|
لقاء
مع الشاعرة والإعلامية جمانة حداد |
||
|
|
جمانة حداد: لا أحبّ الشعارات الكبيرة في القصيدة أصدرت الشاعرة اللبنانية جمانة حداد مؤخرا ديوانها الشعري الرابع "عودة ليليت"، عادت فيه الى شخصية اسطورية للمرأة الأولى، وقد سعت الى "إضاءة نموذج آخر للمرأة، مضاد لحواء"- حسب تعبيرها- وهو نموذج "المرأة الأولى، الأصلية، الحقيقية، الحرّة، المتمرّدة، المستقلة، التي لم ترجع لكي تنقذ العالم، بل لتزيده خرابا ومتعة، والتي تقسم النساء بين منتميات اليها وغريبات عنها" حسب تعبير الشاعرة حداد.
|
|
|
-
في
ديوانكِ الأخير "عودة ليليت" ثمة عودة إلى الأسطورة وتأكيد على صورة أخرى
المرأة: هل هي محاولة لابتداع ندّ تاريخي ومعرفيّ للرجل؟ ام ثمة إتباع لألم
المرأة التاريخي؟ - قصيدة النثر العربية بدأت في آونتها الأخيرة تتحوّل إلى نصوص شبه قصصية لوصف الذات: ألا يعد ذلك انغلاقا، وتفريغا للشعر من بعده الإنساني؟ هذا للأسف كليشيه لم ننجح بعد في تجاوزه: نحن غالبا نخاف من التعبير عن ذواتنا وخصوصياتنا وكأنها وباء، لكننا ننسى في خضم هذه الفوبيا، المتوارثة في عالمنا العربي، أن الذات هي الآخر. نتوق الى أن نحمّل أكتاف قصيدتنا هموم الكرة الأرضية، وننسى أن الأرض هي أولا وخصوصا مجموعة أفراد لهم همومهم الفردية. سوف لن اجيبك بالتعميمات، التي لا احبذها، بل سأسقط السؤال عليّ وعلى شعري: ما الذي يجعل قارئة مجهولة تكتب لي أنها وجدت نفسها في ليليت؟ ما الذي يدفع قارئا الى الشعور بأنه "غريب" مثلي، والى قوله بأني وضعت كلمات على جرحه؟ نعم، أناي موجودة في قصائدي بقوة، لكني لا انفرد وحدي بهذه الأنا. فهذه لا تعود ملكي عندما أكتبها وأنشرها، بل تصير ملك الآخر، كل آخر يجد نفسه فيها. رينيه شار كتب أناه، لكني أشعر عندما اقرأه بأنه كتبني أنا. كذلك الأمر مع إيلوار وريلكه وتسيلان وبلاث، الخ... ذاتُ الشعر مجنّحة، واسعة، مشرّعة على تجارب العالم اجمع. من قال إن صدر الشعر يسع حصرا مشكلات الانسانية الكبرى؟ من قال إن وجعي الصغير، الذي أرزح تحت وطأته داخل حدود حياتي الضيقة و"المغلقة"، لا يعني أيضا امرأة تعيش في السنغال أو رجلا يقيم في استراليا؟ ليليت مثلا، كما قلت لك للتو، لا تقتصر عليّ وحدي، بل هي نساء كثيرات أشعلن بوهجهنّ على مرّ الزمن ليل هذا العالم، ولا يزلن...أعتقد ان على الشعر العربي ان يتحرر من خوفه من الأنا. شخصيا لا أحبّ الشعارات الكبيرة في القصيدة، فهي تحسّسني بـ"الكلوستروفوبيا". أؤمن بالتجارب الفردية، بالمعارك الصغيرة، بالخاص الذي يتضمّن الشامل، وبفاعلية أن يعتني كلّ واحد ببستانه. - أنت تتقنين عددا من اللغات العالمية الحية، ما الذي أضافه ذلك إلى روحك الشعرية؟ كل لقاء مع الآخر هو عملية إغناء، أكان يتم وجها لوجه ام بواسطة اللغة أم من خلال الكتاب. علاقتي باللغات تشبه اكثر ما تشبه الهوس. مذ كنتُ صغيرة سكنتني حمّى اللغات، الناجمة جزئياً عن شغفي بالمطالعة. وقد أعطتني هذه الحمى كنوزا لا تُقدّر بثمن: إنه نهم يغنيني كثيرا من دون شك، غالبا من حيث لا ادري، اذ يتغلغل من لاوعيي الى وجداني الشعري ويتكثف فيه كالغيم قبل المطر. إلا أن اهمية متقن اللغات تكمن في أن يتمكّن من "هضم" الهبات الموضوعة بين يديه، وأن ينجح في جعل الدماء الجديدة التي يُـحقن بها تـنسرب في شرايينه و"تتلوّث" بدمائه لتصير جزءا شرعيا من لاوعيه اللغوي، من دون أن تمحو خصوصيته. أنا أحب استكشاف نفسي باللغات الأخرى، إذ أغدو مختلفة مع كل لغة، وأريد أن أحاول نقل أصوات "الجمانات" اللواتي فيّ. - ثمة آراء تتهم بعض الشعراء في جرأتهم بدعوى البحث عن الانتشار والنجومية: أين أنت من ذلك؟ لا أعتقد أن عامل الجرأة هو الذي يسوّق النص الشعري أو الأدبي، فهناك عدد هائل من الجريئين والجريئات الذين لا يحمل نصّهم أي مضمون حقيقي، وما زالت أصواتهم تطفو على السطح ولم تستطع الوصول الى الأعماق ولا قدرت على الانتشار والتميّز. أنا مع الجرأة شرط ألا تكون مفتعلة وغاية ترويجية في ذاتها، مثلما هي الحال في معظم الأحيان للأسف. إذا كانت الجرأة تخدم الفكرة فهي ضرورية، أكانت بقلم رجل أو امرأة، أما إذا كان الهدف منها أن "تبيع" النص وتستر عيوبه تحت شعار كسر التابو وجذب الجماهير عشوائيا، فأنا ضدّها طبعاً. المهمّ الأمانة بين الخارج والداخل. فأنا إذ أكتب في قصيدتي عن جسدي فلأنه جزء أساسي منّي وهو حقل تجاربي وميدان عيشي للحياة. هو الأرض التي تستقبل في رحم ترابها، الشمس والقمر والمطر والريح والنهر والعصافير والناس. وحتى عندما أكتب، أشعر أنني أكتب بجسدي وعليه، وأن كلماتي تنفجر من مسامي وتنحفر على جلدي نفسه. أنا امرأة نارية والكتابة بالنسبة لي تجربة فيزيولوجية بقدر ما هي نفسية. إنها رحلة صيد شرسة وعنيفة ودموية بقدر ما هي مغامرة تأمل رقيقة وهامسة وخفرة. لذلك لا تنفصل روحي عن لحمي، ولا ذاتي الحميمة عن جسدي الحميم: كل منهما وجه للآخر وتوأمه وشريكه في "ارتكاب الجرائم". - وكيف تردّين على اتهامات البعض التي تطال شعراء الصحافة الثقافية في أنهم تسيدوا المشهد الشعري بسبب عملهم الصحفي؟ أرى انه اتهام في غير محله، وإن كان ثمة دور للصحافة الثقافية في ترسيخ إسم هذا الكاتب أو ذاك. إلا أن هذا الحضور يرسّخ صاحبه صحافيا، لا شعريا، إذ لا يخدم الشاعر سوى شعره فقط. هناك طبعا من يحاول الترويج لشعره من خلال موقعه الصحافي، خصوصا اذا كان هذا الموقع ينطوي على سلطة ما، لكن الخديعة لا بد أن تنكشف عندما يصل القارىء الى الأصل، الى النص. لا يمكن ان تنطلي ألاعيب البروباغندا على القارىء الذكي والمطّلع والمتذوّق، اي على القارىء الحقيقي الذي يتوجه اليه النص الشعري. ثم هناك من ناحية أخرى نماذج نبيلة من شعراء بارزين لم يسخّروا موقعهم الاعلامي لخدمة نجوميتهم الشعرية، واذكر منهم على سبيل المثال الشاعر الكبير أنسي الحاج الذي تولى رئاسة تحرير جريدة "النهار" اللبنانية، ولم يستغل يوما هذا الموقع للترويج لاسمه وشعره: ورغم ذلك فإن شعره معروف في العالم اجمع. في اختصار، الشعر الأصيل هو السيّد الأول والأخير، ولا تجني الدعاية على هذا المستوى إلا فائدة ظاهرية وموقتة، سرعان ما تتبدد مع الزمن الذي وحده يثبت قدرة النص على الثبات والاستمرار والبقاء.
|