المحبوب

        جوخة الحارثي

        يهب رجب العالي من كرسيه الهزاز إثر إحدى غفواته المتقطعة ، يقف لاهثا ، متصببا عرقا أمام النافذة ، يحدق في شجرة المانجو الضخمة التي أرسلت أذرعتها من جدار الجيران إلى ساحة بيته ، يراها في السحر كأنما غشيت بزرقة قاتمة ، ويبصر أشباح ثمارها منحنية بظلال كبيرة ، ويستعيد الرؤيا التي توقظه:

        الفتى النحيل الأسمر يصفر بمرح في السكة بين الدكان وثلاجة الماء العمومية ، تبدو كظهيرة قائظة والفتى قد عبَّ لتوه من الماء البارد ، ورغم ذلك فإن الرؤيا تأتيه دائما مجللة بغبش ، ويستيقظ منها شديد الظمأ ، الفتى الذي يجهد زغب خفيف أن يعلو شاربه يتوقف عن التصفير حين تمر عن يساره تماما تلميذة عائدة لتوها من المدرسة ، تحمل حقيبة حمراء مكتظة بالكتب ، وينسكب زيها المدرسي بسلاسة على جسدها ، كل شيء غائم ، لكن لون الحقيبة والتماعة عينها الكوكبية هما أكثر الأشياء وضوحا في العالم لرجب العالي ، وكلما تكررت الرؤيا وسمع همس الفتاة -التي اختفت بعد لحظة كأي جنية – تأكد رجب العالي ألا شيء قد عاشه في حياته كلها أشد وضوحا من لون حقيبتها الأحمر والتماعة عينها ، ولا شيء أشد غموضا من همسها المضطرب ، لقد قالت شيئا ما ، لا يتبينه ، لم يتبينه قط ، واختفت ، والفتى الممسوس بغتة ، الذي يراها للمرة الأولى منذ انتقل أهلها إلى حيهم ، الفتى يستيقظ من غفواته كهلا ، ويعمد بدأب إلى حفر ذاكرته ورؤياه لاستحضار الهمس المبهم ، وعبثا ما يحاول.

        ساءلها عن همسها مرارا ، فلم تتذكر ، عجب كيف يتأتى لها ألا تتذكر ، ببساطة ، كأن الأمر لا يعني شيئا ، كأن عينها لم تلتمع ذلك اليوم ، كأنها لم تهمس ذياك الهمس النعيمي الذي غير دنياه ، أصر أنها تعبث بذاكرتها عمدا ، تطمر تلك اللحظة ليظل سلاحها مشهورا فوق رأسه ، هز كتفيها ، نهش طرف أذنها بيأس:"قلتِ..قلتِ، تذكرين، قرب الثلاجة.."

فسال خيط رفيع من الدم على الرقبة التي عبدها ودنسها ، والمرأة التي تسللت الشعرات البيض إلى مفرقها قامت لتمسحه بهدوء.

        يحدق في أوراق الشجرة المستطيلة وحوافها المثلثة وقد ألقى عليها الفجر نورا واهنا ، يعرف إنها مرت عن يساره تماما ، جهة قلبه ، وحينما حاذته غرست تلك اللمعة في قلبه المجاور ، سددتها بحذق مع ذلك الهمس الملعون ، وذهبت الجنية ، واليوم ، اليوم تقول:" لا أتذكر..لم أكن أمر في السكة بين الدكان والثلاجة.." ، وأنا ، المذعور ، الممسوس ، الموسوس ، المصاب في الغور الأبعد من أعماقي ، لا أنام ، أشرق بغموض همستها ، كيف تنكر؟..حقيبتها حمراء ، والسكة معفرة ، وهمست..همست لي ..حين حاذت قلبي ..وهناك لمعت عينها بكبرياء..وتقول:لم أمتلك حقيبة حمراء .

        أوراق الشجرة تنوس بنسائم خفيفة ، يبدو لرجب العالي أن همه مكتنز بين زواياها المدببة ، وأن قوى مجهولة  لا يفهمها البشر الفانون تدحرجه في فقاعات الندى على سطحها الأخضر، لا يقوى على التشبث بشيء.

        رجب العالي أحب البنت القاطنة في البيت الثالث بعد الدكان ، وقضى مراهقته كلها مرابطا أمام الباب الخشبي للبيت أو ماشيا في حلقات لا نهائية حول جدرانه البيضاء ، واليوم وقد بزغت شعرات بيض في رأسه ماتزال صورة البنت محفورة فيه ، بزيها المدرسي الكحلي ، وربطة الكتب المطلة من حقيبتها الحمراء ، وأشرطة حذائها الأسود ، عرف دائما أنها ليست جميلة ، وبقي معذبا بنظرة الاستعلاء في عينيها.

        في البدء لم يفهم لم ينفق ساعاته ماشيا على غير هدى ، لم يقعد على دكة الدكان محدقا في الفراغ لا يدخل جوفه غير الشاي المر ، لم يع القوة التي تهزه وتفجر فيه هذه اليقظة المحمومة ، لم يفهم رجب العالي إحساسه الغريب أنه يعيش في مكانين ، فأينما كان :في المدرسة ثم الكلية طالبا ، في الشركة والمقاهي موظفا ، كان دائما هناك ، حول البيت الأبيض ، لا يرى غير البنت بنظرتها المعذبة.

        كل ذكرياته عن خطبتها ، واستعدادهما لحفل العرس ، وتجهيز البيت ، تبدو  مجرد خيوط باهتة مهترئة في نسيج ساطع محكم ، يزداد ألقا على مر الأعوام فتبهت هذه الخيوط أكثر فأكثر..هكذا تزوج رجب العالي ، وبعد سنة كانت له طفلة لا تشبهه ، وحين يرفعها من إبطيها متأملا وجهها كان يشعر بأنه ليس هنا، وأنه لا يراها ، لا يرى طفلته ، يرى البنت التي أصبحت زوجته .

        في نسيجه المحكم الساطع لا وجود لكل الليالي التي يوقظ فيها زوجته ليسألها:أتحبه؟ .. لا وجود لهزة رأسها الموافقة وعودتها للنوم ، السطوع الحقيقي هو ما يراه في الصباح: عيناها المفتوحتان بنظرة الاستعلاء ، فعذابه ، وأرقه على كرسيه الهزاز يفكر في جنة محرمة ذات باب خشبي.

        برغم أن عابرا ما قد أعطاه ما أطلق عليه "المفتاح الذهبي" يوم عرسه ، إلا أن قبضته قد صدئت على المفتاح دون أن تهتدي لموضع القفل.

قال العابر:" الراحة في الحياة الزوجية هي ألا تتوقع شيئا مطلقا..التوقعات..هي المسؤولة عن إفساد الحياة"

وجهد رجب العالي ألا يتوقع شيئا ، ثم جهد بعد سنين أن يتوقع شيئا محددا فعجز ، لم يدرك ما هو الشيء المحدد الذي ينبغي له توقعه.

        كان رجب العالي معذبا بشعور مهيمن لا يدع له للسكينة سبيلا ، وكان وعي رجب العالي بماهية شعوره يلتهم تفكيره بصورة مخيفة ، صاغه لنفسه مرارا وهو يسلم جسده للسكك الخفيفة الإضاءة منذ الفجر ، أو يلقيه متأرجحا على الكرسي الهزاز طوال ليالي الأرق ، صاغ شعوره وقاله لنفسه حتى أتلفها:"العجز عن امتلاك المحبوب".

        أيقن رجب العالي  أثناء سفرهما الأخير لدبي أنه توسل لهذه المرأة بكل ضروب العبادة بلا جدوى ، قبل أصابع قدميها ، أغرقها بأنفس الهدايا ، أسمعها ضروب الكلام الذي لا يقال لبشر ، وكلما نامت ، تحسس وجهها ، غرق في تأمله ، وسيطر عليه شعور العجز والخيبة.

        ثم وصل لتلك الصياغة الأخيرة:"العجز عن امتلاك المحبوب" ، بعد دوامات عاتية من فقدان اليقين ، يهاتفها من العمل مرارا ، يسألها عن كل تفصيل في يومها ، يصر أن تطعمه بنفسها ، تحلق شعره ، تقص أظافره ، تخرج معه لأتفه المشاوير ،يحضنها حد الإيلام ، ولكنه كان قد عرف ما يعذبه: إنه يعجز عن امتلاكها ، رغبته العارمة تظل دائما منقوصة وغير مكتملة ، وهو يريدها ، يريدها له ، وهي ليست له ، رغم كل السنوات التي عاشا فيها معا.

                يدور رجب العالي في غرف بيته ، منكوشٌ شعره الأشيب ، مهترئ قلبه ، يباغت زوجته النائمة ليغتصبها ، وحين تبكي يُسلم نفسه للخارج ، لا يحتمل صوت بكائها ، يدور في السكك ، تنبحه كلاب شاردة ، تضيعه العتمة فيعود إلى بيته ولا ينام.

        كل هذه الليالي الثقيلة الغريبة لا تفعل شيئا غير تفجير آلامه الغامضة ، كلما أمعن في إنكار هذه المرأة التي يعيش معها أمعنت صورة الفتاة المدرسية في تمزيقه ، ضربها مرارا ، وكان وميض النظرة النافذة آخر ما يبصره قبل أن تسقط مغشيا عليها..كلا.. لم يكن لتحولات رجب العالي علاقة بصلاحه أو سوئه ، كان لها علاقة فقط بذاكرته ، التي أكملت تصفيتها ، وتخلت عن كل خطوطها الباهتة ، فلا يعرف نسجها الساطع غير الباب الخشبي والجدران البيض والبنت التي رمت الهمسة جهة قلبه وهناك تماما زرعت نظرتها الباقية ، ولا علاقة لكل ذلك بهذه المرأة المستسلمة له لأسباب تتعلق بالطبيعة الغريبة للبشر ، التي لم تحاول الهرب إلى بيت أهلها ولم تحرمه من الطفلة التي أصبحت في المدرسة ،  ولا تملك حقيبة حمراء.

        لم يعد يقضي الليالي في بيته ، صاحب الأصدقاء وأشباههم ، أتقن ألعاب قتل الوقت كعدو، سافر ليتذوق الجديد ، لكنه لم يكن هناك ، كان في مكان آخر ، وشيء واحد فقط على هذا الكوكب التافه ظل يبوصل تفكيره بلا هوادة:"العجز عن امتلاك المحبوب" ، هذه هي الصياغة الأخيرة لعذاباته.