شال لدالية

خليل البيطار
إ
نهم أحياء، وبخير، في مكان ما‏

والت ويتمان‏

لم يكن يدري إن كان حياً أو غير حي، لكنه كان يحتج كلما سمع من زملائه عبارة "نحن الموتى نرجو..."، ويحدق في المتحدث بنظرة عاتبة تجعله يصحح العبارة قائلاً: "نحن الشهداء نرى..."، وكل ما يعرفه أحمد بن حسين المقدسي أنه قادر على الحركة والقص والرؤية، وكان يباهي بحلقته الخاصة من شبان أكفانهم بلون الطحين ظهرت منها سواعد معروقة بلون القهوة المحمصة.‏

"لم يغادر الشهداء عاداتهم" قال المقدسي، فهم يجلسون في حلقة كبيرة وأحياناً في دوائر متجاورة، وكان يضيف هامساً لدالية: "يا لهؤلاء الشهداء، إنهم يخرجون على النظام الصارم الذي وضع للقبور المرصوصة في صفوف طويلة كأنها قوافل اللاجئين، وهم لا يطيقون الأوامر، ولا يحبون أن يكونوا قطيعاً يجمد بسوط ويتحرك بأمر.‏

حين رأته دالية في جادة الأقصى أسرتها نظرة عينيه، وقامته الفارعة وجبهته العالية، وظلت تقص لأمها أخباره: "أحمد المقدسي مزيج من الحكايات والترحيلات المفاجئة وسوء الحظ والأخطاء التي لا يعترف بها أحد. قادته إلى مخيم اليرموك. فعمل ماسح أحذية وخبازاً وعامل مقهى وموزع صحف، قبل أن يجرفه طوفان المعاناة وأخبار المجازر إلى جادة الأقصى. وهناك تعرف على الرفاق، ورأى وجه دالية الذي لازمه من يومها... كانوا مثله، كأنه ضحايا طوفان عارم، تركهم عراة ملطخين بوحول قذرة... لم يكن فيهم أي بريق، سوى عيون تحلق بعيداً، وكان شاباً تجلله سمرة خفيفة وابتسامة آسرة. "لم يكن متعجلاً لإطلاق وعود واتخاذ قرارات مصيرية. لكنه وعدني بأن يجلب لي شالاً من القدس، وقبضة بخور لوالده الشهيد ولزملائه" قالت دالية لأمها، فحدست الأم بخبرة أنثى محاصرة أن مصير ابنتها غدا على كف عفريت!‏

كانت مقبرة الشهداء في مخيم اليرموك هادئة في النهار، تحلق فوقها طيور متعبة، وتتوقف قليلاً في الظل قبل أن تتابع طيرانها، أما في الليل فتنطلق الأرواح متهادية، وتتبارى في معرفة الأحجيات وتذكر أشعار القدماء وتبادل آخر الطرائف السياسية، وسماع حكايات بنهايات فاجعة:‏

أحمد بن حسين المقدسي غطى انسحاب زملائه بعد عملية ناجحة، وأصيب وترك في العراء، وعاد زملاؤه لسحبه بعد يومين في عملية ثانية، ثم أودع حفرة في نهاية صف القبور الطويل الرابع إلى اليسار، وبعد خطبة حماسية طويلة أثارت ملل المشيعين وامتعاضه، وضاعفت الحزن بدلاً من أن تراكم الغضب، قال: الصمت أبلغ فمتى نتعلمه؟‏

ولأنه لا ترد للشهيد طلبة، كان هم أحمد أن يزور الأقصى ليصلي ركعتين ويكتب جملتين ويجلب هديتين ويعود إلى زملائه، كان يستطيع أن يبقى هناك، ولكن الرفات من يعيده؟‏

تحلق حولـه الشهداء، وأحاطوه بنظراتهم المشجعة، ففي عالم الشهداء لا وجود للحسد أو الضغينة، وجاءته دعاباتهم مثل حصى صغيرة تحصب بمودة، قالوا له: سيعجبك الجو هناك وتبقى، فالمقدسيات مثل بنات الاسكندرية يخطفن عقول الشبان بنظرة، وكان يبتسم ويؤكد أنه سيعود ومعه الهدايا.‏

شد أكفانه البيضاء بحزام أسود، ومضى متجاهلاً حشود المصطفين على باب السفارة الأمريكية، وودعه سرب من الحمام الأبيض إلى الحدود الدولية، واستقبلته بعد عبور الحدود قبرتان هائمتان.‏

طافت بذهن المقدسي أسئلة كثيرة: هذه الجبال العالية والشجر المعمر والسهول الطافحة بالخضرة. وهذا الهواء المعطر والجداول الرقراقة ما سر بهجتها؟ هل تحتفي بي؟ وتذكر دالية ووجهها القمري. إنها مزيج من برتقال يافا وعنب السلط وتمر البصرة ومشمش الشام وفستق حلب، كأنها حملت طبيعة فلسطين معها إلى المخيم، وتساءل هل ترحل الأماكن معنا؟ هل نحملها معنا مثلما تحملنا؟ ودهمته ابتسامة.‏

مضى المقدسي عبر الجسر، ثم عبر من باب الشام، وأحس الحراس بثقل الهواء فتلفتوا كثيراً، وحين لم يلحظوا أي شيء أطلقوا زفرات متلاحقة. ثم دخل المسجد فصلى ركعتين، وطاف بأبوابه، وتملى جمال القبة وتناسقها، وصعد إلى المنبر وكتب عبارتين كما وعد:‏

"القدس في خطر، وإذا لم يستطع الأحياء حمايتها فسيحميها الشهداء" ثم نزل وأعاد قراءة ما كتب ليتأكد من وضوحه، ثم خرج إلى سوق حي الطالبية فاشترى هديتين، ولا داعي لتفسير كيفية حصوله عليهما وهو لا يملك نقوداً، فالمقدسيون يقدمون الهدايا مقابل الحكايات النادرة وقد قص عليهم حكاياته، فوجدوها أغرب من حكايات السندباد.‏

عاد أحمد المقدسي كما وعد، وحمل بخوراً للشهداء وشالاً لدالية وصورة للأقصى، وتحلق حولـه أهل الأضرحة وغمروه بالقبلات والأسئلة، أليس حاجاً؟ وأصغوا إلى أجوبته المقتضبة‏

والطويلة، كانوا يريدون معرفة كل تفصيل، وصورة كل حجر، وسألوه: هل تغير السور، والأبواب والساحة؟ وما حكاية النفق، هل أغلق؟ وهل يستمر الحفر تحت المسجد؟ وسعدوا كثيراً حين قص عليهم حكاية السطر المكتوب، فقال: اكتشفه الحرس الصهيوني قبل أن يكتشفه المقدسيون، فجن جنونه، وحاول الجنود طمسه فلم يفلحوا، وتبادلوا اللوم، إذ كيف يعبر إرهابي ويكتب سطراً استفزازياً يمكنه أن يشعل انتفاضة دون أن يلحظه أحد؟ ولاحظ المقدسيون ارتباك الجنود وقرؤوا العبارتين، فقال بعضهم: إنه أحمد المقدسي، وهو يطلع من تحت الأرض، "قال مات قال"، من كان مثله لا يموت، أبوه حسين صاحب كرامات مثله، صلبه الهاجاناه ورقصوا حوله، وقالوا: "إن كنت مقدسياً حقاً فخلص نفسك" لكنه لم يصغ إلى حماقاتهم، ورغم آلامه التي لا تطاق مضى يملأ عينيه من مشهد الغروب عند جبل الجرمق، ويقول: ربي اغفر لي ولأهلي لأننا لم نتعلم كيف ندافع عن بيتك، واغفر لهؤلاء الحمقى لأنهم لم يراعوا حرمتك؟ وحين مال رأسه إلى صدره كانوا قد شعروا بالملل فناموا، وحين استيقظوا فجراً لم يجدوا الجثة ولا الأخشاب، فتساءل أحد الجنود: هل كان حلماً؟ ورد آخر: حين تتزايد الأوهام تصبح الحياة بلا نكهة، وعلق ثالث: عسى أن يكون وهماً، فحقيقة أمس تنغصُ عيش عشرين جيلاً.‏

لم يتركه جيرانه حتى الفجر، إذ ليس للشهداء ما يشغلهم إلا التشاور فيما يمكن عمله لمساعدة الأحياء، وقبل شروق شمس أيلول بقليل داهمه نعاس ناعم فنام، ولم يستيقظ إلا على رعشة شعر بمثلها حين لامست جبهته أرض المسجد الأقصى. وكان يشعر بها كلما لامست جبهة دالية حجارة الضريح، دالية التي لم تتغير، ولم تغير مواعيدها، ولا يدري إن كان النحل قد استمدّ لون عسله من لون عينيها. كانت تزور ضريحه كل شهر فتضع آساً جديداً، وحين تلمس جبهتها حجارة القبر كان فرح يتسلل إلى قلبه، فقد كانت رقتها كافية لتخترق حجارة القبر وتشعل كيانه كله.‏

فوجئ الشهداء بقرار المجلس البلدي الجديد- المنتخب بأسلوب ديمقراطي- تخصيص مبلغ مليوني دولار من أموال وكالة الغوث من أجل إقامة سور مرتفع للمقبرة "للتخفيف من الفوضى السائدة فيها نهاراً وليلاً، وتنظيم الدخول والخروج بأوقات معلومة، فهذه مقبرة وليست حديقة للنزهات، وعلى البشر احترام سكينة الموتى". قرار المجلس، وعلق أحمد: تصوروا يعتبروننا موتى، ونظر إلى زملائه الذين ضحكوا طويلاً، وغمز بعضهم ساخراً "وغاية المجلس تأمين سلامة القبور ونظافة المقبرة من عبث العابثين وفساد المفسدين". ورسا العقد على شقيق رئيس المجلس الذي بدأ مقاولاته حديثاً، ويتوقع له أن يغدو مستثمراً كبيراً خلال وقت قصير.‏

لم ينم أحد من الشهداء ليلة أكمل السور، كانوا في حالة من الغضب والإحساس بالاختناق، لم ينتظموا في حلقة، ولم يفسحوا في المجال لقص الحكايات، ولم يتبادلوا النكات- على غير عادتهم- وكل ما فعلوه أنهم شدوا أكفانهم وأحزمتهم السوداء ومضوا تغسلهم قطرات مطر ناعم.‏

رأت دالية أسراباً من الحمام الأبيض المذعور تتجه غرباً، فتعلقت عيناها بجناحين متمايلين، ربما كانت تحية وداع لها، بكت طويلاً وأحست أن قلبها ينخلع من مكانه، وحاصرتها فجيعة لا يقوى النسيان على كبحها، ولم تعد تجد ما يشدها إلى زيارة المقبرة، وغدا المكان أشبه بسجن.‏

قالوا إنها شغلت نفسها بنسج شال يشبه الشال المقدسي وقالوا إنها ظلت تتأمل الشال الذي وجدته فوق القبر في إحدى زياراتها يحمل رائحة سوق حي الطالبية وعطر الأقصى، وكثرت الأقاويل حتى وصلت إلى الشهداء، فابتسموا وقالوا: إنها حية مثلنا، لأن هناك كثيرين مثلنا بين الأحياء.‏

وعندما جرى تحويل الجنازات إلى المقبرة المركزية، ولما نسي الأحياء اكتراثهم، وفقدوا القدرة على التذكر، تحول المكان تدريجياً ودون أي قرار موجب إلى حظيرة للماشية المهربة إلى الخارج.‏