جميل خرطبيل
إن عودة الفلسطينيين المُهجرين "اللاجئين" إلى وطنهم فلسطين، وطن آبائهم وأجدادهم حق تاريخي وقانوني وأخلاقي وإنساني ووطني وقومي، ولا يسقط فردياً ولا جماعياً مطلقاً إلى أن يتحقق، وسنبقى نناضل من أجله مهما طال الزمن رافضين أي بديل آخر عنه.
والعودة ليست منة من المجتمع الدولي والأمم المتحدة، بل الفلسطيني لا يحتاج إلى تلك المرجعية لتقرر له ما هي حقوقه وهي التي سلبته إياها وارتكبت بحقه أكبر جريمة في تاريخ البشرية.
لقد تمسك بعض الفلسطينيين بالشرعية الدولية ولا سيما القرار 194 ستين عاماً ولم يتحقق حلم العودة. ومشكلة المهجرين/ اللاجئين إنما هي نتيجة قرار التقسيم رقم 181 الصادر عام 1947 اللا قانوني واللا أخلاقي، وقد طُرد الفلسطيني وهُجّر بالقوة من وطنه، وحرم من العودة إليه، وعومل كأنما هو الغريب المتطفل، مع أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص فقرته الثانية من المادة 13 أنه: (لكل فرد الحق في مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده، والعودة إلى بلده) فكيف إذا طرد منها بالقوة؟!
والمفارقة أن قانون العودة الصهيوني الذي صدر عام 1950، وأيضاً قانون الجنسية الصادر عام 1952 يعطيان الحق لأي يهودي في العالم مهما كانت جنسته أو عرقه أو موطنه، الهجرة إلى فلسطين والاستقرار والإقامة، والحصول على جنسية مصنعة في الكيان الصهيوني، مع أن اليهودية دين وليست جنساً أو عرقاً أو إثنية!
لقد رفض آباؤنا وأجدادنا قرار التقسيم لأنه قرار إجرامي سلب من الشعب الفلسطيني معظم أراضي وطنه، ومنحها لأجانب غرباء (مستعمرين) لا يمتون إلى فلسطين بأية صلة لا حديثاً ولا قديماً.
والقرار 194 الذي يراهن الكثير عليه، يوم صدر لم يتعامل مع الفلسطينيين كشعب له كيانه وتاريخه وحضارته وحقوقه، إنما تعامل معهم كلاجئين يجب إنهاء أمرهم بالتوطين في أماكن وجودهم في المنافي أو التعويض، بينما تعامل مع الطرف الآخر كدولة لها كيان وشعب له حقوقه وهويته الواضحة!
ولو أمعنا النظر في القرار 194 لوجدنا:
1- القرار غير ملزم لأنه صادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، وحتى لو كان صادراً عن مجلس الأمن فلا يعني ذلك أن يلتزم به الكيان الإسرائيلي كما لا يمكن فرضه عليه، فكم من القرارات التي صدرت عن الجمعية العامة بل وعن مجلس الأمن ورماها الكيان خلف ظهره وبدعم الإمبريالية الأمريكية!
2- القرار هو إنشاء لجنة للتوفيق أي المصالحة، تقريب وجهات النظر.. بين الطرفين، لفرض واقع جديد فرضه الصهاينة:
الطرف الأول دولة لها كيان وراءه الأمم المتحدة والإمبرياليات الغربية والعرب المتواطئين.
أما الطرف الثاني فهو بلا كيان، بل هو مغيب وبقي مغيباً!
والمطروح خطوته الأولى الاعتراف بواقع ما صنعه الاستعمار الصهيوني على الأرض وليس كما قررته له الأمم المتحدة في القرار 181، كما أن الكيان المزروع بالقوة والخداع هو صاحب قرار السماح أو عدمه، والسماح ليس نتيجة آلية للاعتراف، فالاستعمار موجود ولا قيمة لاعتراف الفلسطيني أو عدم اعترافه!
لقد كان الهدف منه تثبيت واقع التقسيم وتثبيت ما سلبه الكيان زيادة على ما منحته الأمم المتحدة للصهاينة، وتشريع سرقة القدس بادّعاء تدويلها بينما تركت المجال للصهاينة ليضموا قسماً منها إليهم. ولأن آباءنا وأجدادنا فهموا حقيقة القرار 194 رفضوه، وإن لم يمتلكوا القدرة الكفاحية على العودة!
إن المبالغة في التمسك بقرارات الأمم المتحدة وبعد ستين عاماً من معرفة جوهرها لا يجدي، وقد أصدرت الأمم المتحدة عشرات القرارات غير الملزمة للتأكيد على القرار رقم 194، وكلها تؤكد الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي شردوا عنها واقتلعوا منها.. والهدف الأول والأخير هو إشغال الفلسطيني وإلهائه بالأمل بالحلول الإنسانية السرابية لا أكثر حتى يطويه الزمن!
وبالمقابل هل قبل أو سيقبل الكيان العنصري بعودة المهجرين/ اللاجئين الفلسطينيين؟ بالطبع لا، بل هو يعمل على تهويد الدولة المصنعة ليحسم خطر القنبلة الديموغرافية العربية الموقوتة، وهذا له أبعاد خطيرة على شعبنا في أراضي الـ 48، والإمبرياليات الغربية كلها تدعم الموقف الصهيوني، وليس مؤتمر أنا بوليس منا ببعيد!
والسياسة الصهيونية في رفض العودة واضحة تماماً في كل تصريحات سياسييها وقادتها وآخرها تصريح وزيرة خارجية العدو تسيبي ليفني تحت مظلة مؤتمر حوار الأديان (حوار الأديان!) في نيويورك حيث أكدت وبكل صفاقة رفضها لعودة اللاجئين وبالحرف الواحد قالت: (ولا حتى لواحد منهم)، وأعلنت تنصل كيان العدو من المسؤولية فقالت: (وإذا كانت هناك من مشكلة لاجئين غادروا في العام 1948 فهذه لم تعد مشكلة إسرائيل)!
ومشاريع العرب للاعتراف بالكيان الغاصب لحقوقنا ولإقامة السلام والتطبيع، وكذلك جماعة أوسلو في مشروع التسوية (السلمية!) لا تتعامل مع قضية المهجرين بجدية لعودتهم، بل تطرح الموضوع بتسوية لمشكلة اللاجئين كصيغة إنسانية لا أكثر قد تكون بالتوطين في المنافي أو التعويض المالي، أما العودة إلى فلسطين فليست في نظرهم سوى عودة بعضهم إلى أراضي السلطة/ الدويلة مستقبلاً..!
وياسر عرفات لم يربط الاعتراف بالكيان الصهيوني بحق العودة، وكذلك مصر عندما اعترفت هي والأردن بالكيان وكذلك الدول العربية التي تطبع مع الكيان.. كلهم أسقط حق العودة، حتى من مبادراتهم للتسوية ومن مشروعهم للسلام!
ذات مرة سألت صحفية غربية ياسر عرفات عن حق العودة، وضربت مثلاً عن الفلسطيني من صفد، فقال: يستطيع ابن صفد أن يزور صفد متى شاء ولكنه مساء يخرج منها مثل أي سائح!
وقضية التبادل في الأراضي والسكان، ووثيقة جنيف (وثيقة بيلين - عبد ربه) ليست إلا تصفية لقضية المهجرين عام 48.
ومن حق الشارع الفلسطيني أن يتساءل لم كثرت لجان حق العودة ووصلت إلى مئة وخمسين لجنة تقريباً ومعظمها مدعوم من جهات غربية، ولا سيما بعد مشاريع التسوية (القائمة على الاعتراف والسلام والتطبيع)؟!
إن معظم لجان العودة حصرت نفسها بقضية المُهجَّرين (اللاجئين) وجعلت جوهر الصراع في المنطقة هو قضية اللاجئين (المهجرين على الأصح) وهذا تزييف لحقيقة الصراع؛ فجوهر القضية هو استعمار فلسطين لتكون قاعدة للإمبرياليات الغربية ولإجهاض مشروع النهضة العربية والوحدة، وقضية المهجرين هي نتيجة وليست هي السبب، وتحويل النتيجة إلى سبب يعني طمس جوهر الصراع بأنه صراع عربي ضد استعمار، صراع وجود وكينونة وليس اختلافاً حول حدود ولاجئين وأراض محتلة عام 67، وطرح القضية بتقزيمها هدفه القبول بالكيان والاعتراف به وبحقه في الوجود، وهذا يعني إسقاط التحرير وإنهاء وتصفية القضية الفلسطينية!
وحصر النضال بالمطالبة السياسية والإعلامية بتطبيق القرار 194، مناقضاً للميثاق لأنه يعني قبول الكيان الإسرائيلي وكأنما القضية ليست استعمار فلسطين عام 48 وإنما هي فقط مشكلة اللاجئين؟!
والادعاء بأن العودة - إن تحققت أو تحقق جزء منها- تؤدي في النهاية إلى إزالة الكيان وبالطرق الديموقراطية عندما تسيطر الأكثرية الفلسطينية، غير صحيح وهو كلام طوباوي يدل على عدم استيعاب حقيقة المشروع الصهيوني كقاعدة وظيفية لخدمة الإمبرياليات الغربية وعلى رأسها أمريكا.
كما أنه لا يمكن التعايش مع الكيان الصهيوني الاستعماري العنصري الإجرامي ونسيان حقيقته وتاريخه، وقد جاء في الميثاق الوطني المادة (22):
(الصهيونية حركة سياسية مرتبطة ارتباطاً عضوياً بالإمبريالية العالمية، ومعادية لجميع حركات التحرر والتقدم في العالم، وهي حركة عنصرية تعصبية في تكوينها، عدوانية توسعية استيطانية في أهدافها، وفاشية نازية في وسائلها. وإن "إسرائيل" هي أداة الحركة الصهيونية وقاعدة بشرية جغرافية للإمبريالية العالمية، ونقطة ارتكاز ووثوب لها في قلب الوطن العربي، لضرب أماني الأمة العربية في التحرر والوحدة والتقدم. إن "إسرائيل" مصدر دائم لتهديد السلام في الشرق الأوسط والعالم أجمع. ولما كان تحرير فلسطين يقضي على الوجود الصهيوني والإمبريالي فيها، ويؤدي إلى استتباب السلام في الشرق الأوسط، لذلك فإن الشعب الفلسطيني يتطلع إلى نصرة جميع أحرار العالم وقوى الخير والتقدم والسلام فيه، ويناشدهم جميعاً على اختلاف ميولهم واتجاهاتهم تقديم كل عون له في نضاله العادل المشروع لتحرير وطنه).
فنضال اللجان السياسي والإعلامي مقيد بالاعتراف بالكيان الصهيوني والتعايش معه، وإذا ما كان هناك إصرار من تلك اللجان على التمسك بالشرعية الدولية وبأن الكفاح هو عبر حلبة قراراتها، فعليها البحث عن أساليب أنجع وأن تطور آلية عملها وألا يبقى موقفها سلبياً (ساكناً وجامداً)، ومجالات العمل الإيجابي متعددة، ومن تلك المجالات نذكر:
1- طرح قرار التقسيم 181 الذي هو سبب القرار 194، والذي لا يعطي الكيان إلا 54 % فقط من الأرض الفلسطينية، وكل ما أخذته العصابات الصهيونية زيادة على ذلك لا يستند إلى تلك الشرعية التي خلقته من عدم!
2- أن تبرز ما صدر عن الجمعية العامة من قرارات لا تقل شرعيتها عن شرعية القرار 194 مثل قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها 29 رقم (3236) الصادر في 22/ 11/ 1974، الذي ورد فيه أن الجمعية العامة: (إذ تعترف بأن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين لا تزال تعرض السلم والأمن الدوليين للخطر، واعترافاً منها بأن الشعب الفلسطيني قد منع من التمتع بحقوقه غير القابلة للتصرف، لا سيما حقه في تقرير مصيره..).
وبناء على ذلك توصلت إلى قرارات هامة منها: (2- وتؤكد من جديد أيضاً حق الفلسطينيين، غير القابل للتصرف في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي شردوا منها واقتلعوا منها، وتطالب بإعادتهم).
ونلاحظ ربط القضية الفلسطينية بالاعتراف بشرعية الكيان الصهيوني على الأراضي التي احتلت قبل عام 1967، وهو يسقط الحق الفلسطيني بأراضي الـ 48!
والفقرة الخامسة التي تقول: (وتعترف كذلك بحق الشعب الفلسطيني في استعادة حقوقه بكل الوسائل وفقاً لمقاصد ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه)، يمكن الاستناد إليها وغيرها في التهديد بالعمل المقاوم المسلح، وتبرير المقاومة دولياً وبأنها ليست إرهاباً. فلماذا لغة الاستجداء ولم لا يعلو صوت اللجان مهدداً العالم والأمم المتحدة بأنه إن لم يعملوا على تحقيق العودة فإن من حق الشعب الفلسطيني العودة بقوة السلاح كما تنص قرارات الأمم المتحدة!
ولم لا تسعى لإحياء القرار 3379 الذي ساوى الصهيونية بالعنصرية، والذي ساهمت دول عربية وقيادة المنظمة في إلغائه!
3- أن تقود مسيرات سلمية للمهجرين الفلسطينيين تخترق الحدود إلى فلسطين من لبنان أو الأردن مثلاً (سفن كسر الحصار عن غزة نموذج)!
4- طرح تحويل قضية المهجرين (اللاجئين) إلى المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة (مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين) التي أنشت لحل مشاكل اللاجئين عقب الحرب الأوروبية الثانية، ومارست دورها لكنها ظهرت للنور رسمياً عام 1951. وقد حلت إشكاليات كثيرة في العالم تمس عشرات ملايين اللاجئين لفعاليتها القوية، وحازت على جوائز عديدة دولية منها حصولها مرتين على جائزة نوبل للسلام، والمضحك أن الكيان الصهيوني عضو فيها!
في النظام الأساسي للمفوضية تعمل المفوضية وتساعد على إعادة اللاجئين إلى أوطانهم وديارهم وأرضهم التي شردوا منها، وآفاق القرار وبحسب المصالح الغربية قد تصل إلى استخدام كل الأساليب بما فيها القوة العسكرية التي يشكلها مجلس الأمن (وبالطبع المزاجي المرتبط بمصالح الغرب).
مع العلم أن المفوضية اتخذت الاحتياطات مسبقاً تجاه المهجرين الفلسطينيين، فأخرجتهم من دائرتها؛ ففي نظامها الداخلي ليس من صلاحية المفوض السامي وضع اللاجئ الذي حصل على الحماية أو المساعدة من أجهزة الأمم المتحدة أو وكالاتها الأخرى..
وقضية المهجرين (اللاجئين) الفلسطينيين التي وضعت تحت تصرف وكالة الغوث لتقديم الخدمات شبه الإنسانية (وهي ليس في نظامها الداخلي ما يشير إلى أي التزام بإعادة اللاجئين إلى ديارهم وأوطانهم التي شردوا منها)، لا يمكن وضعها تحت تصرف المفوضية لأنه لا ينطبق عليها النظام الداخلي للمفوضية العليا.
لذلك عصابة الأمم المتحدة أخبث مما يظنه البعض، فهي في الأساس عملت على مشروع إقامة الكيان وهذا يتطلب تفريغ الأرض الفلسطينية من سكانها للمستعمرين القادمين من شتى بقاع الأرض، ومشكلة المهجرين ضمن ذاك المخطط لا يمكن إعادتهم لأن عودتهم تنسف المشروع، لذلك يتم الحل بالتنسيق مع الدول المستضيفة للعمل على توطينهم (السكن والتأهيل وتقديم المساعدات شبه الإنسانية) لإنهاء قضيتهم في المنافي حيث يبتلعهم الزمن.
وقد أبدت بعض الدول العربية موافقتها على توطين المهجرين إليها منذ عام 48، ولكن رفض الشعب الفلسطيني لكل أشكال التوطين أفشل ذلك حتى الآن، وفي المستقبل لن يكون موقف الشعب الفلسطيني غير رفض التوطين والإصرار على العودة!
إن نشر ثقافة العودة في الشارع الفلسطيني والعربي بالاستناد فقط إلى القرار 194 لن يحل القضية، لأنه يخدع شعبنا ويمنيهم بعودة لا وجود لها على الإطلاق، وهو قد يصلح لمخاطبة العقل الغربي لإحراجه فقط لا أكثر!
كما أن رؤية التطورات التي حدثت على الأرض ولا سيما ما أفرزته انتصارات المقاومة الوطنية اللبنانية وعلى رأسها حزب الله عام 2000 و 2006 وأيضاً ما حققته المقاومة الفلسطينية في الانتفاضتين وتحرير قطاع غزة، يجب أن تغير الخطاب السياسي والإعلامي، وتفتح آفاق التفاؤل بالتحرير كحقيقة حتمية!
***
إذاً ذاك النضال السياسي/ الإعلامي لم ينتج ولن ينتج شيئاً إن بقي ضمن إطاره ولم يعزز نهجه بوسائل أخرى، حيث يمكن توسيع دائرة لجان العودة للعمل بفعالية أكبر، ولكن لن تعيدنا إلى وطننا السليب، والسؤال المشروع بالمقابل أن نضال المنظمة المسلح لم يفلح أيضاً في تحقيق العودة، فما العمل؟!
إن إخفاقات منظمة التحرير في تحقيق أهداف شعبنا بدأت يوم أن تخلت قيادتها عن ميثاقنا الوطني الذي هو البوصلة لنا وصمام الأمان لكل خطوة من خطواتنا.
ويوم كانت قيادة المنظمة تتحدث عن التحرير والعودة وتربط بينهما، لم تكن صادقة ومخلصة، بل هي اتجهت منذ البدايات نحو التسوية السياسية بقبول دويلة على الضفة والقطاع، ثم طرحت مشروع الدولة الديموقراطية على كل أرض فلسطين التي يعيش فيها الفلسطينيون واليهود جميعاً بعد تصفية الدولة الصهيونية العنصرية، ثم وضعت برنامج النقاط العشر عام 1974 مدعية أنه برنامج مرحلي ولكنه كان هدفها الإستراتيجي!
فالخلل في ممارسة قيادة المنظمة وبتغيير أهدافها، ونحن لا نعترف إلا بالميثاق، أما المجالس الوطنية فهي مقبولة حتى الدورة الخامسة للمجلس الوطني عام 1969. لكن ما صدر عن المجالس الوطنية بدءاً من السادسة وما بعدها فهو مرفوض إن تناقض مع الميثاق.
إن تعريف اليهودي الفلسطيني الذي ورد في الميثاق لا يتناقض مع مفهوم المجتمع الديمقراطي الذي جاء في الدورة الخامسة للمجلس الوطني في القاهرة في الملحق الأول – تحت عنوان بيان سياسي صادر عن المجلس الوطني الفلسطيني المنعقد في القاهرة من 1 - 4 شباط/ فبراير سنة 1969:
(إن الشعب الفلسطيني في نضاله المرير لتحرير وطنه والعودة إليه، إنما يهدف إلى إقامة مجتمع ديمقراطي حر في فلسطين بجميع الفلسطينيين مسلمين ومسيحيين ويهوداً).
فاليهود الذين جاؤوا من بقاع العالم ليسوا فلسطينيين مطلقاً، وقد عرف الميثاقُ الوطنيُ، اليهودَ الفلسطينيين في المادة (6) بالقول:
(اليهود الذين كانوا يقيمون إقامة عادية في فلسطين حتى بدء الغزو الصهيوني له، يعتبرون فلسطينيين). وهذا يعني أن اليهود الذين جاؤوا عقب المؤتمر الصهيوني الأول عام (1897) بتخطيط ودفع من المنظمات الصهيونية، ومروراً بمن جاء نتيجة وعد بلفور عام 1917، أو نتيجة قرار التقسيم عام 47 وما بعد.. فهم ليسوا بفلسطينيين!
فاليهود الفلسطينيون كان عددهم في بدايات القرن التاسع عشر 5000 يهودي تقريباً، ولم يتجاوز عددهم حتى بداية القرن العشرين الـ 12000 يهودي والمعلومة قابلة للزيادة أو النقصان بحسب مصادر الإحصاء. وهؤلاء تقريباً هم الذين اعترف بهم الميثاق، وما عداهم صهاينة مستعمرون يجب ترحيلهم إلى أوطانهم التي جاؤوا منها. ومعرفة أولئك اليهود وعائلاتهم وسلالاتهم حتى عصرنا ليس بالأمر الصعب، ولكن كم عدد الذين تصهينوا منهم فخرجوا من فلسطينيتهم؟!
والذي طُرح حول الدولة الديمقراطية منذ أواخر الستينيات هو مخالف للميثاق، والذي عادت أسطوانته اليوم:
لقد بدأت حركة فتح التأسيس لقبول اليهود كلهم على أرض فلسطين بعد تصفية الدولة الصهيونية العنصرية، ففي كتاب فتح السنوي لعام 1968 جاء في الصفحة 25: (... فنحن ندعو إلى دولة فلسطينية عربية لا يكون فيها ظل للعنصرية والصهيونية ويومها سيجد اليهودي مكانه في هذه الدولة الديمقراطية التقدمية بغض النظر عن الدين أو اللون أو القومية). فعن أي يهودي يتحدثون؟!
وفي المؤتمر العالمي الثالث لنصرة الشعب العربي الذي انعقد في القاهرة 25 – 28 كانون الثاني عام 1969 أعلن نبيل شعث ممثل فتح في المؤتمر هدف فتح من النضال: (إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية يعيش فيها الفلسطينيون بكل طوائفهم مسلمين ومسيحيين ويهود في مجتمع ديموقراطي تقدمي، ويمارسون عباداتهم وأعمالهم مثلما يتمتعون بحقوق متساوية).
وتصريحات عرفات الصحفية وقيادة فتح أخذت تفصل بين اليهود والصهاينة في فلسطين، ثم فرضوا أفكارهم تلك على المنظمة ففي الدورة السادسة جاء في الملحق الثاني: بيان سياسي صادر عن المجلس الوطني الفلسطيني في دورته السادسة المنعقدة في القاهرة من 1 - 6/ 9/ 1969: (أكد أن هدف الثورة الفلسطينية هو تحقيق التحرير الشامل والكامل للتراب الفلسطيني من احتلال الصهيونية وقاعدتها "إسرائيل" ومن ورائها من قوى الإمبريالية العالمية، وأعلن إصرار الشعب الفلسطيني على المضي في ثورته إلى أن يتم تحقيق النصر وإقامة الدولة الفلسطينية الديمقراطية البعيدة عن كل أشكال التمييز الديني والعنصري).
وتوصي اللجنة السياسية المجلس الوطني الفلسطيني في دورته السادسة باتخاذ القرارات والتوصيات التالية:
على الصعيد الوطني:
(7- يهدف الكفاح الفلسطيني إلى إنهاء الكيان في فلسطين، وإعادة الشعب الفلسطيني إلى وطنه، وإقامة الدولة الفلسطينية الديمقراطية على كامل التراب الفلسطيني بعيدة عن كل أنواع التمييز العنصري والتعصب الديني).
وجاء في الدورة السابعة التي عقدت في القاهرة 30/ 5 – 4/ 6/ 1970 في الملحق الأول - الفقرة ثانياً - النقطة 5:
(5- إن هدف النضال الفلسطيني هو تحرير فلسطين كاملة ضمن مجتمع يتعايش فيه جميع المواطنين بحقوق وواجبات متساوية ضمن آمال الأمة العربية في الوحدة والتقدم).
(12- إن "إسرائيل" بحكم طبيعة تكوينها تمثل مجتمعاً منغلقاً وعنصرياً ومرتبطاً بالإمبريالية وهي بحكم هذا التكوين لا يمكن أن تحدث القوى التقدمية المحدودة في داخلها أي تغيير جذري يلغي طبيعتها الصهيونية العنصرية المرتبطة بالإمبريالية، ولذلك فإن هدف الثورة الفلسطينية هو تصفية هذا الكيان سياسياً وعسكرياً واجتماعياً وثقافياً وتحرير فلسطين كاملة).
وورد في دورة المجلس الوطني الثامنة عام 1971: (إن الكفاح الفلسطيني المسلح ليس كفاحاً عرقياً أو مذهبياً ضد اليهود، ولهذا فإن دولة المستقبل في فلسطين المحررة من الاستعمار الصهيوني هي الدولة الفلسطينية الديمقراطية التي يتمتع الراغبون العيش فيها بنفس الحقوق والواجبات ضمن إطار مطامح الأمة العربية في التحرر القومي والوحدة الشاملة مع التأكيد على وحدة الشعب في كلتا ضفتي الأردن).
وفي عام 1974 وقف عرفات لأول مرة أمام الأمم المتحدة ليعلن: (... عندما نتحدث عن آمالنا المشتركة من أجل فلسطين الغد فنحن نشمل في تطلعاتنا كل اليهود الذين يعيشون الآن في فلسطين ويقبلون العيش معنا في سلام ودون تمييز على أرض فلسطين..) ..(إننا نقدم لكم أكبر دعوة، أن نعيش حقاً في إطار السلام العادل في فلسطيننا الديمقراطية).
إذاً تخلت قيادة المنظمة عن التحرير الكامل، وادعت أنها وضعت برنامجاً مرحلياً لإقامة دويلة في الضفة والقطاع، ثم تبين أنه الهدف النهائي، واعترفت بكيان العدو، وأدانت المقاومة وسمتها إرهاباً..
وقضية الدولة الديمقراطية المطروحة نسفت تعريف الفلسطيني اليهودي في الميثاق، وصار اليهودي المستعمر القادم من أوروبا وأمريكا وروسيا.. والذي احتل بيتاً فلسطينياً بعد أن قتل صاحبه أو طرده، أو سكن في مستعمرة بناها على قرية مُسحت من الوجود.. هو فلسطيني عربي ينتمي إلى الأمة العربية!
***
لقد رفض الميثاق وعد بلفور وقرار التقسيم وعرّف اليهودية، في المادة (20) من الميثاق:
(يعتبر باطلاً كل من تصريح بلفور وصك الانتداب وما ترتب عليهما. وإن دعوى الرابطة التاريخية أو الروحية بين اليهود وفلسطين لا تتفق مع حقائق التاريخ ولا مع مقومات الدولة في مفهومها الصحيح. وإن اليهودية بوصفها ديناً سماوياً وليست قومية ذات وجود مستقل، وكذلك فإن اليهود ليسوا شعباً واحداً له شخصيته المستقلة، وإنما هم مواطنون في الدول التي ينتمون إليها).
وبناء على ذلك رفض الميثاق تقسيم فلسطين وقيام الكيان الصهيوني كما جاء في المادة (19):
(تقسيم فلسطين الذي جرى عام 1947 وقيام "إسرائيل" باطل من أساسه، مهما طال عليه الزمن لمغايرته لإرادة الشعب الفلسطيني وحقه الطبيعي في وطنه ومناقضته للمبادئ التي نص عليها ميثاق الأمم المتحدة وفي مقدمتها حق تقرير المصير).
ورفض الحلول المطروحة البديلة عن التحرير الكامل كما جاء في المادة (21):
(الشعب العربي الفلسطيني، معبراً عن ذاته بالثورة الفلسطينية المسلحة يرفض كل الحلول البديلة عن تحرير فلسطين تحريراً كاملاً، ويرفض كل المشاريع الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية، أو تدويلها).
وقد حدد الميثاق صاحب الحق الوحيد في فلسطين في المادة (3):
(الشعب العربي الفلسطيني هو صاحب الحق الشرعي في وطنه، ويقرر مصيره بعد أن يتم تحرير وطنه وفق مشيئته، وبمحض إرادته واختياره).
وربط بين التحرير والعودة ربطاً جدلياً في المادة (9):
(الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين، وهو بذلك إستراتيجية وليس تكتيكاً. ويؤكد الشعب العربي الفلسطيني تصميمه المطلق وعزمه الثابت على متابعة الكفاح المسلح والسير قدماً نحو الثورة الشعبية المسلحة، لتحرير وطنه والعودة إليه، وعن حقه في الحياة الطبيعية فيه وممارسة حق تقرير مصيره فيه والسيادة عليه).
والميثاق الوطني الفلسطيني أكد على قومية المعركة ومسؤولية الأمة العربية كلها عن فلسطين، لأن فلسطين كما جاء في المادة (1):
(فلسطين وطن الشعب العربي الفلسطيني، وهي جزء لا يتجزأ من الوطن العربي الكبير، والشعب الفلسطيني جزء من الأمة العربية).
وقد جعل القضية الفلسطينية قضية قومية فالعلاقة جدلية بين التحرير والوحدة العربية ففي المادة (13):
(الوحدة العربية وتحرير فلسطين هدفان متكاملان، يهيئ الواحد منها تحقيق الآخر. فالوحدة العربية تؤدي إلى تحرير فلسطين، وتحرير فلسطين يؤدي إلى الوحدة العربية. والعمل لهما يسير جنباً إلى جنب).
وفي المادة (14) تأكيد على ربط الأمة العربية بقضية فلسطين فهي تقول:
(مصير الأمة العربية، بل الوجود العربي بذاته رهن بمصير القضية الفلسطينية، ومن هذا الترابط ينطلق سعي الأمة العربية وجهدها لتحرير فلسطين. ويقوم شعب فلسطين بدوره الطليعي لتحقيق هذا الهدف القومي المقدس).
فالتحرير مسؤولية عربية وليست فلسطينية فقط فالمادة (15) تقول:
(تحرير فلسطين من ناحية عربية هو واجب قومي لرد الغزوة الصهيونية والإمبريالية عن الوطن العربي الكبير. ولتصفية الوجود الصهيوني في فلسطين، تقع مسؤولياته كاملة على الأمة العربية شعوباً وحكومات وفي طليعتها الشعب العربي الفلسطيني. ومن أجل ذلك فإن على الأمة العربية أن تعبئ جميع طاقاتها العسكرية والبشرية والمادية والروحية، للمساهمة مساهمة فعالة مع الشعب الفلسطيني في تحرير فلسطين، وعليها بصورة خاصة في مرحلة الثورة الفلسطينية المسلحة القائمة الآن أن تبذل وتقدم للشعب الفلسطيني كل العون وكل التأييد المادي والبشري، وتوفر له كل الوسائل والفرص الكفيلة بتمكينه من الاستمرار، للقيام بدوره الطليعي في متابعة ثورته المسلحة حتى تحرير وطنه).
إن الالتزام بالميثاق والمصداقية في الممارسة والربط بين التحرير والعودة ورفض الحلول التصفوية وحده يحقق أهداف الشعب الفلسطيني.
فلا عودة إلا بتحرير فلسطين من الصهاينة المستعمرين، وإن أية دعوة للعودة دون ربطها الجدلي بالتحرير وبالأمة العربية لن يكتب لها النجاح. والطرح النظري للعودة إلى الميثاق إن لم يرتبط بالالتزام ببرنامج جبهوي وحدوي مقاوم وممارسته بكل مصداقية وإخلاص حتى تحقيق الهدف، يبقى مجرد شعار أجوف!
ومخاطبة الشارع العربي والفلسطيني يجب أن تبنى على الثوابت التي طرحها الميثاق الوطني، ونشر ثقافة المقاومة، ثقافة التحرير والعودة، وهذا هو الحل الوحيد لكل وطني في المهاجر.