جميل خرطبيل
منذ أن عادت بي قدماي إلى غزة، بعد ثلاثين عاماً من الترحال، كنت أتردد
إلى شاطئ البحر ما سمحت لي الظروف والأوقات. أتدرج على رماله، وأتأمل
لوحة مياهه وقد امتزجت بزرقتها حمرة الشمس عند الغروب. أرقب الأمواج
وهي تجمع قواها لترتطم بالصخور بكل عنفوانها، ولكنها تتحطم أمام
أقدامها وتتبعثر مقهورة، مخلفة وراءها الزبد المتلاشي بعد هنيهة.
وتعيد الكرة كلما سنحت لها الفرصة، دون كلل أو استسلام. وهذا دأبها؛
تناطح الصخور، والصخر بكبريائه رصين يهزأ بوقار متعالٍ من إصرارها
الصبياني.
وأبقى على الشاطئ، متناسياً متاعب الحياة لسويعات قليلة، عليّ أحظى
بإنسانيّ الضائع في خضم عالم محموم، تتلاحق فيه الأحداث، وتتبدل
المعايير والقيم. وتتجلى فيه التناقضات بين القول والعمل.
وعلى الرغم من محاولات التناسي تلك، تتداعى إلى ذهني - متسللة في غفلتي
عنها - خواطر عما وصلنا إليه، وما كنا نحمله من تطلعات ورؤى.
استهوتني حركات كهل وسيم الطلعة، أنيق المظهر. يبدو وجهه الملوح بالشمس
مؤنساً إلا أن عينيه الكابيتين توحيان بكآبة كمنت خلفهما.
كان يداعب - كطفل- مد البحر وجزره، يماشي الرمال، والمياه تنسل زاحفة
بتؤدة من بين قدميه، فتطالهما وتغمرهما، فيتقهقر برشاقة وخفة. ثم يتقدم
ويدنو ثانية. يشخص ببصره حيث السماء والبحر في عناق أبديّ. ثم ينحني
راكعاً يجمع في كفيه الماء والرمل، تاركاً لهما حرية الانسياب من بين
أصابعه. وأرى شفتيه ترتعشان أمام المياه؛ أهو يدندن، أم يناجيها، أم
يتلو صلوات ما؟!
جذبني الفضول للتعرف إليه. مررت به، تفحصته عن كثب، لم يأبه بوجودي،
ولم أبال بعدم اكتراثه.
وقفت إلى جانبه وحشرت نفسي بينه وبين بحره، وابتسمت له بمودة وحييته،
ردّ التحية بلطف، وتابع هيامه الصوفي.
بدأت أتلمس مدخلاً إليه من خلال مجاملات مألوفة بين غريبين يتقابلان
مصادفة لأول مرة. ثم جررت الحوار باتجاه البحر، فقلت:
- البحر هائج اليوم!
أثار جرس البحر أذنيه كأنما له إيقاع خاص فقال:
- لا! إنه طبيعي... عادي جداً.. قبيل ساعة كنت أسبح.
ابتهجت فقد وقع في شركي، فولجت من الباب العريض:
- كنت أتمتع برؤية البحر فرأيتك...
رمقني بنظرة خاطفة مستغرباً، ثم قفزت عيناه فوق المياه حتى الأفق
اللانهائي. بينما تابعت كلامي؛ فحدثته عن تصرفاته التي استحوذت على
عينيّ. وبحت له بحبي للبحر ولمغيب الشمس في أحضانه.
ارتاح إليّ، لم يبدِ أي انزعاج من تطفلي عليه. وفتح شاهية لسانه للكلام
عن جلال البحر وروعته، وتعلقه به. فتنطعت:
- البحر لغز غامض، والإنسان يحبه لأنه لا يستطيع أن يحل أحجيته. فهو في
وقت واحد: الاطمئنان والرهبة، الراحة والقلق، الجمال والبشاعة...
نظر إليّ ملياً ثم عقب:
- البحر ليس لغزاً ولا غامضاً. له حياته البريئة الخاصة به فهو مرآة
لنفسه. ولكن نحن نرى فيها أنفسنا فنجمله أو نقبحه. وصدره رحب يتسع
لإسقاطات مشاعرنا وأحاسيسنا عليه.
أخذ يسهب في الإفصاح عن بحره. بينما اكتفيت بهز رأسي للإعراب عن سروري
وموافقتي، فاسترسل بمزيد من الثقة واليقين:
- كل منا يحمل أفكاراً، ولكن عقداً وعراقيل تعترضه بأنانيتها. لا تريد
أن تسمعه، أن تعترف بكينونته. وتحتمي في ظل ذرائع وهمية تفضح نرجسيتها.
البحر كما تراه بقلبه الكبير لا يهزأ بنا. وهذا ما ربطني به، فهو
المتنفس الوحيد لي.
أحسست بمعاناة متوارية تعصره، فانسقت وراء إلحاح لهفتي للغوص في
أعماقه.
قلت مازحاً:
- أراك تحمل فلسفة بحرية!
انفرج فمه عن ابتسامة مقتضبة خجولة:
- البحر خطاب مفتوح، ولكل إنسان قراءته، وهذه هي الحرية، وقمة الفلسفة
هي: حرية الإنسان.
تدفق فيض خواطر، رافقها شعور خيل إليّ معه أن البحر يشاركنا، يثرثر
معنا... إنه ثالثنا.
استدركت خيالي السادر، وقلت:
- أنا معك ولكن هناك قراءة أهم؛ الأرض، السلطة، العدو...
بدت الجدية الصارمة على وجهه. خطا بضع خطوات نحو الماء، كأنما يستمد
منه الإلهام. ثم انفلت إليّ ملوحاً بإصبعه، وخاطبني ممتعضاً وباستنكار:
- اسمع! أين عكا في خارطتكم الجديدة ؟
باغتني بسؤاله. فقد كنت على وشك اقتحام قلعته، وإذ به يقرع أبوابي. قفز
إلى لساني جواب سريع، ولكن كنت في ريب من أية إجابة جاهزة، لأنها
غالباً ما تكون واهية أو مزيفة. فنحن لم نستطع أن نحدد بالضبط كيف نعيد
غربة الوطن إلى أهله الغرباء!
وإذا ما حددنا، نتخبط بين الوسائل والغايات. وكم من وسائل صارت غايات
في ذاتها. وفي كل مرة نتبنى موقفاً نجعله الحل المطلق. وتمر الشهور
رتيبة ممضة، ولا نستطيع متابعته فنعود منكسرين فيما بعد لتبديله، أو
لنرضى بما هو دونه. ويصير الدون أمنية الأماني ونهاية المطاف.
وتقمع آمال وأحلام مع موقفنا السابق. وتقمع أخرى مع موقفنا التالي.
وهكذا ندور في حلقة مائعة الشكل، مفرغة إلا من معمعة جوفاء. وفي كل
دورة نوهم أنفسنا بالتقدم، ولكن إلى أين، وآمالنا كسيحة بعد أن فضت
بكارتها، وطموحاتنا تتقزم خريطتها شيئاً فشيئاً.
لبت عن طرح معقول ألوذ به. أعياني المنطق، وأدرك اضطرابي فلم يربك
عجزي، فقطع علي شرودي، وأنقذني من لجة الحرج وقال:
- إيه، أين وصلت؟! دعك من السؤال المعضلة فأنا لا أستطيع أن أهضم ما
يجري. ماذا تعلمنا من الماضي. وهل استفدنا من تجارب الآخرين، ومن
تجاربنا المريرة التي خضناها ، ألم نشبع من التجارب ؟ أشك في ذلك!
وتمهل لحظة وتابع:
- لا أريد أن أصدق عيني ! رفاق الدرب يعتقلون من يكافح العدو!
وانسلت دمعة من عينيه ، وتحشرجت الكلمات في حلقه:
- إذا أردتم أن تكونوا هناك، فابدؤوا من هنا... البحر واضح تماماً، وهو
لا يغيب الآخر، ولا يجهض الأمل. لتأتوا البحر، فتتعلموا منه كل شيء؛
معنى الصفاء والنقاء، معنى الحرية والآخر، معنى الأمنيات.
رتبت أفكاري المشتتة بعد لأي:
- لا أحد يستطيع وأد الأمل، لكنك تبحث عن خلاص فردي، إنه الواقع وعلينا
أن نفعل شيئاً تجاهه، تجاه الآخرين. لا أن نأتي البحر، البحر هو
الهروب!
تبدلت أساريره وامتقع لونه، فعدلت من وطأة لساني السليط، وأكملت
لأسترضيه، ولست أدري أأخدعه أم أخدع نفسي:
- الإيمان بالآخر قضية أخلاقية وقانونية. ولا يحق لأحد أن يفرض عليه
أهواءه. والولادة لن تكون بغير الحرية، وبغير الخريطة كلها. لكن ذلك لن
يتحقق دفعة واحدة. هناك ظروف ...
حدجني بنظرة حادة، لم أستشف مغزاها؛ أهي اشمئزاز، أم رثاء وشفقة. ثم
مال إلى الأرض، وقرفص وأخذ يعبث بالماء، فقرفصت قربه وقلت:
- الاستمرار مع البحر لن يعيد إنساننا المهرق دمه. ولن يساعد في بناء
حياتنا الجديدة.
زفر طويلاً، ونظر إلى البحر ورد:
- سيعيد إنساني المنسيّ، اغترابي سكين قاتلة.
ثم قام منتصباً وهو يرنو إلى الغرب المتألق احمراراً. ثم حدق إلى عيني،
وتابع بتهكم:
- لا أصدق بأنك تعمل من أجل الإنسان، في الوقت الذي فيه تستخف به،
تهمشه، تزرع الرعب فيه، تستبيحه... إنك عندما تفعل ذلك تكون قد دمرته،
فماذا يتبقى له؟! من يدعي العمل من أجل الإنسان، يحترم إرادته وأفكاره،
وأحلامه المعششة فيه.
أتدري؟ لقد سئمت، والاستياء يتغلغل في دمي. ما قيمتي كإنسان له رؤى؟
تراودني أحياناً أفكار سوداء، فألجمها. ولكن ربما يأتي يوم تنفلت فيه
من عقالها!
حرت في أمري. فقد حصرني الغريب في زاوية ضيقة. أغلق أركانها عليّ.
كبلني، ورماني في بحره أصارع الأمواج، وأنا الغريق الحي. وأسعفتني قشة
اقتنصتها منه، خلت أني من خلالها اخترقت ثغرة في بنائه الشامخ،
متجاهلاً شروخات بنائي الهش:
- كيف تسأم والبحر لا يسأم مدى الدهر؟
أجابني بصراحة:
- لم نمل طوال السنين المنصرمة. ولم نتوانَ عن فعل شيء. ولكن الآن،
عندما أنظر إلى المستقبل، يصيبني الاكتئاب!
عند هذا الحد، عمدت إلى قلب الصفحة كلها. فلم أجد مخرجاً سوى المراوغة،
وقد آلت صنواً لحرفتنا، لأريح نفسي من ثقل هواجس جثمت على صدري، وضيقت
عليّ تنفسي. فسألته بسذاجة:
- وإلى متى يستطيع الإنسان أن يحاكي البحر؟
انتبه إلى دهائي في الفرار، فضحك مني، وقال:
- هذا متوقف على إيمانه بالفلسفة البحرية!
جرعت سخريته المرة، وساد صمت ونحن نسير معاً، محاذيين بقايا انكسارات
الموج فوق الرمال الخابية اللون.
طوى البحر الشمس في غياهبه، وزحفت العتمة باتجاهنا، ولم يبقَ في جعبتي
أي فضول متأجج يستحثني. استأذنت منه وودعته دون أن نتواعد على أي لقاء
آخر. وسرت في طريقي، وذاتي الغافية في بئر عميقة متوترة. تنبش الحجارة
والتراب عن منفذ لها. وما إن تبزغ حتى يخنقها الواقع، فتهمد وتنكفئ إلى
قاع مظلم لا قرار له.
***
كرت أسابيع حرمتني من زيارة البحر، وقد أتخمت نفسي بالمفاجآت التي
تشرذمنا وتسلخنا أحياء. وتمكن مني اشتياق طاغ، شدني عنوة إلى صاحبي
الغريب. فاختلست عصر يوم هادئ ، وتوجهت نحو المكان الذي التقيته فيه.
نقبت عنه في الشاطئ، وجاست عيناي الأمواج والأفق. وارتدت منحسرة إلى
الصخور، لتستقر هناك. فقد لمحت إنساناً ظننته هو. هرعت وصوتي يسبقني
إليه. كان صياداً ممسكاً بصنارة بين يديه. وصلت إليه متقطع الأنفاس،
وسلمت عليه، وانتظرت حتى سكن لهاثي، وخفت ضربات قلبي. فوصفت له صاحبي-
أستاذ التاريخ- عسى أن يكون قد رآه. وحين انتهيت، انتفض كمن صعق غرة:
- نعم أعرفه، لقد ابتلعه البحر!
لم أفهم، فاستفسرت عن مقصده، وأنا مبهوت. فقال بعد أن هدأ انفعاله:
- من حضرتك؟
- صحفي.
***
ترك صنارته، واقترب مني، وأخرج سيكارة وأشعلها. امتص نفساً عميقاً
منها، ونفثه ببطء، ريثما يجمع بشباكه كلماته المبعثرة:
- من لم يسمع به؟! كان دائماً على رأس التظاهرات ضد العدو، وسجنته
سلطات الاحتلال مرات عديدة. لقد اعتاد أن يأتي إلينا، يجلس معنا، ويشرب
الشاي في العريش هناك – وأشار بيده إلى عريش عند الصخور هو أشبه بمقهى
يؤمه الصيادون للاستراحة- ويحدثنا عن البحر والحرية.
- كلامه كالعسل لم نسمعه من أحد قبله... عقله يوازي جبلاً. أحببناه،
معشره حلو...
وبعد أن يشرب الشاي، يروح إلى السباحة. وقبل أسبوع تقريباً جاء إلى
العريش كعهدنا به، وشرب الشاي ثم غير ملابسه، وتركها عندنا، وذهب
ليسبح. حذرناه من سوء حال البحر ومن التيارات، فلم يهتم. انه سباح
ماهر. وقلبه قُدَّ من صخور الشاطئ.
***
رأيناه يسبح، وفجأة جرفه التيار. وقفنا مشدوهين. صحنا به كي يرجع…
صرخنا… لكن، من المستحيل أن يسمعنا! خفنا عليه. ركضت واثنين، وركبنا
القارب في إثره. جدفنا بكل قدرتنا وهو يتوغل أكثر فأكثر.
وازداد الموج ارتفاعاً، ونشطت التيارات وقويت. التيارات مخيفة، بأقل من
لمحة البصر تسحبك ولا تحس بها ، فتجد نفسك بعيداً جداً. أمسى البحر
فظيعاً، وحشاً عاتياً.
أطلق دخانه كثيفاً نحو البحر. وارتسم الحزن في أخاديد قسماته، وعيناي
جاحظتان إلى فمه:
- لقد اختفى عن أعيننا تماماً. كاد أحدنا أن يختطفه الموج من وسط
القارب.
أنهكنا التعب، ونحن نجد في الوصول إلى البر، حاملين خيبتنا كالمجانين.
أبلغنا شرطة الساحل وتابعنا البحث بلنشاتهم الكشافة طوال الليل دون
جدوى.
***
وفي الصباح الباكر، فتشنا عنه وعلى امتداد الشاطئ ، ولبضعة كيلو مترات
في عرض البحر وطوله، ورأينا دوريات العدو ، فعدنا، وما من أثر له. وحتى
الآن لم نسمع عنه أي خبر.
قلت بصوت خافت كأنما اندلق من أعماق المياه:
- اختفى، لم تجدوه...؟!
واختنقت الكلمات في حلقي. فربت الصياد على كتفي، وقال بكل تواضع قدري:
- البحر عملاق، وماذا نستطيع أن نفعل تجاه جبروته؟! نحن بشر. البحر
شيطان إن تمرد. اسألني أنا، أنا صياد.. إنه صعب الترويض، ولا حدود
لشراسته إن غضب. من يتجرأ على تحديه؟ انظر إليه الآن.. ناعم هادئ
كحمل.. وديع كملاك..
***
بدأت شفرة النصل تقطع أحشائي. لفتني دوامة بعباءتها، وأزاغت بصري.
فامتد تقيؤ إلى حلقي، فجرضت بريقي بصعوبة. نظرت إلى البحر أود لو
ألومه، أشتمه، وأنا أتماسك من الانهيار.
شبح غريب يتماوج كسراب فوق صفحة المياه. عيناه تائهتان في المجهول.
خال غروري أنه سبر غورهما، فأرضى تكهناتي عنه، لكن ما فائدة كشف خفايا
الآخرين، أو الاستماع إليهم، إذا كنا في النهاية لا نرى إلا أنفسنا؟!
لم أدرك مأساة الإنسان إن كانت غربته في داخله، ولم يخطر في بالي أن
الإنسان ينتهي إن وقع ضحيةً بين ما يجب أن يكون وما هو كائن.
إنه المرآة التي ما فتئت أدفنها في رمال الشاطئ، لئلا أرى تشوهات وجوهي
في تهشمها، بعد أن انزلقت في فخاخ أودية سحيقة. فتهت في فنجان قهوة،
وتبخرت أوهامي كفقاقيع صابون.
اكفهر البحر أمام عيني. ودخلتني الروعة، فاقشعر جسدي ولفعتني وخزة برد،
وهو يزدرد الشمس بشراهة، ودمها الأرجواني ينزف منها. أدرت له ظهري،
وهرولت مبتعداً، وأصوات قادمة من بعيد، وهي تشيع شهيداً آخر.
|