ المُدرِّسة تحتاجُ إلى دليلٍ
أكثرَ من هذه الروائحِ المنبعثةِ منه، فأرسلَتْهُ إلى
المديرةِ قائلةً:
"انتظرني هناك ريثما أنتهي من الدرس."
ومنذُ أنْ غادرَ
جابرٌ غرفةَ الصفِّ تلاشَتْ الروائحُ الكريهةُ رويداً
رويداً، وفي تلكَ اللحظةِ كان الرجلُ الأخضرُ يراقِبُ ما
يجري دونَ أن يراهُ أحدٌ، فأرسلَ نفحةً من عطورِهِ إلى غرفةِ
الصفّ، فهدأتْ المُدرِّسةُ، وهدأَ التلاميذُ، ثمّ ما لبثوا
أنْ عادوا إلى دروسِهم بيقظةٍ ونشاط، أما جابرٌ فقد وقفَ
أمامَ غرفةِ المديرةِ والحزنُ يعتصرُ قلبَهُ، إذ إنَّهُ
للمرةِ الأولى يتحاشاهُ زملاؤه، وهاهو الآنَ يُطرَدُ من
غرفةِ الصفّ، ترى ماذا سيحدثُ بعد ذلك؟
هكذا كان يتساءلُ،
عندما خرجَتْ المديرةُ من غرفتها، لتتفقدَ سيرَ الدّروس،
ولكنَّ روائحَ جابرٌ هاجمتها منذ لحظةِ خروجِها من الغرفةِ،
فقالت مندهشةً:
"جابر؟! ماذا تفعلُ هنا؟ ثمّ ما هذه
الرائحةُ الكريهةُ التي تصدرُ منك"؟
فقال جابرٌ باكياً:
"لا أعلمُ شيئاً.. لا أعلمُ شيئاً..
ثمّ انخرطَ في بكاءٍ حار، ولكنَّ
المديرةَ في تلك اللحظةِ أشفقَتْ لحالِهِ، فقالت له:
"حسناً، سأدعُكَ هنا لحظةً ريثما أستعلمُ
من مُدرِّستِكَ عن الأمر..
فرفعَ جابرٌ عينيه المُغرورقتين بالدمع،
ثمّ قال:
"إنهم يظنّونَ أنني سكبْتُ مادةً
كيمائيةً تسببُ الروائحَ الكريهةَ داخلَ غرفةَ الصفّ، ولكنني
لم أفعلْ.. أقسمُ لكِ أنني لم أفعل"!!
ـ
أصدِّقُكَ، ولكن ينبغي أن أستطلعَ المكان، ثمّ أكملُ حديثي
معك..
وعندما دخلَتْ المديرةُ غرفةَ الصفّ،
كانتْ الروائحُ العطرةُ تملأُه، وربّما لأوّلِ مرّةٍ تجدُ
التلاميذَ مُندفعينَ للعلمِ كلَّ الاندفاع، فاستغربت
المديرةُ من الأمرِ كثيراً، وفكّرت بينها وبين نفسها قائلةً:
"لو كان جابرٌ قد سكبَ المادةَ الكيمائيةَ في غرفةِ الصفِّ
لظلّت الرائحةُ الكريهةُ ساكنةً فيه، ولما تحمَّلها
التلاميذُ، وكذلك المدرِّسة.. لابدّ أن في الأمرِ سرّاً.."
وعادت المديرةُ إلى حيثُ كان جابرٌ يقف،
وما أن اقتربت منه حتّى صدمَتْها الروائحُ من جَديد، وعندها
قالت:
"الروائحُ المزعجةُ تصدرُ منك يا جابر..
ماذا فعلْتَ هذا الصباح"؟
ـ أبداً لم أفعلْ شيئاً، لقد استحمَمْتُ
وتعطّرتُ كعادتي دائماً، ولكنني منذ أًن خرجْتُ من المنزل
بدأتُ أشمُّ هذه الرائحةً الكريهةً، حتّى إنَّ التلاميذَ
تحاشوا الجلوسَ بجانبي، وكذلكَ زملائي في غرفةِ الصفِّ..
أريدُ أن أعودَ إلى المنزل.. أريد أن أعود..
وكان لابدَّ من
البكاء، فبكى بِحُرقةٍ وألم..
فهاهو للمرةِ
الأولى يواجهُ مشكلةً من الصَّعبِ عليه أن يفهمَها..
فماذا يفعل؟
اتّصلَتْ المديرةُ
بوالدةِ جابر وأخبرَتْها بما حدث.
ثمّ أخبرَتْها
بأنها سترسلُهُ لها كي تتأكّدَ من أقوالِها.
وهكذا فإنَّ
جابراً عندما خرجَ من المدرسةِ بروائِحِه،
كانَ الرجلُ
الأخضرُ يراقبُهُ من بعيد ويهزُّ رأسَهُ..
زائرُ الليل
على الرّغمٍ من المياهِ الكثيرةِ
والصَّابونِ المعطّرِ، ظلّتْ الرائحةُ تلازمُ جسدَ جابر،
فاحتارَتْ الأمُّ في كيفيةِ معالجةِ هذا الأمرِ الطارئ،
فاتّصلَتْ بابي جابر تخبرُهُ عمّا استجدَّ من أمرِ جابر،
فعادَ أبو جابر من عملِهِ، وقد هالَهُ النبأُ، وما أن اقتربَ
من ابنَهَ حتّى فُوجِئَ بالروائحِ الكريهةِ تصدرُ منه،
فتحاشاهُ مبتعداً، وكانَ من عادتِهِ أن يحتضنَهُ ويقبّلَهُ
كلّما عادَ من المدرسة، فتألّمَ جابرٌ لذلك كثيراً، وواظبَ
على البكاءِ بصمتٍ، ولكنّ أباه عندما لحظ حزنَ جابرٍ، عادَ
إليه مقترباً منه، ثمّ قال له:
"هيا بنا إلى المستشفى يا بنيّ.. فلابدّ أن
نجدَ دواءً لحالتك هناك."
وفي المستشفى انشغلَ الأطباءُ جميعاً
بقصّةِ جابر، ولكنَّهم بعد البحثِ والاستقصاءِ وإجراءِ
التحاليل، لم يجدوا سبباً مرضياً لهذِهِ الروائح، حتى أنَّ
الطبيبَ المختصَّ بأمراضِ الجلد، قال لأبي جابر مستغرباً:
"هذه أوّلُ حالةٍ طبيّةٍ غامضة تمرُّ عليَّ
خلالَ حياتي المهنيّة.. لا دواءّ لديّ، وآمل أن تذهبَ هذه
الروائحُ من تلقاءِ نفسها مع مرورِ الأيام ."
وعادَ جابرٌ مع أبيه
إلى المنزل، عادَ باكياً إلى غرفته، كي لا يتحاشاه أحدٌ،
وهكذا فإنه عندما حانَ موعدُ الغداءِ، لم يتّجه إلى الصالة،
وإنما انتظر أن تجلبَ له أمُّهُ شيئاً يأكله، وكذلك الأمر
بالنسبة للعَشاء، ظلّ حبيسَ غرفتهِ لا يبرحُها، وفي الوقت
نفسِهِ لا يريدُ أنْ يكلّمَ أحداً..
ومضى الليلُ، وهاهم
أخوتُه تجمّعوا في غرفةٍ أخرى، وراحوا يستعدون للنوم، لم
يرغبْ أحدٌ منهم أن يشاركّهُ الغرفةَ.. الكلّ ابتعدوا عنه في
هذه اللحظاتِ الصعبةِ، فزادَ ذلك من حزنِهِ، وراحَ يبكي
بصَمت.. أنهارٌ من الدمعِ سالَتْ على خدّيهِ، ثمّ بللتْ
الفِراشَ حيث كان يستلقي، ولكنَّ البكاءَ ما كان ليزيلَ هذه
الرائحةَ الكريهةَ، فراحَ يضربُ بقبضتِهِ حافةَ السريرِ، وفي
تلك الأثناء سمعَ نقراً على الباب، فصاح غاضباً:
"لا أريدُ أحداً.. لا أريدُ أحداً."
ولكنَّ البابَ كان قد فُتِح من تلقاءِ
نفسِهِ، وبرزَ من خلالِ الضوءِ الخافتِ رجلٌ ملأَتْ
روائِحُهُ العطرةُ جوَّ الغرفةِ، فصرخَ جابرٌ مرتعداً:
ـ من أنت؟
فقال الزائرُ بهدوء:
"أنا نجمُ الدين.. الرجلُ الأخضر، هل
عرفتني"؟
ـ لا لم أعرفْكَ.. ماذا تريدُ منّي؟
ـ أريد أن أحدثّك قليلاً، لعلّكَ تتخلّص من
هذه الرائحةِ الكريهةِ..
وازدادَ بكاءُ جابرٍ عندما ذكَّرَهُ الرجلُ
الأخضرُ بالرائحةِ الكريهةِ، فقال مستسلماً:
"حسناً ماذا تريدُ منّي، وكيفَ ستخلّصُني
منها بعد أن عجزَ الأطباءُ عن ذلك"؟
فربَتَ الرجلُ الأخضرُ على كتفهِ، ثمّ قال:
"هل تريدُني أنْ أحكيَ لك عن سائرِ أفعالِك
الطائشةِ في رمي المخلّفاتِ المعدنيّةِ والبلاستيكيةِ في
الشارعِ وفناءِ المنزلِ والمدرسةِ، أم أحدُّثكَ عن تصرُّفِكَ
الأحمقِ مع الحمامةِ البيضاء.. من أينَ تريدني أنْ أبدأ"؟!
وعندها أدركَ جابرٌ أنه قد عُوقِبَ عقاباً
قاسياً على ما بَدرَ منه من أفعالٍ سيئةٍ، فقال للرجلٍ
الأخضرِ راجياً:
"لن أعودَ إلى ما فعلْتُ أبداً.. أقسمُ لك
أنني لن أعودَ إلى ذلك أبداً، وسأعتذرُ من الحمامة، بل إنني
سأبني لها عشّاً هنا في منزلنا، لكي تظلَّ قريبةً من
النَّخلة.. أرجوكَ يا سيدي أنقذني من هذه الورطة"؟!
ومالَ نحوَ يدِ الرجلِ الأخضرِ ساعياً إلى
تقبيلها، ولكنَّ نجمَ الدين في تلك اللحظةِ عفا عنه.. لقد
شعرَ أن جابراً استفادَ كثيراً من الدرسِ الذي لقّنه إياه،
فمسحَ بيدِه رأسَ جابر، فعبقَتْ الروائحُ العطرةُ جسدَهُ،
وعندها قال جابر:
"سأكونُ خيرَ صديقٍ لك.. أعدُكَ بذلكَ
أيُّها الرجلُ الأخضر.. أعدك."
ثمّ ركضَ إلى غرفةِ
والديه، لكي يملأَ جوَّها بالروائحِ العطرةِ،
فاحتضنَهُ والدُهُ
وكذلك فعلَتْ والدتُهُ، ثمّ ما لبثَ أخوتُهُ أن هَرعوا إليه
وكلٌّ يريدُ أن
يقاسمَهُ غرفتَهُ..
كيفَ تحوَّلَ جابرٌ إلى نصيرٍ للبيئة؟
عندما صعدَ جابرٌ إلى الحافلة، كان جميعُ
من فيها يحاولُ سدَّ أنفِهِ خشيةَ أن يشمَّ الروائحَ
الكريهةَ التي كانت تنبعثُ من جابرٍ بالأمس.. نظرَ جابر إلى
زملائِهِ الطلبة بهدوء، وما كان منه إلاّ أن يبديَ علامةَ
امتعاضٍ حقيقيةً على ملامحِ وجهِهِ، ثمّ اتّجهَ إلى كرسيٍّ
خالٍ في مؤخرةِ الحافلةِ تُرِكَ له، وكان جابرٌ في تلك
اللحظةِ يتساءلُ بينه وبين نفسِهِ: "ترى إلى متى سيقاومون في
مسكِ أنوفِهم.. ألن يشعروا بنقصٍ في الأوكسجين؟
وذلك ما كان فعلاً، حيثُ إن الإنسانَ لا
يستطيعُ حبسَ أنفاسِهِ طويلاً، وعندما أفلتَ أحدُهم يدَهُ
ساعياً إلى استنشاقِ أكبرِ كميةٍ من الأوكسجين، اجتاحَتْهُ
عاصفةٌ من روائحِ الزهورِ البديعةِ، فصرخَ في زملائِهِ الذين
مازالوا يقاومون:
"هيه.. أنتم أفلتوا أيديَكم.. أفلتوا
أيديَكم."
وكما حدث في
الحافلةِ، انتشرتْ الروائحُ العطرةُ في أرجاءِ الباحةِ، وفي
غرفةِ الصفّ الرابعِ الشعبةِ الثالثة، وأينما ذهبَ جابرٌ
كانت الروائحُ العطرةُ تتبعُهُ..
فأقبلَ التلاميذُ
عليه بعد أن انفضّوا عنه بالأمس..
وأقبلَتْ المديرةُ
والمدرّسةُ التي أخرجَتْهُ من الصفّ.
وكلّهم سعوا لمعرفةِ
أسرارِ جابر؟؟
وهنا قررَ جابرٌ أن
يبوحَ بالبعضِ منها، تاركاً قصّتَهُ مع الرجلِ الأخضرِ سرّاً
خاصّاً، لا ينبغي لأحدٍ أن يعرفَهُ.
فقال جابرٌ للمديرةِ
المنتظرةِ جواباً، وللجمعِ المحتشدِ بشجاعةٍ تُسجّلُ له:
"كنت فتى طائشاً أيتُها المديرةُ
الفاضلةُ.. كلّ يومٍ أرمي الفضلاتِ في الشارعِ أو في باحةِ
المدرسة.. ولم أكنْ لأستفيدَ مما تعلمتُهُ في المدرسة من أن
النظافةَ من الإيمان، لقد قسا قلبي كثيراً:
فلم أسقِ الزهورَ التي كلّفتني أمي
برعايتِها أثناءَ غيابِها.
ورميتُ الحمامةَ البيضاءَ بحجرٍ أصابَها في
جناحِها.
ثمّ شتمتُ النخلةَ العجوزَ لأنها غضبَتْ
لضربي الحمامة..
فكان أن استوطنَتني رائحةُ المزابِلِ.
نعم هذه هيَ الحقيقةُ، ولكني ندمْتُ على
ذلكَ كثيراً، بعد أن اعتزلني الجميعُ، بمن فيهم أخوتي في
المنزل، فلم ألعبْ مع أحدٍ، وبقيتُ وحيداً وحزيناً..
فهزّت المديرة رأسَها، ثمّ قالت:
"لقد كان درساً قاسياً لكَ يا جابر، وأتمنى
من اللهِ ألاّ تعودَ إلى طيشِكَ مرةً أخرى، كي لا تعودَ إليك
تلكَ الروائحُ الكريهةُ.. أنتَ منذُ اليوم فتى جديدٌ، وعليكَ
أن تحافظَ على ذلكَ بكلّ عزمٍ واجتهاد."
فأجابها جابرٌ والدموعُ تملأُ عينيه:
"أعِدُكِ بذلك.. أعِدُكم جميعاً، وسأعملُ
منذُ اليوم في لجنةِ المحافظةِ على النظافة."
فصفَّقَ التلاميذُ
لجابرٍ الجديد، وصفَّقَتْ كذلكَ المديرةُ والمعلمةُ،
وانتشرَتْ قصّةُ جابرٍٍ بين التلاميذ، فأقبلوا عليه في
الفسحةِ، يسألونَهُ، ويسألونَهُ، فحكى لهم كلّ شيء، ولكنه لم
يبُحْ لهم بلقائِهِ الليليّ بالرجلِ الأخضرِ، فنجحَ في
امتحانِ حفظِ السرّ. وعندها طارّ العصفورُ الدوريّ من باحةِ
المدرسةِ نحو الحقولِ البعيدةِ، باحثاً عن الرجلِ الأخضرِ
لكي يخبرَهُ بما جرى.
بحثَ العصفورُ عن
الرجلِ الأخضرِ بين ربوعِ الحدائقِ والبساتين، جالَ في
الوديانِ والأنهرِ، ولكنَّهُ مع ذلكَ لم يجدْ نجمَ الدين،
فتساءَلَ مِراراً عن سرِّ اختفائِهِ، وعندما يئسَ قررَ أن
ينشرَ الأنباءَ الجديدةَ عن جابرٍ في عدد الغدِ من صحيفةِ
الصباح، على أملِ أن يطّلعَ عليها صديقُهُ نجمُ الدين
والآخرون، وهكذا كانَ بالفعل، حيث قرأَ الجميعُ في صباحِ
اليوم التالي هذا العنوانَ المثيرَ على الصفحةِ الأولى: " الطبيعةُ
النظيفةُ تكسبُ نصيراً جديداً"
ثمّ راحَ يسردُ تفاصيلَ ما حدث، ففرحَتْ
النخلةُ كثيراً للنبأ، وعندما زارَتْها الحمامةُ بعد أن
برأَتْ من جرحِها، قرأَتْ لها ما جاءَ في الصحيفةِ.
ولكن السؤالَ عن نجمِ الدين، الرجلِ
الأخضرِ ظلّ قائماً لدى الجميع.. فأينَ ذهبَ؟ ولماذا لم
ينتظرْ كي يرى نتيجةَ ما فعلَهُ مع جابر؟ أسئلةٌ كثيرةٌ،
ولكن الرجلَ الأخضرَ كان واثقاً كلّ الثقة بأن جابراً، قد
أصبحَ فتى نقياً وطاهراً، وسيعملُ جاهداً على المحافظةِ على
البيئةِ نظيفةً دائماً، ولذلك فإنه غادرَ إلى بقاعٍ أخرى .. |