صور المصباح

 


 


 جميل خرطبيل 

تمهيد:

كانت حكايات علاء الدين والمصباح تلمهم صيفاً حول جدهم في حوش الدار. وشتاء يتزاحمون ويتدافعون حول المنقل. وما إن يخرج المارد بعد دلك المصباح؛ حتى تنز قلوبهم ويحبس التوتر أنفاسهم، فلا يتحلحل أحدهم ولا يتنحنح. وتتسمر عيونهم في شفتي الجد الراوي، وقد انفغرت أفواههم، ودلعت ألسنتهم كالبله.

مات الجد ولم يورث أباهم سوى الحكايات والجوع. وصار أبوهم الحكَّاء بالوراثة. ومات الأب، فورث ابنه بعض الحكايات، وكل الفقر. اهترأ جلد كفيه وتسلخ من الفرك، وخبا لون المصباح وكمد، وفل مارده وهرب.

علموه منذ أن كان يرضع، كيف تسح السماء خبزاً وزيتوناً وعنباً. علموه كيف تلد الأرض فضة وياقوتاً وذهباً. علموه كيف يلفظ البحر اللؤلؤ والمرجان والعنبر!

وسماؤه في كل يوم قحط، والمصباح مسحوج كما البحر وكما الأرض.

هروب:

في درب ترابي مشيا معاً وقد لزت به، أرخت بدله رأسها على كتفه. همست:

- ليت الدرب بلا انتهاء.

ضغط كتفها إليه، اعتصره بين أصابعه. العالم صغير بين يديه. صار حلماً؛ عبر البحر والمحيطات والغابات والجبال. حلق بين النجوم والكواكب والسموات. مر كطيف شفاف بين الشهب والنيازك. جاءه المستقبل في كرة بلورية مشرقاً متلألئاً ندياً. غدا طموحاً وعذوبة ورقة.

وشع أملاً:

- أنتِ المصباح بين يديّ!

حب دافئ لاب عنه، الشعر يتماوج على خديه كليل من عطر وياسمين، عزف الجوع عن قلبه، وتدحرج عند قدميه. تشابكت أيديهما، قال لها:

- أستطيع أن أطوق القمر!

تغنجت بدلال:

- كيف؟ أرني... ودهشت!

مد ذراعيه، وصلتا إلى القمر، وارتدتا هالة حنان وسوار ألماس.

ارتجف جسدها كزهر غصن أمالته وشوشات نسمات ربيعية.

تأوهت، والتصقت شظايا حكاية. ناجته ارتعاشة:

- لم لا تقبله؟!

دنا حتى لامست شفتاه شفتي القمر. خبأته في شعرها، في عينيها. باح قلبها:

- أنت علائي والمصباح. أنت أرضي وسمائي، أزهاري وقرنفلي وعطري وقصوري!..

حبيبته آية يرتلها. رقص معها تحت ضوء القمر قداسات حب غجرية. روى لها عن مغارات كنوز الذهب والفضة، وقصور الخيالات والجنان والأحلام. نسي جوعُه الرغيف. وجد عزاءه في جرحه النازف. وعدها بملاءات من سندس وديباج، حمراء، خضراء، وزرقاء.

وبعقود من الآلئ والياقوت.

وطالت ليالي شهرزاد، وفي آخر ليلة ألحت... متى؟

مضى هزيع الليل وامتد السؤال. توارت النجوم، وفاجأه الفجر، فرحل المصباح والقمر.

تصويب:

- ويحبها وتحبه... ويمقت جوعُها فقرَه!

- إذا ثارت رياح الجوع، أغلق القلب شبابيكه!

- كاد الفقر أن يكون جنوناً... موتاً... سيفاً مسلولاً!

غربة:

ركب الحمار إلى قرية وراء الجبل. سأله الحمار:

- إلى أين تسلك بي في هذا الوعر، في هذه الفلاة الموحشة الفظيعة؟!

أجابه ألمه بحسرة وانكسار:

- ماذا يفعل يا صاحبي من توصد دونه أبواب المدينة؟!

قال الحمار:

- أضاقت بك المدن والقرى والأنهار والحقول والغابات؟!

ربت على رأس الحمار، استعاد ماضياً خنقه الزمن:

- كان أبي يعود ليلاً يلهث، ويرتمي على الأرض ويخور. مات مذبوحاً كثور. ختم آخر حكاياته وهو يتحشرج جاحظ العينين:

- نحن والدواب من طينة واحدة، إن لم نجد المصباح!.

سباق:

وصل إلى قرية تحتضنها تلة في مجاهل الصحراء. قال أمير العمل:

- نريد عشرة عمال، وأنتم بالمئات! سنختار عشرة منكم، وسنجري سباقاً.

أترون تلك الكومة من الحجارة، وأشار بيده، فلحقتها الأعين.

من يصل إليها قبل الآخرين يفز. العشرة الأوائل فقط.

استعد الجميع عند نقطة الانطلاق. وأعطى الأمير الإشارة فانطلقوا.

ركضوا، تسابقوا، تناحروا، تشاجروا... وفوق كومة الحجارة أومض خبز وزيتون وعسل.

المسافة بعيدة، والشمس تندلق حممها فوق رؤوسهم. زوابع الغبار والتراب كستهم لوناً واحداً.

انهار كثيرون في المضمار. وقلة وصلت بشق الأنفس بعد أن عامت في نهر من العرق. كانوا العشرة الأوائل، وطرد البقية. لم يقبل أن يطارد، أن ينافس. مضى النهار، واحمر الأفق، والعمل سراب تبخر. رجع إلى حماره. أمسك المصباح بلهفة، وفي ركن مقرور في أعماقه سخرية كسيحة.

تنقيب:

نقبت يداه حاوية القمامة، بعثر كل شيء. لعل المصباح هنا أو هناك. في هذا الكيس أو ذاك. نقب وغاص في القاع والقطط تقفز من زاوية إلى زاوية. وكلما فتح كيساً، انزلقت إليه قبل أن يولج يده. ماءت القطط إحباطاً. وهو لم يحظ بالمصباح. دوخه الدوار فتقيأ.

استطراد:

كان أحدهم من ذوي الجاه والمال والنفوذ حتى الثمالة. وقف أمام تلة من الحصى، وفي وسطها انتصب عمود، قبع على رأسه مصباح عتيق.

كان يكره إبليس كرهه للفقر.

صعد فوق الكومة حتى العمود. وكان إبليس يئن مضرجاً بدمه بين الحصى. وقف فوق رأسه المدمى. وصار يقذفه بالحجارة، بالصخور بالجلاميد... وينفجر ملء شدقيه ويبعق:

- اللعنة عليك يا إبليس!

ضرب، ركل، شتم، بصق... ولم يكتف. خلع نعليه وبدأ يصفعه.

وكانت حصى الآخرين تنهال عليه من كل صوب، والكل يصرخ:

- اللعنة عليك يا إبليس!.

ملاحظة:

تألم إبليس كثيراً، وأخذ يحبو، يزحف من بين الحصى والصخور جاراً دمه خلفه، وقد اتخذ قراره؛ أن يرحل عن عالم البشر!.

اختيار:

بعد أن دعسته سنابك الخيل، ومعكته في التراب، مطوا رقبته كديك. وأناخوا شفرة السكين عليها، وزعقوا:

- لم تفتش عن المصباح؟

ارتبك، ارتجفت الكلمات في حلقه وارتجت... فصمت.

قالوا:

- ألا تعلم أن السؤال عنه جريمة؟

وبدأت أصابعهم تحز الرقبة!

ارتعش جسده، ارتعدت ساقاه، ثقل جسمه، اصطكت أسنانه، نبع العرق من كل مسامات جلده، تلجلج، شهق:

- لن أفتش عنه، لن أهتم به.. أوامركم على عيني ورأسي!

توقفت الأيدي، وانثالت الأوامر:

- اضحك، ارقص، كن قرداً، دباً..

قهقه، غنى، دربك ودمه يقطر.. بحت حنجرته وهو يجأر.

انسلت دمعة كاوية على خده.

يأس:

بالأمس انتحر! اسمعوا, ما لكم لا تكترثون؟ ودمه سال من السماء برقاً ورعداً ومطراً وثلجاً. أتتابعون طريقكم ولا تبالون؟!

انفلق رأسه، تهشمت عظامه، حامت القطط حوله، نهشت لحمه.

انتحر، رمى نفسه من السماء. أنينه بددته قرقعة المصباح فوق الأرض.

خرج المارد، حدجه ببصره. شتمه شامتاً:

- أتريد الموت لترتاح؟! أكره المبخوعين والدائخين. لن أحقق لك ما تريد. لتبق وجعاً وحزناً وغماً وكآبة!.

المجنون:

في الصباح عادته من كانت ذكرياته المطوية، هروبها جرح وسكين. أقبلت تختال ألقاً ونضارة وغضاضة. وأصبحت لباساً وعطراً وأصباغاً ومجوهرات.

قيل لها:

- هذا مجنون! أضاع عقله وهو يبحث عن المصباح. وجننته العساكر بأمر من السلطان، فانتحر ولم يمت، بسبعة أرواح هو! هرب مارده من بريق السيوف وشلالات الدم.

لم ينم ليلة أمسِ، أطار القلق نعاسه، أنشبت الوساوس فيه مخالبها، وكان يفح في كل هنيهة:

- أبعدوها عني، تريد التهامي، انهروها... اصرفوا القطة، اطردوها.

قالت له أمه بشفقة ورثاء:

- إنها تخدعك، لا تصدقها، إنها تكذب عليك... وجدت المصباح مع غيرك!

أقعى المعتوه لاطياً، ضامراً في زاوية الفراش، يحدق إليها.

ارتجت قمره، غضب وجهها، فاكفهر وقطب وعبس، وتأجج ناراً وغطرسة، فأسرعت رياحاً عاصفة، وصفقت الباب بركاناً.

لجمته الجروح فلم يتكلم. أمسك بشظايا مصباحه، زحف كجرذ نحو النافذة. التصقت عيناه بزجاجها. رآها، نظرت بازدراء وأشاحت بوجهها ومرقت.

غضب ولم يغضب، حنق ولم يحنق، شجن ولم يشجن. نظر إلى نفسه المولودة واحترق بمرارة لاذعة.

رسالة:

يا بني! العمر كله عشته مكلومة. ويلي ماذا فعلت بي؟! قتلتني ولم تدر.

لِمَ لمْ تصغ إلي ّ؟ قلت لك: لم يبق لي غيرك. لا تكن متهوراً، غبياً، أحمق، ولم تأبه. عيناي أنت، كأبيك عنيد. قتله المصباح. وها أنت تلحق به. وأنا الملتاعة.

جننوك ولم تجن. نحروك ورموك من شاهق، ولم تمت.

الأرزاق مقسومة، والناس درجات. ما لنا وللمصباح. تتسكع بين الناس، وتهلوس بأعاجيب الإنس والجان. تلملم حولك الطيبين والمساكين، وتكد معهم في تعقب أثر المصباح.

أنذروك، حذروك، ولم ترتدع. وعلقوا اسمك في كل زقاق وحارة. وكان رأسك صخراً كالجبل.

لم أزعجت صاحب الشرطة، والشاه بندر؟ لم أغضبتهم؟!

من يروي الحكايات من بعدك ؟ أنت وحدك من يعرفها. مَنْ يرويها ؟ مَنْ ؟

القنيص:

ألصقوه بعمود سامق امتد حتى غيوم السماء، فانسكب ماء وورداً وزنبقاً وغاراً.

قرئ بيان الموت:

"على الرغم من تحذير هذا الملحاح، ما زال يلح في طلب المصباح. يجمع الداقعين من أراذل البسطاء والسذج في دياجير الظلمة، ويحرشهم، ويحرضهم على السلطان المعظم، والعسس والبنادرة. لقد دبت الفوضى، واضطرب حبل الأمن والأمان، وصعصع الناس في كل زمان ومكان.

وتبين أن ذاك المأفون الخراص هو المسؤول عن كل شغب للغوغاء والعامة. لقد هوش بين الناس. ولكن أين يختفي من عيون البصاصين والعسسة؟! لقد بثثنا العيون في كل مكان؛ في الجبال والوديان، في البيوت والحارات، في الزوايا والتكايا والساحات... حتى قنصناه......".

قرعت طبول النصر، وقعقع السلاح وخشخش، ولعلعت أهازيج البازار، وزغاريد القصور.

شرخت حجارة القلعة، تزعزعت وتصدعت، فصدحت أغان كئيبة حزينة. وبكت العوام، ولم تنم تلك الليلة.

النهاية:

نظر ببلادة إلى جسده المتكئ إلى العمود بارتخاء، خدر عظمه، غشيه النعاس. أغضى عينيه بارتياح. فرك المصباح. هرع إليه المارد يتبختر، متأبطاً الزمن الماضي والحاضر والمستقبل، حاملاً إليه مشارق الأرض ومغاربها. وقف أمامه، حدب عليه، طأطأ رأسه، وقال:

- أنا المارد العملاق عبد مأمور بين يديك. اطلب، تمن، مر. أنفذ بلمحة البرق ما تشتهي وتتمنى.

أأجعل الأرض لك ذهباً؟ أتريد قصوراً، ملأى بالجواهر والزمرد والمرمر، وفيها حدائق وبرك ماء من العقيق والدر والعاج والزبرجد، أتريد موائد، عليها ما لذ وطاب، وما يخطر في بالك وما لا يخطر؟

قاطعه:

- لا! أرجوك...

قال المارد محتداً:

- أتريد أن أنتقم لك. أهدم القلعة، أحطمها؟ أنفث فيها لهيباً وناراً وأعاصير؟ أزلزل الأرض، أخسفها، أقلب الجبال، أفجر البراكين؟!

قال بهدوء وتوسل حميم:

- أتوق إلى حصان أبيض يطير بجناحين. أو أتوق إلى بساط سحري ناعم كخميلة، يطير بي في الفضاء بين الكواكب والنجوم، أتمدد فوقه وأنام بسكينة واطمئنان.

ملحق تأبيني:

في حكايات ألف ليلة وليلة، بطل واحد هو المقهور والمقموع والمضطهد وهو المنتصر.

تعفن جلده، تعفن على امتداد لياليها السود والبيض والحمر. ثم أشرق كالشمس. أغلقت دونه الخزائن والحدود. غادرته الأشرعة والشواني. حجبت عن عينيه السماء والفضاء والنجوم، وبقي وحيداً في جزيرة الواق واق يلعق جراح جسده المسجى.

ما من طريق إلى جسده. ما تحت السماء عنقاء تلقفه.

رموه جسداً مثخناً مدمى. أحاطوه بالرماح، بالسيوف، بالخناجر، بالسموم. وكان مربوطاً مقيداً بألف حبل وحبل، بألف سلسلة وسلسلة، بألف مكيدة ومكيدة، بألف مؤامرة ومؤامرة. بألف بصاص وبصاص، وبألف عاسّ وعاسّ. بألف جلاد وجلاد، بألف سياف وسياف، بألف سجن وسجن. بألف وزير ووزير، بألف سلطان وسلطان.

وكان وحده بألف روح وروح، وبألف جسد وجسد، وبألف ولادة وولادة. وبألف كبرياء وكبرياء. وبألف لا ولا!.