خطاب لدعاة القرار 194

 

جميل خرطبيل

كل فلسطيني مؤمن بحقه الطبيعي والتاريخي في العودة إلى وطنه وأرض آبائه وأجداده، ولن يتخلى عن حقه مهما طال الزمن.

وهذا الحق الطبيعي في العودة ليس مبنياً على القرار 194 وليس منة من المجتمع الدولي، بل الفلسطيني لا يحتاج إلى تلك المرجعية لتقرر له ما هي حقوقه وهي التي سلبته إياها وارتكبت بحقه أكبر جريمة في تاريخ البشرية.

لقد رفض الشعب الفلسطيني قرار التقسيم رقم 181 الصادر عام 1947 لأنه قرار إجرامي سلب من الشعب الفلسطيني معظم أراضي وطنه، ومنحها لأجانب غرباء (مستعمرين) لا يمتون إلى فلسطين بأية صلة لا حديثاً ولا قديماً.

لقد طُرد الفلسطيني وهُجّر بالقوة من وطنه، وحرم من العودة إليه، وعومل كأنما هو الغريب المتطفل، مع أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان نصت فقرته الثانية من المادة 13 أنه: (لكل فرد الحق في مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده، والعودة إلى بلده)!

وقانون العودة الصهيوني الذي صدر عام 1950، وأيضاً قانون الجنسية الصادر عام 1952 يعطيان الحق لأي يهودي في العالم (واليهودية دين وليست جنساً أو عرقاً أو إثنية) الهجرة إلى فلسطين والاستقرار والإقامة والجنسية في الكيان الصهيوني!

إن القرار لا يتعامل مع الفلسطينيين كشعب له كيانه وتاريخه وحضارته، إنما يتعامل معهم كلاجئين (مجهولي الهوية) لا غير، بينما يتعامل مع الطرف الآخر كدولة لها كيان وشعب له حقوقه وهويته الواضحة!!

وكان الهدف منه تثبيت واقع التقسيم وتثبيت ما سلبه الكيان زيادة على ما شرعته الأمم المتحدة للصهاينة، وتشريع سرقة القدس بادّعاء تدويلها بينما تركت المجال للصهاينة ليضموا معظمها إليهم. ولأن آباءنا وأجدادنا فهموا حقيقة القرار 194 وأبعاده (أكثر من بعض مثقفي عصرنا) رفضوه، وإن لم يمتلكوا القدرة الكفاحية على إسقاطه!

فلماذا يفقد بعضنا البوصلة فيتجه إلى قرار لا يعيد الحقوق، وهو يعلم في قرارة نفسه أن العودة لن تتحقق إلا بتحرير فلسطين من الصهاينة المستعمرين، وأية دعوة للعودة دون ربطها بالتحرير لن يكتب لها النجاح!

ومن حق الشارع الفلسطيني أن يتساءل لم كثرت لجان حق العودة ولا سيما بعد مشاريع التسوية (القائمة على الاعتراف والسلام والتطبيع) وبلغت ما يقارب المئة والخمسين لجنة ومعظمها مدعوم من جهات غربية!

أليس حصر النضال (السياسي فقط) بالقرار المذكور، الهدف منه جعل الكيان الإسرائيلي مسلماً بوجوده كحقيقة غير قابلة للنقاش لأن القضية ليست استعمار فلسطين عام 48 وإنما فقط مشكلة اللاجئين؟!

إن تلك اللجان حصرت نفسها بقضية المُهجَّرين (اللاجئين) وجعلت جوهر الصراع في المنطقة هو قضية اللاجئين (المهجرين على الأصح) وهذا تزييف لحقيقة الصراع؛ فجوهر القضية هو استعمار فلسطين لتكون قاعدة للإمبرياليات الغربية ولإجهاض مشروع النهضة العربية والوحدة، وقضية المهجرين هي نتيجة وليست هي السبب، وتحويل النتيجة إلى سبب يعني طمس جوهر الصراع بهدف إسقاط التحرير وهذا يعني إنهاء وتصفية القضية الفلسطينية!

والادعاء بأن العودة - إن تحققت أو تحقق جزء منها- تؤدي في النهاية إلى إزالة الكيان وبالطرق الديموقراطية عندما تسيطر الأكثرية الفلسطينية، غير صحيح وهو كلام طوباوي يدل على عدم استيعاب حقيقة المشروع الصهيوني كقاعدة وظيفية لخدمة الإمبرياليات الغربية وعلى رأسها أمريكا.

كما أن الكيان لن يقبل بعودة اللاجئين الفلسطينيين فهذه القضية محسومة (لأنه يعرف أنها ستقضي عليه كما يصرح بذلك سياسيوه وقادته)، بل هو يعمل على تهويد الدولة وما لهذا من أبعاد خطيرة على شعبنا في أراضي الـ 48 ليحسم خطر (القنبلة الديموغرافية الموقوتة)، والغرب كله يدعم ذاك الموقف!

ونلاحظ أن الأرضية التي تقوم عليها التسوية (السلمية) لا تتعامل مع قضية المهجرين كشعب له حق في كل وطنه، بل تطرح الموضوع بتسوية لمشكلة اللاجئين كصيغة إنسانية لا أكثر!

وهذا الموقف تبناه العرب حتى القيادة الفلسطينية فعرفات لم يربط الاعتراف بالكيان الصهيوني بحق العودة، وكذلك مصر عندما اعترفت هي والأردن بالكيان وكذلك الدول العربية التي تطبع مع الكيان.. فقد أسقط أولئك حق العودة، حتى من مبادراتهم ومن مشروع السلام!

ذات مرة سألت صحفية غربية ياسر عرفات عن حق العودة، وضربت مثلاً عن الفلسطيني من صفد، فقال يستطيع ابن صفد أن يزور صفد متى شاء ولكنه مساء يخرج منها مثل أي سائح!

ما يلفت النظر في القرار 194:

1- القرار غير ملزم لأنه صادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، وحتى لو كان صادراً عن مجلس الأمن فلا يعني ذلك أن يلتزم به الكيان الإسرائيلي كما لا يمكن فرضه عليه، فكم من القرارات التي صدرت عن الجمعية العامة بل وعن مجلس الأمن ورماها الكيان خلف ظهره وبدعم أمريكي!

2- القرار هو إنشاء لجنة للتوفيق أي المصالحة، تقريب وجهات النظر.. بين الطرفين، لفرض واقع جديد فرضه الصهاينة:

الطرف الأول دولة لها كيان وراءه الأمم المتحدة والإمبرياليات الغربية والعرب المتواطئين.

أما الطرف الثاني فهو بلا كيان، بل هو مغيب وبقي مغيباً!

والمطروح خطوته الأولى الاعتراف بواقع ما صنعه الاستعمار الصهيوني على الأرض وليس كما قررته له الأمم المتحدة في القرار 181، كما أنه صاحب قرار السماح أو عدمه، والسماح ليس نتيجة آلية للاعتراف، فالاستعمار موجود ولا قيمة لاعتراف الفلسطيني أو عدم الاعتراف!

إن المبالغة في التمسك بقرارات الأمم المتحدة وبعد ستين عاماً من معرفة جوهرها أمر غريب، مع أن الأمم المتحدة أصدرت عشرات القرارات غير الملزمة للتأكيد على القرار رقم 194، وكلها تؤكد الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي شردوا عنها واقتلعوا منها!

وأقوى قراراتها قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها 29 برقم (3236) الصادر في 22/ 11/ 1974، الذي ورد فيه أن الجمعية العامة: (إذ تعترف بأن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين لا تزال تعرض السلم والأمن الدوليين للخطر، واعترافاً منها بأن الشعب الفلسطيني قد منع من التمتع بحقوقه غير القابلة للتصرف، لا سيما حقه في تقرير مصيره..).

توصلت إلى قرارات هامة منها: (2- وتؤكد من جديد أيضاً حق الفلسطينيين، غير القابل للتصرف في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي شردوا منها واقتلعوا منها، وتطالب بإعادتهم).

ونلاحظ ربط القضية الفلسطينية بالاعتراف بشرعية الكيان الصهيوني على الأراضي التي احتلت قبل عام 1967، وهو يسقط الحق الفلسطيني بأراضي الـ 48!

ومع أن الفقرة الخامسة تقول: (وتعترف كذلك بحق الشعب الفلسطيني في استعادة حقوقه بكل الوسائل وفقاً لمقاصد ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه). فلماذا لا تبحث لجان العودة عن أساليب أنجع أو على الأقل أن تعتمد على هذه الفقرة للدفاع عن المقاومة؟!

إن الهدف الأول والأخير هو إشغال الفلسطيني وإلهائه بالأمل بالحلول الإنسانية السرابية لا أكثر حتى يطويه الزمن!

وحق العودة إلى الديار لا يحتاج إلى قرار، ولكن إلى شجاعة تفرضه على العالم كله!

والنضال عبر أروقة الأمم المتحدة لا يجدي وسقفه مقيد بالاعتراف بالكيان الصهيوني، وإذا ما كان هناك إصرار تلك اللجان على التمسك بالشرعية الدولية وبأن الكفاح هو فقط عبر حلبة قراراتها، فلماذا لا تطرح قرار التقسيم 181 وهو سبب القرار 194، والذي لا يعطي الكيان إلا 54 % فقط من الأرض الفلسطينية، وكل ما أخذته العصابات الصهيونية زيادة على ذلك لا يستند إلى تلك الشرعية العتيدة (1)!

وأيضاً نسأل لجان العودة المراهنين على الشرعية الدولية والأمم المتحدة، لماذا لا يطرحون تحويل قضية المهجرين (اللاجئين) إلى المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة (مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين) التي أنشت لحل مشاكل اللاجئين عقب الحرب الأوربية الثانية، وقد ظهرت للنور عام 1951. وقد حلت إشكاليات كثيرة في العالم تمس عشرات الملايين اللاجئين لفعاليتها القوية، وحازت على جوائز عديدة دولية منها حصولها مرتين على جائزة نوبل للسلام، والمضحك أن الكيان الصهيوني عضو فيها (2)!!

ففي النظام الأساسي للمفوضية تعمل المفوضية وتساعد على إعادة اللاجئين إلى أوطانهم وديارهم وأرضهم التي شردوا منها، وآفاق القرار وبحسب المصالح الغربية قد تصل إلى استخدام كل الأساليب بما فيها القوة العسكرية التي يشكلها مجلس الأمن (وبالطبع المزاجي المرتبط بمصالح الغرب).

ولكن المفوضية اتخذت الاحتياطات مسبقاً تجاه المهجرين الفلسطينيين، فأخرجتهم من دائرتها؛ ففي نظامها الداخلي ليس من صلاحية المفوض السامي وضع اللاجئ الذي حصل على الحماية أو المساعدة من أجهزة الأمم المتحدة أو وكالاتها الأخرى..

وقضية المهجرين (اللاجئين) الفلسطينيين التي وضعت تحت تصرف وكالة الغوث لتقديم الخدمات شبه الإنسانية (وهي ليس في نظامها الداخلي ما يشير إلى أي التزام بإعادة اللاجئين إلى ديارهم وأوطانهم التي شردوا منها)، لا يمكن وضعها تحت تصرف المفوضية لأنه لا ينطبق عليها النظام الداخلي للمفوضية العليا.

لذلك عصابة الأمم المتحدة أخبث مما يظنه البعض بنواياهم الساذجة أو الموظفة في خدمة مغرضة، فهي في الأساس عملت على مشروع إقامة الكيان وهذا يتطلب تفريغ الأرض الفلسطينية من سكانها للمستعمرين القادمين من شتى بقاع الأرض، ومشكلة المهجرين ضمن ذاك المخطط لا يمكن إعادتهم لأن عودتهم تنسف المشروع، لذلك يتم الحل بالتنسيق مع الدول المستضيفة للعمل على توطينهم (السكن والتأهيل وتقديم المساعدات شبه الإنسانية) لإنهاء قضيتهم في المنافي حيث يبتلعهم الزمن.

وقد أبدت بعض الدول العربية موافقتها على توطين المهجرين إليها منذ عام 48، ولكن رفض الشعب الفلسطيني لكل أشكال التوطين أفشل ذلك حتى الآن، وفي المستقبل لن يكون غير ذلك!!

***

إن موقف معظم لجان العودة سلبي (سكوني وجامد) لا يأخذ بعين الاعتبار التطورات ولا سيما ما أفرزته انتصارات المقاومة الوطنية اللبنانية وعلى رأسها حزب الله عام 2000 و 2006 وأيضاً ما حققته المقاومة الفلسطينية في الانتفاضتين.

ولم تتحول اللجان إلى فعل إيجابي فاعل على الأرض كأن تقود مسيرة سلمية للمهجرين الفلسطينيين تخترق الحدود إلى فلسطين من لبنان أو الأردن مثلاً (سفن كسر الحصار عن غزة نموذج)!!

لا يصح أن ننشر في الشارع العربي ثقافة القرار 194 لأنه يخدع شعبنا ويمنيهم بعودة لا وجود لها على الإطلاق، وهو قد يصلح لمخاطبة العقل الغربي فقط لإحراجه لا أكثر، أما مخاطبة الشارع العربي والفلسطيني فيجب أن تبنى على الثوابت التي طرحها الميثاق الوطني بالربط الجدلي بين التحرير والعودة، أي نشر ثقافة المقاومة، ثقافة التحرير والعودة، وهذا هو الحل الوحيد لكل وطني شريف في المهاجر.

ـــــــــــــ

الهوامش:

(1) لكن لا بد من التذكير أن قرار التقسيم مخالف لميثاق الأمم المتحدة. ومع أن الكيان الصهيوني انتهك القرارات العديدة، لم تقم الأمم المتحدة باتخاذ أية عقوبة ضده مع أنه ورد في المادة السادسة من ميثاقها:

(إذا أمعن عضو من أعضاء "الأمم المتحدة" في انتهاك مبادئ الميثاق جاز للجمعية العامة أن تفصله من الهيئة بناء على توصية مجلس الأمن)!!

بينما أسرعت لتشرع ضرب العراق لانتهاكه الشرعية الدولية، ثم السودان..!!

(2) www.unhcr.org

UNHCR: The Office of the United Nations High Commissioner for Refugees.

أنشأت الجمعية العامة بموجب قرارها 319 (د – 4) في 3 كانون الأول عام 1949 مكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ابتداء من أول كانون الثاني عام 1951.

واعتمدت الجمعية العامة النظام الأساسي لمكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بتاريخ 14 كانون الأول/ ديسمبر 1950 كملحق لقرارها رقم 428 (د - 5).

وقد ورد في ملحق النظام الأساسي لمكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين - الفصل الثاني تحت عنوان (وظائف المفوض السامي) النقطة 7 التي تحدد عدم امتداد اختصاص المفوض السامي إلى، فتذكر ضمن فقرات (آ، ب، ج، د) الفقرة ج: (الذي يستمر في الحصول على الحماية أو المساعدة من أجهزة الأمم المتحدة أو وكالاتها الأخرى).

وقد جرى تعديل على تلك المقترحات فظهرت الاتفاقية على النحو التالي:

اتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين اعتمدها يوم 28 تموز/ يوليو 1951 مؤتمر الأمم المتحدة للمفوضين بشان اللاجئين وعديمي الجنسية، وقد دعت الجمعية العامة إلى انعقاده بمقتضى قرارها 429 (د - 5) المؤرخ في 14 كانون الأول/ ديسمبر 1950.

تاريخ بدء النفاذ: 22 نيسان/ أبريل 1954 طبقاً للمادة 43.

الأطراف الساميون المتعاقدين...

اتفقوا على ما يلي:

الفصل الأول

أحكام عامة

المادة 1

تعريف لفظة "لاجئ" وعلى من ينطبق، وفي الفقرة د نجد: (لا تنطبق هذه الاتفاقية على الأشخاص الذين يتمتعون حالياً بحماية أو مساعدة من هيئات أو وكالات تابعة للأمم المتحدة غير مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

فإذا توقفت هذه الحماية أو المساعدة لأي سبب دون أن يكون مصير هؤلاء الأشخاص قد سوّي نهائياً طبقاً لما يتصل بالأمر من القرارات التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة يصبح هؤلاء الأشخاص، بجراء ذلك، مؤهلين للتمتع بمزايا هذه الاتفاقية).

لقد بدأت أعمال المفوضية من عام 51 وتوسعت صلاحياتها عام 1967.. بينما قرار 194 قبل ذلك (11/ 12/ 1948)، فلم يوضع اللاجئون الفلسطينيون تحت رعاية المفوضية.

وتُعرف المفوضية اللاجئ بأنه (شخص فر من بلده بسبب خوف له ما يبرره من التعرض للاضطهاد بسبب عرقه أو دينه أو جنسيته أو رأيه السياسي أو انتمائه إلى فئة اجتماعية معينة، ولا يستطيع أو لا يرغب فى العودة).