الكيـــس

 خليل البيطار—نيسان 2004

كان شامل محرر داغستان يطلب باستمرار أن يأتوه بكتب وكان يقول:خسرنا كثيرا من المعارك بسبب السيف
 لكننا لم نخسر معركة واحدة بسبب الكتاب

"رسول حمزاتوف"

كان بيت زاهد الكمالي مبنيًا بحجارة البازلت، الباب حجري أيضًا،وليس للبيت نافذة، عدا كوة أشبه بعين المارد، وكان البيت يشبه مخزن الحبوب، حاويتا القمح والشعير الطينيتان ي الركنين الغربي والجنوبي، والصندوق الخشبي المصّدف في الركن لشمالي، وأرغفة خبز التنور في موضعها إلى يمين الباب.

وكان أفراد الأسرة محشورين فيه، لا ينظر أحدهم في عيني الآخر،بل كانوا يتأملون النقوش البدائية على الجدران التي حاولت أم زاهد من خلالها كسر الرتابة، لكن زاهدًا تعلم أن يكتب قصاصات يغالب بواسطتها خشونة المكان.

كتب في إحدى قصاصاته: حجارة بيتنا خشنة، والأرضية والجدران والباب والوجوه ونظرات العيون كلها خشنة، حتى حلمة الثدي الذي رضعناه كانت خشنة، هدهدة الأم وحدها وأغنياتها كانت تذكرنا بنعومة حلمنا بها وبحثنا عنها، ولم نجدها في الأشياء والثياب ونظرات البشر.

كانت الأشياء المحيطة به شديدة الألفة رغم خشونتها،وكان يتفرس فيها ويغوص في أعماق الأخاديد والمساحات الضيقة المعتمة،ووجد خلال بحثه خلف حاوية القمح الطينية كيسًا قماشياً مغبرًا ربط بخيط، فك الخيط بصعوبة ووجد داخل الكيس كتابين من كتب المدرسة الابتدائية زمن الانتداب،اصفّر ورقهما لكنه أجس نبض الحياة في الكلمات.

لم يدر لماذا احتفظ والداه بالكيس رغم مرور زمن طويل على تركهما المدرسة الابتدائية، ولم لم يتحدثا عنه أمامه؟ لكنه سمع تأكيدهما المتكرر مثل لازمة أغنية: أن العلم سلاح وسهر الليالي يقود إلى العلا، فسهر وتعلم واقتنى كتبًا ومجلات، وظل الكيس رفيق رحلته في مراحل الدراسة وسنوات التدريس، وظلت مكتبته تكبر وتضم إليها وافدين جددًا كأنهم قوافل اللاجئين أو مجموعات الريفيين التي تسّور مراكز المحافظات.

زوجته لم تكترث بلوثة القراءة عنده، لكنها ضاقت بتمّدد المكتبة واكتساحها معظم غرفة الاستقبال، وأعلنت امتعاضها حين صادفت بعض الكتب في أماكن غير متوقعة داخل الخزانة أو تحت السرير، ونفد صبرها بعد إخفاق محاولاتها التخفيف من حماسة الزوج لاقتناء الكتب، في وقت اقتنص فيه الآخرون أدوات وأشياء (معتبرة).

قالت: ما الذي نجنيه من هذه التجارة؟ وكادت تقول الخاسرة، لكنها اكتفت بنبرة السخر الجارحة والنظرة الرصاصية،فرد ملاطفًا:الكتاب غنيمة المغانم ونافذة المعرفة ومفرج الهموم، فتجاوبت مع نبرة صوته وقالت معاتبة: هذه فهمناها، لكن كتبك غدت تسد علينا المنافذ وتملأ المكان- بسلامتها- وتمتلكنا بدلا من أن نمتلكها، وشددت حروف الكلمة الأخيرة لتواجه نظرته غير المبالية إلى مسألة الملكية والتملك، فقال محاولا تخفيف وتيرة احتجاجها: سأحاول ترتيبها بشكل تحتل فيه أقل مساحة ممكنة، فاحتجت مقاطعة: والوافدون الجدد؟ قال: غدا حين يزيد راتبي نشتري منزلا أوسع، ونخصص غرفة كبيرة للكتب فلا يتجاوز أي منها حدوده أو يقتحم علينا فسحتنا وسكينتنا.

أهدى زاهد الكمالي زوجته أيام الخطوبة كتابين، فقرأتهما وسرت لحسن اختياره، وأهدته قلما جميلا، وقالت: أتمنى أن تصبح كاتبا مشهورا، وسأساعدك في قراءة المسودات وإعادة نسخها، وسأنقدها وأرجو أن تحتمل صراحتي، فهي تخصنا معا، وضحكت الضحكة نفسها التي أسرته يوم لقيها أول مرة.

وبعد أسابيع من زواجهما نسيت وعدها مثل كثيرات من بنات جيلها، فالتعهدات لديهن لا تقطع لتنفذ بل لتبعث انشراح الصدر المؤقت، وبدلا من نسخ المسودات أو قراءتها ونقدها أمطرت الزوجة زاهدا بطلبات ثقيلة وأسئلة حجرية، أقساها يتعلق بالكتب وإيقاف تدفقها ووجوب ترحيلها وتوطينها في مكان غير منظور، وأبدت امتعاضها من وجود الكيس، وقالت بحنق:(كله كوم وهذا الكيس كوم)،ما حاجتنا إليه؟ لم لا ترميه وتريحنا من منظره؟ قماشه تهرأ، والكتابان داخله لا ينفعان أحدا،ثم انصرفت إلى الفرجة على التلفاز دون أن تصغي لحججه التي أعدها لهذه الانعطافة المفاجئة.

تحدثا كثيرا أيام خطبتهما عن الكتب والناس والمستقبل،وحين حدثها عن الكيس الذي احتفظ به أبواه دهشت وقالت: سيكون في عيني مثلك، وكانت مثل كتاب مفتوح، يلون الربيع خديها وعينيها وخصلات شعرها، وينثر خيوطا من الضياء على جبينها وجيدها وعند منحدر النحر، وقرأ في عينيها وعودا بمسرات تكنس حرمانات الطفولة والشباب، وتبدد النظرات الحجرية والقلق المزمن وحصار اللعنات والنكد، وتزرع في داخله طمأنينة افتقدها،وزاد افتقاده لها منذ حطت الرحال في مكتبته (أيام) طه حسين و(لاز) الطاهر وطار و(ثلاثية) محفوظ و(رائحة) صنع الله إبراهيم و(مدن ملح) عبد الرحمن منيف و(رمل) بورخيس و(بطريرك) ماركيز و(هوية) كونديرا.

في الذكرى العاشرة لزواجهما قالت: كم تغيرت! وأجاب مبتسما:العالم كله تغير، أليس التغير شرطا لاستمرار الحياة؟ وبعد صمت قصير أضافت: لكن الكتب تكاد تسلبك مني، وقربت الوردتين الحمراء والبيضاء من أنفها قبل وضعهما في المزهرية، وقالت معاتبة: أكاد أذبل من عدم اكتراثك بي،وبذل جهدا لإزاحة المشاعر الشاكية الواخزة عن أجواء المناسبة، لكن حاجزا حجريا غير مرئي تعالى بينهما، ولا يدرى إن كانت حجارته من الرقم أو الكتب القديمة.

في الأسابيع التي تلت اعتكفت الزوجة في المطبخ دون أي إشارة أو مشادة أو إنذار مسبق أو تبرير مقنع، ورفضت الإجابة عن أسئلته،وبعد إلحاحه وتدقيقه عرف أن الجيران اشتروا أثاثا جديداً لغرفة الاستقبال، وفهم منها أنها تشعر بالخجل عند قدوم الزائرين لأن غرفة الاستقبال لديهما قد تهرأ أثاثها وغدا مثل لون كيس الكتب القديم.

قال محاولا استرضاءها: يمكننا شراء أثاث جديد يا حبيبتي،فرمقته متفحصة صدق عزمه، وحين لمحت تأكيداً وتجاوباً قالت: أريده أفضل من أثاث جيراننا، وأريد أن ترحّل (لاجئيك) من الكتب عنا حتى يتحرر الجالسون في غرفة الاستقبال من أسر النظر إليها أو الحديث عن أسرارها وأصحابها، وأحوال الغرباء والقدماء، وكي يتسنى لنا التحدث عن أنفسنا وأحوالنا.

توقعت الزوجة أن يبدي زاهد معارضة شديدة للمطالب، وتهيأت لمواصلة الاعتكاف، وارتفع الجدار أكثر، وغدا أسمك، وغدت نظرات الزوجة حجرية وملتبسة, وخسر الزوج تدريجياً الاعتراف بوجوده وسيادته على مسكنه وكتبه وأحلامه، وبدأ مفاوضات طويلة معقدة مع زوجته، وقدم تنازلات صعبة، لكنها أصرت على أن مسألة الكتب غير قابلة لحل، وأن ترحيلها المدخل لأي حل وسط، وتذكر ما قدم للمنطقة من (حلول وسطية)،و(الحل الوسط) الذي اخترق مساكن جنين لمتداعبة، وغدا مستعداً لقبول أي شيء منذ بدأ أول تنازل جوهري، وجرى ترك المسائل والحلول الوسطية المقترحة لها جميعها، وبدأا البحث عن مكان لترحيل الكتب إليه، ما دام بيعها الذي اقترحته أو إيداعها في السقيفة الذي اقترحه قد استبعدا، ولم يبق سوى الترحيل وإيجاد المكان البديل، واستذكر زاهد البيت القديم وحاوية القمح الفارغة فيه، والصحراء الزاحفة التي لم تبق قمحاً أو شعيراً، وإن كانت قد هجّرت البشر وأذلت الشجر، وأيقظته حماستها المفاجئة حين قالت: وجدتها‍‍‍‍‍‍‍، وعجب من قدرتها على قراءة أفكاره، فقالت موضحة:هذا أفضل مكان لها، وحاول الاعتراض فقاطعته قائلة: (الكوارة) عازلة لا تسمح للرطوبة بالتسلل إلى الكتب، وأنت تحب زيارة البيت القديم، وهكذا تحقق إحدى أمنياتك.

جرى ترحيل الكتب وركمها في (الكوارة)، وسمع زاهد أنيناً خافتاً، لكنه قدر أن المكان المهجور يولد مثل هذه الأصوات المبهمة، أو أن الصوت الذي تناهى إلى سمعه صدى لأحداث تقع في مكان بعيد، وامتلأت الكوارة بالكتب، ووضع فوقها غطاء من صحف قديمة، وجعل الكيس القديم فوقها، فبدا مثل عنوان مجلد كبير، وتسلل إليه شعور بالفقدان، وغدا مثل شاهد على عملية دفن مجموعة من اللاجئين أحياء، وحين عاد إلى المنزل صدمته رائحة قطع الأثاث الفخم التي احتلت معظم الهواء وبلاطات غرفة الاستقبال، وأحس بالاختناق فخرج إلى الشرفة، وأصغى إلى الضجيج المتواصل لأبواق السيارات وأبواق الباعة، ليشغل نفسه عن الضجيج الذي تفجر داخله وتشظى قصاصات صغيرة كتب على وجهي كل منها كلمة (لماذا).