|
رسالة إلى غائب جوخة الحارثي على البحر سرت، ونظرت في صفحته، ولم أر المخبوء في عمقه، سمعت قصص العشق والموت، وتهاليل القرود لتشرق الشمس، ومراكب الشمس، والخصب، ولم أسمع قدري، ولم أسمع الصوت المخبوء في لوحي منذ الأزل، لم يمسك بعد بتلابيب روحي، ويقتنصها، ويعرفني عمقه المبحوح على دنيا الألم، في قطرة ماء واحدة من بحر خائن. أغمض عيني، فأرى السطور تضيء، صفراء، وأرى السطور عيون، وأرى العيون جارية بدمع مالح، يتساقط في بحر بعيد، وأنا ، لم أعد أنا. أنا لم أعد أنا ، مربوطة يداي بأعتى الحبال الغليظة، ومسوقة بلا اختيار في الدروب التي لا تلفت بها، ومهما سال الدم من جروحي لا يصنع بركة تغرقني، ولا يمنحني سلام الموت، أو العودة. على حد السكين البارد وضعت هذه العنق، ولا اختيار، فما خطته يد القضاء قد خطته، وأنا أحمل كفني إلى عتبة التسيير. أحمل صخرتي على صدري,أينما توجهت مراكب الروح جثمت صخرتي، ونَمَت، وأنا ، مسحوقة تحت ثقلها، مجنونة تحت نيرها، أنادي:"آن أن تعلو بصحراء السرى شعلة"، ولا شعلة، ففي الظلام يتخبط القلب، وبين الرحى تفتت، بلا نأمة استنجاد واحدة، بلا يد تحملني، بلا بصيص، بلا أفق، لا شيء، لا شيء، فقط انسحاقي تحت ثقل صخر لا أراه، ويراني ، وإليّ سار منذ خُلِقت الأكوان، وكل ما عشته، كان بانتظاره، وحين جاء، جثم عليّ ، وقتلني، كما ينبغي له. لماذا لا تشفيني اللغة؟ لماذا لا تطببني الكلمات؟ لماذا لا تخرج الحروف من نظمها لتمسح دمعي؟ لماذا لا تفتح كنوز إعجازها لتحوي ألمي؟ لماذا أنا وحيدة في عمق توهمي التوحد بآخر؟ ألا ليت كل اثنين بينهما هوى من الناس والأنعام يلتقيان مسكونة أنا بالحضور الساطع ، بحضورك، ومنفية من جزر اللغة أبحث عن وجهي ، وأحلم في النوم والصحو ، بلا توقف ، ولا أراك. قلتُ كلاما كثيرا عن الحب كي لا أحب ؟ وكل الشواطئ لا تفضي إليك، أينما اتجهت سفنه. أنا لا أبحث عن الخلود في كلماتك، لا خلود للعابرين مهما سكنوا القصائد، والقصائد التي تؤلم كتبت لسوانا، وانتهى الأمر. أكانت ستنحرف وجهة السفائن؟ كل ما مضى قد خطته يد القضاء، وعبثا تمحو كل توسلاتي ودموعي المهدرة حرفا واحدا. انظر جيدا، ليس في الغيمة وعد بالمطر، هذه أصابعي لحاء شجر يابس، وظاعن هذا الفؤاد، ومقيم ذلك الحزن. العالم يتحول إلى فكرة واحدة، كل العالم، البشر والعمران والأفكار يتلاشون في الفكرة الواحدة،وتصبح هذه الفكرة ،هي العالم كله،ولا شيء مطلقا على هذه الكرة الكبيرة الصغيرة غيرها. وأنت الفكرة. لماذا أعرفك كل هذه المعرفة العظيمة؟ لماذا لا أعرفك البتة؟ هل تراني؟ هل تراني؟ إني لا أكف عن رؤيتك. للناس مني ما ليس مني ، ولك كلي. كيف آمن المقام وجرس الباب قد يدوي في أي لحظة مناديا:"جهزوا المتاع"؟ متى سمعت النداء لبيتُ، لا مقام لي، ولا اختيار قل كل شيء عن الحياة ، قل كيف نرى العالم في لمحة ، كيف يذوب كل ما عشناه ويبعث من جديد في خطفة واحدة من شعاع يتكسر على نافذة الصبح. وماذا أقول لك؟ أريد أن يوقفني البوح عن البوح ، أريد أن أراك في مكان ليس على هذه الأرض الصغيرة السجانة ، وفي زمان لا يعد بالساعات والدقائق. وأريدك أن تعرفني ، كما أنا ، صادقة ، وحقيقية. أعرف أنه ينبغي أن أكتب. الكتابات الأخرى المفروضة: الأوراق المفروضة ، الخطابات الرسمية ، وقائمة المشتريات. أعرف أنه ينبغي أن أكتب. وأريد أن أكتب ما لا ينبغي. ما سأموت دون كتابته، وما أموت بكتابته. أريد أن أكتب. كثيرا كثيرا، بقدر كثرة الألم المزدحم بداخلي، بالقدر الذي تحتمله كلمات اللغة الشحيحة المترفعة ، بالقدر الذي يطبب الروح الكلمى. ولا أستطيع أن أكتب، الكتابة بوح. والبوح سقوط في اللجة من جديد. البوح خطر ، ومخاتل ، ومتحفز ، وينصب الشباك ، ويعرفنا على الذي لا نريد أن نعرفه ، ويرينا الذي لا نريد أن نراه. والبوح كتابة. ولكني أريد أن أكتب، كثيرا كثيرا. أصنع العشاء ، أجفف الأواني بالفوطة ، أتأملها ، ولا أحد يجفف دمعي. وأرى الحساء المغلي ، وأطفئ النار، ولا أحد يطفئ أساي. وأسير ، كما ينبغي ، نحو الواجبات ، نحو الطرق المرسومة ، أنتقي ملابس الغد ، أصر على الألوان الرمادية ، أجهز الفراش ، أقرأ المجلات الخفيفة ، وآكل ، كما ينبغي، ولا أحد ، لا أحد البتة يلم تشعثي ، ويأخذ هذا الرأس الثقيل الثقيل في صدره. والصدر الذي حلمت به ، ليس لي. ولن يكون. أدخل في الثياب، أدخل في الناس ، أدخل في الكلام ، أدخل في الكتابة ، وأظل ألقاني ، وأظل أراني ، وأرى اشتعال الغابات التي أقسرني على هجرها ، وأشم الدخان ، وأختنق ، وحيدة وحيدة ، رغم كل ما ألتف به من ثياب وبشر وأفكار. ما أشد وحشتي، ما أقسى شوقي. هذا المساء ذهبت إلى البحر كان البحر كدرا كما كان في حلم البارحة وضرب الصخور بعنف ، وتقافز رذاذه غاضبا، وفي الحلم كان مراوغا، وحاول أن يزل قدمي إلى المنطقة الأعمق. في الحلم، قلت: لا أجيد السباحة. والليلة أردت أن يحملني هذا البحر الكدر إلى حيث يجيد موشوم رسمك على جفني أي هواء أتنفسه لا تمتلئ كل ذراته بك؟ معذب هذا القلب على عتبة الدرب الأبعد والأصعب بأي قوة أنزع كل هذا الشوك؟ يداي التي تعرف، كما تعرف: أكثر هشاشة من تحمل هذا الألم المتفجر، وأضعف من هذا الانتزاع المرغوب. مليئة بالظنون، ولكن الظنون لا تقودني إلا إليك. مليئة بالشكوك، ولكن يقيني أنت كيف تتحول حياتي إلى انتظار متصل معذب بأمل ضئيل؟ أرغب أن أخرج من مدن الأحلام المستحيلة هذه، أرغب أن أرى ما أراه ، وأسمع ما أسمعه، ولكني في مقام الفناء ولست في مقام الرغاب. أرى ما لا يُرى وأسمع ما لا يُسمع ،وأحلم، بلا توقف، بلا سكينة، بعينين جوابتين، استراحا لحظة على ظلي العابر ، وسيذهبان. فمن يرفأ شرخ الروح عندئذ؟ وبم أشتري ما بعت بلا ثمن؟ وكيف سأسحب ظلي ورائي وقد سمرته النظرة العابرة إلى الأبد؟ من يوقف هذا الزحف المجنون علي؟ ولم يوقف؟ عذابه ثمن نعيمه المستحيل. قد أحرق لساني الكتمان كما أحرقه البوح هذا الضوء المتسلط فجأة على البقع المعتمة الهاجعة في أعماقنا. هذا الضوء الذي يرينا ذواتنا ، ويوهمنا –بكل إتقان- أنه يرينا الآخر. نسميه الحب، ونزعم أنه يبدع الأمل، وهو لا يبدع غير الأحلام. أحلام محمومة تنتمي سلفا لمساحات المستحيل. كانت السماء صافية، زرقاء رغم العتمة، ولم أرد إغماض عيني ، أردت أن أتزحلق من ضوء نجومها إلى بهاء الحلم مباشرة ، وعرفت ، بين النوم واليقظة ،ونسيم معطر بالياسمين يهب، أن الأرض أضيق من لقائنا. وإني لا أريد رؤيتك ، في ظهيرة قائظة ، تحت الشمس الحارقة، الساعة في معصمك، والناس عيون. أردتك في الشرفة ، أن تمسك بيدي، وتطير معي ، بأجنحتنا السرية، صوب هذه السماء الصافية ، الحانية الزرقة في الصباح الباكر ، تفتح لون السماء، وظل الحلم ماثلا، كأنما لم يكن النوم إلا استكمال لتفاصيله. فلتوضع السكين على هذه العنق وليسيل دمي حتى يجف الألم، فلترمني السهام التي مزقت الغزال الصغير في اللوحة ، فلأمت، فلأمت، إن هذه الحياة لا تحتمل. وهذه القيود أثقل من هذه الرقبة المذبوحة. المجد لك أيها اليأس لم لا تحملني بعيدا بعيدا إلى حيث تشتهي ؟ لم أظل أتعذب بهذا الملعون الذي نسميه –بكل تواضع- الأمل؟ اللعنة على اللغة إنها السكين ، إنها جرار السم المتنكر في الشهد ، إنها منبع كل آلامي وتيهي المجد لليأس الذي لا يريدني ، الذي أشتهيه بكل قوة الأمل ، ولا يأخذني إلى شاطئه الساكن البعيد عن العواصف،ولا يملأ رأسي بالنوم العميق. أجرح هذه الجدران الصماء ، أكسر هذه النوافذ الأفاكة ، ولا أطير كالطيور ، رباه ، سجينة أنا كالعصافير في ريشها ، سجينة أنا في ، متى أخرج مني؟ متى أتحرر مني؟ متى أطير خفيفة كما أتمنى ، إن أماني الحقيقية لا تتحقق ، تتحقق لي أماني الناس لي ، وأنا فرغت من الناس ، وأريد أن أتحقق أنا ، أريد أن أطير أنا ، لا أريد هذا الرفاه الساكن ،أريد أن أطير ، وحيدة ، وخفيفة ، وبلا أمل ، وبلا رغبة ، وحيدة ، وخفيفة ، بلا أسئلة ، بلا ذاكرة ، بلا أي شيء من هذه الدنيا السجانة ، القبيحة ، أريد بحرا. أريد أن أغرق على ذلك المركب الشراعي البطيء ، أريد أن ينهدم فوقي ذلك المعبد القديم ، أريد أن يأخذني السحرة إلى كهوفهم ويمصوا عظامي السجينة ويذروها في التراب، أريد أن أطير ، أن أطير ، لا أريد هذه الأرض ، لا أريد انتظارك ، انتظارك يذلني ، ويعيق جناحي عن النمو ، ويدخلني ألف قفص. ولتدعني، ولكن دعني مرة كاملة ، دعني في بلاهة الاكتمال ، وقل: أدعك ، لا تلعب معي لعبة الصبر السخيفة هذه ، لا تدخرني ، لتوقف هذا العبث، أنا لا أفهمه ، ولا أعرفه ، وأريد أن أموت عوضا عنه. أريد أن أموت ، فكل شيء لدي. كل شيء لدي. المكتبة بيضاء الجدر، وقلبي بلا ألوان، مجرد مضغة تضخ دماءها بحكم العادة ، وبتقارير البقاء على أسر الحياة ، تقارير محكمة بلغات ليست لنا تعلن في غرف مجهزة بكل شيء ولا شيء بأننا نتنفس الهواء. نشرب الماء. أي نحيا كما ينبغي لكل من يضخ قلبه الدماء. لوحة لفيل بني يسير بين نخلتين ، أنيابه بيضاء ، وإطار اللوحة محدد ولا يسمح للفيل الطليق بالهرب ، أبدا يمشي نحوي ، وأبدا لا يصل إلي. قصاصات الجرائد وأوراق للشعر المخاتل وكلمات ..مجرد كلمات معلقة على لوحة خشبية ، وصورة لفريدا وبطاقة شكر من أحد ما، والجدول ورسمة طفلة. أنا خلف الحاسوب ، أنقر هذه المربعات ، ويدي التي قال عنها بأنها لم تخدش قد خدشت مرارا. الجدار على يساري تحتله الكتب من أعلاه إلى أدناه ومهما قرأت فكل ما تفعله الكتب هو أن تزيد شقاءنا بالوجود. بمجرد فكرة الوجود. في أول الفجر ، والجنون بكر ، أجلس خلف هذا الجهاز الأحمق، وأسمع صوت النقر ، خلفي على النافذة ينقر طيران الزجاج بدأب ، ثم يتعانقان ، وأنا أنظر ، وأريد أن أكسر النافذة وأصبح طيرا ثالثا وأذهب معهما ، ولا أستطيع ، إنني مرتهنة بنقري أنا على هذه العلب المعدنية ، ومرتهنة بهذه المضغة ، ومرتهنة بهذا الجسد الثقيل ، ولا ريش لدي ، ولا صبح فسيح ، ولا نور واهن أول الفجر ، وطارت الطيور ، وبقيت ، خلف الشاشة ، مقيدة بالغياب والحضور ، واستيقظ العامل ، وبدأ يسقي المزرعة ، وأنا لست شجرة ، ولا شيء يسقيني ، وراقبت العامل ولم يرني ، رأى أشجاره ، ولست نبتته الصغيرة ، ولا أريد ، لا أريد أن أكون جذورا ثابتة ، أريد أن أطير. ارحمنا يا قلب السنونوة. |