هكذا تكلّم الكواكبي رائد النهضة العربية

اغتالته السلطة في الرابع عشر من حزيران سنة 1902

وماتزال أفكاره حيّة لاتموت

في القرن الماضي، وفي ظروف القهر والجهل والجوع، وتحت سياط الدولة العثمانية المريضة، ومع غياب وسائل الاتّصال السريع ، أبدع الكواكبي صحيفتيه (( الشهباء )) و (( اعتدال )) بتمويل ذاتيّ وجهد فرديّ ، حيث كان الكاتب والطابع
 والموزّع . كما ألّف (( أم القرى )) بشكل روائي جعل كثيراً من الباحثين يظنوّن أنّه سجلّ لوقائع حقيقية . ووضع طبائع الاستبداد )) مبيّناً علاقاته المختلفة .

فكم واحداً منّا ـ نحن العرب المعاصرين ـ يستطيع أن يحرّك الفكر من حوله بمقدار ما حرّكه الكواكبي ؟

وهل نحن عاجزون ، في ظل الاستقلال والتقنيّة الحديثة، عن إنجاز ما فعله أجدادنا ؟ ولماذا ؟

أتراها الهجمة المستعِرة على الاستهلاك ، أم هو الاستبداد الذي يطبق على أفكارنا بحيث نعجز عمّا استطاعه
 مفكّرو
 القرن الماضي ، بالرغم من ظروف القهر والتخلّف؟

والكواكبي واحد من أجدادنا الأفذاذ ـ رواد النهضة الذين حاولوا النهوض بالواقع إيماناً منهم بمسؤوليّة العلماء في
 توعية الناس ليقدروا على المطالبة بحقوقهم بعد أن يدركوا أنّهم بشر أحرار في صنع مـصائرهم .

وبالرغم من أنه واحد من القلائل الذين تُذكر أسماؤهم في الكتب المدرسيّة ، نكاد لا نعثر إلاّ على عدد ضئيل ممن 
 يعرفون إسهاماته في محاولة النهضة العربية تحت لواء علم عربي واحد ، لا يتعارض وجوده مع رابطة تضمّ
الشعوب الإسلاميّة ،ولا يتنافى ودخول العرب في تحالفات مختلفة مع الآخرين . وكثير منهم لا يعرفون صيحاته
التي تندد بالاستبداد ، وتدعو إلى تحرير العقول من الجمود، وتطالب بضرورة الاجتهاد في الإسلام الذي وُجد من
أجل سعادة الإنسان .

ولد الكواكبي عام / 1855 / وتنقّل بين حلب وانطاكية لمتابعة دروسه ، وكان يتقن الفارسية والتركية إلى جانب لغته
الأم . أمتاز بنشأته ذات الثقافة الدينية ، وتربيته العلمية ، حيث تلقى علوم الشريعة والفلسفة والاقتصاد والسياسة.

عمل في صحيفة ( فرات ) ثم ضاق ذرعاً بها ، فأنشأ أول صحيفة مستقلة في حلب ( الشهباء ) وهو في الثانية والعشرين
 من عمره ، إلاّ أن السلطات أغلقتها لأنها هاجمت فساد الإدارة في الحكم .

ثم أصدر صحيفة ( اعتدال ) بالعربية والتركية ، ما لبثت أن توقفت أيضاً . عمل في أعمال كثيرة منها الصحافة
 والمحاماة ، واستلم مناصب متعددة كرئاسة غرفة تجارة حلب ، ورئاسة البلدية .

حكم عليه بالإعدام لكنّه برّيء عندما دافع عن نفسه بعد انتقال محاكمته إلى بيروت .

ثم هاجر إلى مصر ليتابع نشر فكره الإصلاحي بعيداً عن ضغط استبداد الحكومة ، وكان يحمل معه 
مخطوطي( أم القرى ) و ( طبائع الاستبداد ) حيث نشر فصولهما في الصحف المصرية حتى ذاع صيته .

ثم سافر إلى آسيا وأفريقيا للتعرف إلى أحوال العرب والمسلمين هناك ، ولكن ما لبث أن عاد حيث دسّ له السم في
 فنجان قهوة بإيعاز من السلطات، وبموته فقدنا أحد أقطاب الفكر العربي الحديث. كانت صحافته مفقودة ، حتى عثر على بعضها
الباحث ( جان داية ) في إحدى جامعات ألمانيا مؤخراً ، ونشرها في كتاب ( صحافة الكواكبي ) وقد تناول
ته بالدراسة في
 كتابي ( الاستبداد وبدائله في فكر الكواكبي ) أما مؤلفاته المفقودة التي لم يتم العثور عليها فهي:

( صحائف قريش ـ العظمة لله ـ أمراض المسلمين والأدوية الشافية لها ـ أحسن ما كان في أسباب العمران ـ ماذا
 أصابنا ؟ وكيف السلامة ؟ ) .

 أما كتاب ( طبائع الاستبداد ) فهو أهم ما كتب الكواكبي.

ومن خلاله استطاع أن ينهض بفكره وسط القمع والجهل والتخلّف.

عاش الكواكبي واقعاً موبوءاً بسيطرة العثمانيين من جهة ، وبجهل مواطنيه وتخلّفهم من جهة ثانية، وهو المطلّع
على أفكار التحرر الأوروبية والمتشبّع بالأفكار الإسلامية الأصلية ، مستنداً إلى تراثٍ عربيّ عريق . وقد لاحظ الواقع
 الفاسد ، وتساءل عن أسباب التدهور ( الذي يسميه الفتور ) لدى الشعوب الإسلامية عموماً ، والأمة العربية
خصوصاً ، ورأى أنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام :

ـ دينية وسياسية وأخلاقية ، حيث انتشرت عقيدة الجبر وساد الجدل والتشديد وفشا الزهد والتهاون ، مما أدّى إلى تحريف
 الدين ، وفقدان الحرية في ظل السلطة المطلقة والحكم المركزي ، وقد تفرق المسلمون إلى أحزاب وفرق ، فانعدم التنظيم
 والعدالة والمساواة والشورى ، وكثر النسل ، وفقدت التربية ، وأهمل تعليم النساء ...

هذا في حين أن الإسلام أتاح للمسلمين فرصة الالتقاء والتشاور عن طريق الجمعة والجماعة والحج ، وأرشدهم إلى
 الشورى والعدالة ، وخصّهم على طلب العلم .

بعد مناقشة تلك الأسباب العديدة حاول الكواكبي أن يرجع الشرور الاجتماعية كلَّها إلى عامل يؤدي إلى تعطيل النظام
 السياسي المنوط به كل شيء في النهاية ، ف
اكتشف الاستبداد ، علة العلل ، وذلك لأنه رأى أن التخصص في العلة
 يؤدي إلى التخصص في الحل . يقول بعد ثلاثين عاماً من الدراسة : " تمحّص عندي أن أصل الداء هو الاستبداد
 السياسي " . وأن الانحطاط عرض له ، والاستبداد في حقيقته سياسي يستند إلى أيديولوجيا فكرية إلى جانب الجيش
 والمال حيث تجتمع عناصر الاستبداد الأساسية، الفكر والثروة والسلاح ، وذلك لأن السياسة هي التي تسيطر
 على المؤسسات الأخرى في النهاية .

وقد عرّف الكواكبي أن الاستبداد لغةً بقوله : " هو استئثار المرء في ما تجب عليه المشاركة فيه " وعرّفه اصطلاحاً بقوله " هو تصرّف فرد في حقوق القوم بلا حسيب ولا رقيب "

يقول " ويراد بالاستبداد عند إطلاقه استبداد الحكومات خاصة " .

فالاستبداد الأكبر هو الاستبداد السياسي الذي تنطوي تحته كل الاستبدادات ، وهو تصرف أشخاص السلطة الحكومية في
 حقوق الشعب من غير قانون بما يخدم أهواءهم ومصالحهم .

ويفرّق الكواكبي بين السياسة والاستبداد ، فالسياسة هي إدارة الشؤون المشتركة بمقتضى الحكمة ، أما الاستبداد فهو
التصرف في الشؤون المشتركة بمقتضى الهوى .

ويمكن أن يقوم بالاستبداد فرد أو جماعة ، و على اختلاف أشكاله يتمثل بغياب القانون أو تغييبه من خلال إمكان الحكّام
إبطال قوة القيد متى شاؤوا
.

نستدل على الحكومات المستبدة من ملاحظة غلوائها في مظاهر فارغة كعظمة الاحتفالات ومراسم التشريفات ، وتعظيم الملوك وفخامة القصور ، وعلائم الأبّهة التي تحاول بها التعويض عما ينقصها من الحكمة في إدارة شؤون البلاد ، ومن تحظيرها استخدام كلمات مثل حرية ـ وجمعية ، ومواطن ، ووطن ، وحقوق .

وانتشار ألفاظ التعظيم فيها مثل ‘‘ سيدي ، وعبدكم ، والمولى المقدس .. الخ ‘‘ .

ويرى الكواكبي أن الحكومات التي تغفل عنها الأمة تنقلب إلى مستبدة ، معتمدة على الجهل والجنود والأثرياء
 والمتمجدين والمتعممين (
إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها) ومن أهم دعائم الاستبداد هم
 أسراه ( كما تكونوا يول
ّ عليكم ) فمسؤولية الاستبداد تقع على العلماء أوّلاً ثم على العامة ، كل بحسب درجة وعيه .

ويعتمد المستبد ـ أيضاً ـ على جبن الرعية ( ولو رأى الظالم إلى جنب المظلوم سيفاً لما أقدم على الظلم).

أما عن علاقات الاستبداد وآثاره فيرى الكواكبي أن الاستبداد يفسد كل ما له علاقة به فيحرف الدين ويفسد
 الأخلاق ، ويعزز التفاوت ويفرق الجماعات ، حتى ينقلب الناس إلى مستعبدين صغار في كنف المستعبد الأكبر .

فالاستبداد ليس حاكماً وحسب ، إنه نظام شامل من الأعوان والطفيليات المستفيدة من واقع فاسد ، لذلك لا بدّ من
إزالة الاستبداد واستبداله مبتدئين بإصلاح الدين في أذهان المسلمين .

لقد رأينا عند الكواكبي أربعة أشكال استبدادية ، صنّفت بحسب الهيئة الصادر عنها ، وفي مقابلتها يضع الكواكبي
المساواة والحرية والعدالة والشورى الدستورية . فالمساواة في الحقوق والواجبات بين الناس تأتي في مقابل
 استبداد الاصلاء فيحاكم الملك والصعلوك أمام القضاء على السواء ، وحرية التدين والتفكير والاجتهاد مقابل
 استبداد المتعممين وهنا ينطلق الكواكبي من مقولة ( لا إكراه في الدين) حيث يزول التعصب ويسود التسامح
بين أصحاب الأديان المختلفة بمقارعة الحاكم الذي ينوي أن يستبد،  وتأتي العدالة عموماً والعدالة الاقتصادية
 خصوصاً مقابل الاستغلال، أما الشورى الدستورية فهي بديل الاستبداد السياسي وبفضلها يتم تحقيق العدالة
 والمساواة والحرية انطلاقاً من { وأمرهم شورى بينهم } و { وشاورهم في الأمر } .

يقول الكواكبي : " تمحّص عندي أن أصل الداء هو الاستبداد السياسي ، ودواؤه دفعه بالشورى الدستورية " التي
 تلزم الحاكم بها ويقوم بها أهل الحل والعقد ، ولهم حق محاسبة الحكومة لأنهم وكلاء الأمة ـ على أن يكونوا وكلاء
 مؤتمنين . على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل مسلم ، ولا يتحقق هذا الأمر إلاّ بالإسلامية
 التي تفصح عن نفسها بوصفها حلاً شاملاً لمشكلات المجتمع ( الفكرية والدينية والاقتصادية والسياسية ) .

وهنا يميّز الكواكبي بين الإسلام والمسلمين والإسلامية ، فالإسلامية ليست ما يدين به المسلمون الآن ، ولكنها
 المنهج المشتق من الإسلام الصحيح الذي ينبثق من القرآن الكريم وصحيح السنة وثابت الإجماع، والإسلامية
تختص بالمعاملات ولا شأن لها بالعبادات يقول الكواكبي " لقد جاءت الإسلامية بقواعد شرعية ... وأناطت
 تنفيذها بالحكومة " فالحكومة ليست صاحبة القرار وواضعة القوانين ، وما هي إلاّ منفذ لنظام الإسلامية التي تستند
 إلى قواعد تشريعية .

فالقانون يُستمد من الشريعة ويعبّر عن إرادة الأمة ، ولا يمكن صيانة حقوق الأمة إلاّ بالمراقبة والمحاسبة ، لأن الحكومة
 التي لا تحاسَب تستبد .

إن من أهم وظائف الحكومة عند الكواكبي المحافظة على حقوق الناس ، وحراسة أمنهم، ونشر العدالة بينهم .

ونحن عندما نقرأ الكواكبي كثيراً ما يذهلنا من خلال تحديد معانيه بدقة فهو يطالب بعدالة توزيع الأعمال والعائدات
 فإذا فهمنا كيف يكون توزيع العائدات فكيف توزَّع الأعمال إذن . لنفترض أن شخصين عملا فأخذ كل منهما
العائدات التي يستحق . أما توزيع الأعمال فيكون عندما لا تسمح الحكومة لأحد ما بأن تكون لديه خمسة أعمال
 وهناك شخص عاطل عن العمل .

لدى الكواكبي كتابان، وهو يطرح مفاهيمه بدقة في هذين الكتابين ، ونحن نتحدث عن فكر الكواكبي كله من حيث
 صحافتُه وكتاباه ، وهو في هذه الأعمال يحدد عمل الحكومة ويرسم حدودها . لمجمل هذه الحراسات ينتخب
 الشعب حكومته . أما إذا اختلفت الحكومة مع الأمة في اعتبار الصالح والمضر لأمر ما يتعلق بحالة حرب
 أو سلم أو بأمر يتعلق بالدين ، ما الذي حدث ؟ الكواكبي يجيب عن ذلك بكل بساطة على الحكومة أنت
 تعتزل الحكم إن الأمة أوجدت الحكومة لتخدمها فإذا زالت هذه المهمة لم يعد للحكومة من مسوغ لبقائها .

لقد عرفنا الاستبداد وبدائله ، وفي كل عمل لا بد من معرفة الواقع ومن معرفة الطريق الواصلة إلى
 غايتنا لنتمكن من تحقيقها .

هناك إذن منطلق ومنهج وهدف .

فكيف يجري الإصلاح ويُزال الاستبداد و تُقام الإسلامية ؟

إن نقطة البداية تتركز في إدراك معظم المواطنين أنهم يعيشون واقعاً فاسداً يتطلب الإصلاح ، وهذا يتحقق عن
 طريق تنمية الوعي تدريجياً لإصلاح الدين وإنشاء جمعية تُعنى بتحقيق الإسلامية .

والكواكبي يضع ثلاثة شروط مبدئية لرفع الاستبداد واستبداله وهي :

ـ  شعور الأمة بآلام الاستبداد ، والتدّرج وتهيئة البديل ، فمن أراد تخليص أمته من أسر الاستبداد ، عليه
 أولاً أن يبث فيها العلم بسوء حالتها . وأن يبيّن لها إمكانية التغيير، ومتى ارتفع الجهل وتنوّر العقل زال الخوف
حتى ينادي الناس مع المعري :

إذا لم تقمْ بالعدلِ فينا حكومةٌ             فنحنُ على تغييرِها قُدَراءُ

فالوعي هو أول خطوة على طريق إزالة الاستبداد ، ولكن كيف يمكن للإنسان أن يبعث في أمته الحياة ويوقظها
على الشعور بآلام الاستبداد ؟ ومن المكلف بذلك ؟

إنه الإنسان الذي يجهد في ترقية معارفه ، ويحافظ على آداب قومه ، محتفظاً بوقاره متجانباً مصاحبة
الحكام ، وملتزماً بحسن الأخلاق ، يحب وطنه ، ويساعد الضعفاء ، ويغار على الدين .

إن مقاومة الاستبداد أمر مكلف به كل فرد في الأمة وقد قال تعالى { إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم }
 وهو متعيّن على كل فرد لأنه أمر بالمعروف ونهي عن المنكر .

والأمة التي لا تشعر بآلام الاستبداد لا تستحق الحرية يقول الكواكبي : " إن الحرية التي لا تنفع الأمة هي التي تحصل
 عليها بعد الاستعداد لقبولها " . فلا بد من التدريج ببث الوعي ، حتى إذا عم الوعي واجتمع الرأي بدأت الحملة على
 الاستبداد ، فلا ينبغي أن يُقاوَم الاستبداد بالعنف العشوائي كي لا تكون فتنة تحصد الناس حصداً ثم لا
تثمر شيئاً . أما إذا اشتد الاستبداد وانفجرت الفتنة ومارست الحكومة استعراءها ، فلا بد حينذاك من استخدام
 القوة لأن القوة لا تقابل إلاّ بالقوة ( والجدير بالذكر أن جمال عبد الناصر قد تأثر بالكواكبي وأعجب
 بأعماله ، ويبدو لنا ذلك من قوله " ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة " ) .

لذلك على الأمة التي يحكمها الاستبداد ويمنعها من استخدام الإصلاح التدريجي بالكلمة الطيبة ، لا بد من
أن تقاومه بكل ما أوتيت من القوة . لقد اختار الكواكبي الحل التدريجي الإصلاحي وهو يؤمن بأن ما لا يتغير
بالإصلاح يجب تغييره بالثورة ، فالإنسان هنا لا يستخدم القوة إلاّ إذا جوبه بها . فما الإصلاح الذي يطلبه
 سوى ثورة مرجأة لا ينبغي القيام بها قبل التأكد من إمكانيات نجاحها و
إعداد الناس لها . ويجب ألا تكون
 الفوارق الدينية عائقاً للاتحاد الوطني ، كما يجب أن لا تكون الفوارق الوطنية عائقاً للاتحاد الديني بين الأمم
وقد بنيت الأديان على ( لا
إله إلا الله ).

لقد رأى أن إصلاح الدين هو أقرب طريق لإصلاح السياسة ، فدعا إلى إنشاء جمعية تهتم بالإصلاح
الديني . والكواكبي يقدم مشروعاً متكاملاً مفصلاً لتلك الجمعية التي يسميها في ( أم القرى )
 ( جمعية تعليم الموحدين ) ، ويسلم قيادها للعرب . وباختصار فإن الكواكبي يستعرض كل أشكال مكافحة
الاستبداد ليختار الأصلح فإما أن نقاوم الاستبداد : بالقوة ، أي بالعنف ، لكنه لم يرض باستبداد الأشخاص
والإبقاء على الاستبداد بغيرهم . أو بالثورة التي قد تنقلب إلى الاستبداد ما لم يكن قد تم التخطيط
لقيامها . والثورة الحقيقية تكون بقيام حكومة لا علاقة لها بالاستبداد ولا علاقة للقائمين عليها بالثورة
حتى لا يغتنم الثوار كل فرصة سانحة لتذكير الناس بضريبة التحرير .

أو بالانتظار والهدوء والاستكانة ، ولكن ليس للأمة من يحك جلدها غير ظفرها .

فإنّ الأمَّ لم ترضعْ صبيّاً           مع الإشفاقِ لو سكتَ الغلامُ

أو بالتدريج الذي يجهّز الرأيّ ويبث العلم ليصبح الناس هم أصحاب التغيير ويتحملون المسؤولية . وقد اختار الكواكبي
 الطرائق السالفة جميعها بنسب مختلفة وبحسب حالة البلاد التي يريد أهلها التغيير ، ولكنه عموما يفضل الحرب بالوعي على الحرب بالعنف

وقد دعا قومه إلى البدء بتغيير الذات ولم يتستر عليهم بلوم الآخرين ، وقرر أن الحل يأتي عن طريق : وعي كل إنسان
 أنه مسؤول ، وإيجاد روابط تضم إمكانيات الناس وتوجههم ، وإعداد العّدة لمقاومة الاستبداد
 ( وأعدوا لهم ما استطعتم ..) وتهديد الحكومة القائمة ومقاطعتها ومن ثم مقاومتها ، ثم وضع البديل وإبقاء
 الرابطة الدينية بعيداً عن التقلّبات السياسية . وما هذا الطريق الذي يرسمه الكواكبي إلاّ انطلاقاً من قدرات
الإنسان لصالح الإنسان نفسه ، آخذا بعين الاعتبار منطلقاته التراثية بوصفه ينتمي إلى العروبة والإسلام .

وفي أثناء الأعوام، الصاخبة من حياة الكواكبي، التي تعرّض فيها للظلم والسجن وصودرت ممتلكاته، كان
 يضع فصول كتابه " أم القرى " الذي قال (كامل الغزّي) أنّه اطّلع عليه في حلب، وقال ابنه (الدكتور أسعد الكواكبي)
أنّه بيّضه له وهو في حلب. كما كان يضع بعض أفكار كتابه الثاني " طبائع الاستبداد ". ولكي يتخلّص من
 إلحاح السلطة العثمانيّة عليه بالتعامل معها، إذ سلّمته قراراً بتعيينه نائباً شرعياً في قضاء "راشيّا " في ولاية
 "سورية" ، فتظا
هر بالموافقة، وقرّر الهجرة إلى مصر سرّاً، بحجّة أنّه سيقوم بزيارة إلى "استانبول".

وصل إلى القاهرة في منتصف شهر تشرين الثاني سنة (1317هـ = 1899م)، حيث التقى بالمفكّرين والأدباء، وشارك
 في الحركة الفكريّة في "مصر"، وهناك ذاع صيته إبّان نشره مقالات "طبائع الاستبداد" في صحيفة "المؤيّد"
 لـ (علي يوسف)، وبعد إصداره كتاب "أم القرى" باسم مستعار هو (السيّد الفراتي)، ثم أصدر "طبائع الاستبداد"
 تحت اسم (الرحالة ك)، وكتب فصولاً من " أم القرى" في صحيفة "المنار"، سنة
  (1318هـ = 1900م) بعد حذف
 اقترحه (محمد رشيد رضا) تحسّباً من السلطة.

وفي سنة (1319هـ= 1901م) قام برحلة اطّلاعيّة إلى البلاد العربيّة والإسلاميّة، ليدرس أحوالها، وهناك دوّن
خواطره ليُصدرها في كتاب، ولكنّ وفاته المفاجِئة حالت دون ذلك. فقد توفي مساء الخميس في
 (6 ربيع الأول سنة 1320هـ)، الموافق (14 حزيران عام 1902م)، على إثر احتسائه (فنجان قهوة) في
 مقهى (يلدز) قرب حديقة (الأزبكية) بالقاهرة. مات مسموماً على أيدي أعوان السلطان
 (عبدالحميد الثاني)، الملقّب بالسلطان الأحمر، الذي أرسل من دسّ له السم في فنجانه. فبعد أن احتسى القهوة،
 بنصف ساعة، أحسّ بألم في أمعائه، فانتقل إلى داره، وكان معه ابنه (كاظم)، ثمّ، في منتصف الليل، ذهب
ابنه لإحضار الطبيب، ولما عاد ومعه الطبيب وجداه ميتاً. وفي اليوم التالي أمر السلطان (عبدالحميد الثاني)
أحد أعوانه (عبدالقادر القبّاني) صاحب "ثمرات الفنون" التي كانت تصدر في بيروت، أن يقصد محلّ إقامة
الكواكبي، ويحرز جميع أوراقه، ويرسلها إليه.. وقد فعل ذلك في اليوم التالي لوفاته.

دُفن في قرافة باب الوزير على سطح جبل المقطّم، وبعد أربعين عاماً نقلت رفاته في احتفال ديني إلى مقبرة المشاهير
 في شارع العفيفي بمنطقة باب الوزير، وكُتب اسمه وتاريخ وفاته وتاريخ نقله، على صفحة من المرمر، كُتب عليها بيتان 
لحافظ إبراهيم
:

هنا خيرُ مظلومٍ هنا خير كاتبِ

عليه فهذا القبر قبرُ الكواكبي

هنا رجل الدّنيا هنا مهبط التُّقَى

قفوا واقرؤوا " أمّ الكتاب " وسلّموا





 

هكذا تكلّم الكواكبي رائد النهضة العربية