الخيول الراكضة

جوخة الحارثي

   ناصر العبد لم يعد يفهم، كان يرى الحياة ساكنة، كان يلمس الحياة ساكنة، ولكنه عرف،بطريقة ما، غامضة، إنها ليست ساكنة كما تبدو.

          ناصر العبد يسكن غرفة صغيرة بجانب الباب الحديدي الثقيل لبيت الوالي، تأتيه جميع وجباته من داخل البيت ساخنة ومغطاة، ويصب القهوة واقفا للضيوف في المجلس الفسيح المزين بصور خيول راكضة، ويفتح الباب الحديدي للسيارات الهامة، ويسافر كل خميس لزيارة أسرته الكبيرة، حدث هذا حين كان في الثامنة عشرة، ومازال يحدث إلى اليوم، يتغير الوالي،تتغير الوجبات، تتغير السيارات،ودرجة تركيز القهوة،والذي لا يتغير البتة هو حياة ناصر العبد.. تبهت صور الخيول في اللوحة، يصدأ الباب الحديدي فيدهن من جديد، يمتلئ الحوش الواسع بالحصى ثم بالاسمنت ثم بالانترلوك الأحمر، تضاف غرفة أو غرفتان شرقي المنزل، يدعوه أحد الولاة:"العسكري"، يدعوه آخر:"الحارس"، يدعوه ثالث:"المقهوي"، ولكن أحدا قط لم يدعه باسمه:"ناصر العبد"، وناصر العبد لا يعنيه ذلك كله وقد اعتاده كأنفاسه، ولكنه منذ زمن لا يستطيع تحديده أحس بأنه لم يعد يفهم، وأن الحياة ليست دائرة واحدة بلا زوايا، وأزعج ناصر العبد المعتاد على وضوح دهان الباب وصراحة طعم القهوة وصوت زوجه الجهوري- أزعجه هذا التشويش وعدم الفهم.

          لم يؤمن ناصر العبد منذ أن كان صبيا أن الأحداث تغير سكون الحياة أو تعيق استمراريتها، ولن يؤمن به الآن. يتغير الولاة، يموت والده، تنجب زوجه الذكر المنتظر بعد ست بنات، تتيبس أكبر النخلات بفعل المحل، تتغير وجوه شاربي القهوة وأصواتهم، ولا يتغير ناصر العبد، فالحياة، كما كانت ، تستمر، بعد تحية الوالي الجديد، ودفن أبيه، ونحر الكبش عن ابنه، وقطع النخل اليابس، واعتياد الوجوه والأصوات الجديدة، تستمر الحياة، كما كانت، ولا شيء، البتة، يجعلها تكف عن كونها دائرة متصلة.

لكن ناصر العبد أخذ يستيقظ مؤخرا قبيل الفجر مليئا بالشك والقلق الغامض.

          ندى التي كان يراها منذ انتقل والدها للبيت الكبير كانت في الثامنة،حملها مرة أو مرتين على كتفه لتصل لنارنجة ناضجة أعلى الشجرة، وأغلق الباب الحديدي مرارا دون دراجتها الطائشة ، لمَّ حلواها المتساقطة من جيبها يوما، وأعاد لها شريط شعرها الذي سقط أثناء انطلاقها راكضة، ندى الصغيرة المتجهمة طالت فجأة والتمعت عيناها، ولمح ناصر العبد فيهما السحر بغتة،  السحر الذي باغته فأفقده السكينة.

          يداها طويلتان طولا ملفتا، ويحمل معصمها دائما أساور ملونة بصخب، وعندما يغمض ناصر العبد عينيه كان يرى هذه الالتماعات الملونة تومض وتنطفئ بلا توقف.

          في كل جمعة يتوضأ ناصر العبد من الفلج، يشمر أكمامه ويتم وضوءه في دقائق. لكن الفلج بمائه الجاري ، وطحالبه الخضراء، وأسماكه الصغيرة جدا، أصبح يدفع ناصر العبد لإطالة دقائق وضوئه، وحين يغمض عينيه كانت الأسماك الصغيرة جدا تنسل بين الشقوق على جانبي الفلج، وتغير ألوانها السوداء إلى فضية لامعة. سيعود ناصر العبد مساء كل جمعة إلى غرفته بجانب الباب الحديدي، سينسى الأحداديث المتكررة التي تبادلها مع زوجه وبناته وابنه الأصغر ، سينسى شكاوى أمه المقعدة، سينسى النقاشات حول النخل والمحل والمحصول، وسيتذكر فقط الماء الجاري في الفلج ، سيتذكر انخفاض منسوبه والالتماعات الفضية ، وسيخاف من اهتزاز يقينه بسكون الحياة، وحين يفتش عن الأحداث سيعرف ألا أحداث هناك، الحياة فقط لم تعد تلك الدائرة المتصلة، إنها مائجة كثيرا كثيرا لدرجة تحرم ناصر العبد – الذي لم تتغير أبدا تفصيلات يومه- من النوم.

          لم يكن يرى ندى أكثر من مرة أو مرتين في الإسبوع، فلم تكن ميالة للخروج ولا للتريض حول البيت في دورات لانهائية كما تفعل أمها، وقد كبرت على الدراجة التي انزوت مهملة في غرفة المخزن، وناصر العبد الذي يحرس البيت ويقدم القهوة للضيوف ويسافر كل خميس لأسرته الكبيرة لم يعد يفهم.

          كانت السماء السوداء ممتلئة بآلاف النجوم المضيئة، افترش ناصر العبد الدكة الحجرية في مدخل غرفته، نسيم بارد حرك شعره الذي طال قليلا، ظل ممسكا كوب الشاي بكلتا يديه، متأملا التماعات النجوم البعيدة، قالت ابنته يوم الجمعة المنصرم إن النجوم ليست ثابتة مهما بدت لنا كذلك.

          برد الشاي، قال ناصر العبد لنفسه:"إذا كانت الأحداث لا تغير الحياة فما الذي يغيرها؟"..مرر أصابعه على وجهه وابتسم:"السن؟.." ، إنه لم يبلغ الأربعين بعد، والأمراض التي يسمع بها في مجلس الوالي كأنها آتية من كوكب آخر، إنه أشبه في قوته بالخيول الراكضة في اللوحة.

          بُهِت ناصر العبد، انكب كوب الشاي في الأرض، وقد انتبه فجأة لانطفاء عيون الخيول في اللوحة. عندما أغمض عينيه تمثلت له اللوحة بلا ألوان تقريبا