|
عدنان كنفاني
جفّت الأقلام، وارتفعت الصحف، وما بقي غير غراب البين ينعي ما بقي من كرامة ولاة أمور هذه الأمة.
الكل نيام، والكل صامتون وكأنهم في مقبرة أمواتاً أو "خُشب مسنّدة" ليس فيهم روح ولا حياة ولا كرامة.
إنهم يسمعون ويتابعون ويرون، ولكن لا عيونهم أبصرت ولا آذانهم سمعت، ولا ألسنتهم نطقت، فبئس العالم الظالم، وبئس الحكام "حكّامنا"، وبئس حالهم وبئس حياتهم.
يتذرعون بالحكمة ولو كانت على حساب الماء المتبقي في وجوههم وفي صفاتهم العوراء الكأداء، ويتوارون حول المعنى العقيم في أن للسياسي أن يتحرك في مربعات الممكن، في فنّ الممكن.. ولكن تناسوا أن هذا الممكن أخذهم منذ زمن بعيد إلى أعماق عار لم يلبسهم فقط، بل تطاير شرره ليلبسنا جميعا.
كثير هم، ولكن قليل أثرهم.. ينتفخون في مجالس البيان، ويتبادلون الأنخاب مع قتلة شعوبهم، وعندما تلمّ بالأمة نائبة يهرعون إلى جحور الصمت.
وهذا الذي سلبهم حتى قدرتهم على اتخاذ رأي وقرار يتحدى ويتمطى.. يقول أولمرت أن لا شيء سيوقفه، وستبقى قواته المدججة "تتدحرج" من أجل تحرير أسير، والأسير هذا جندي إسرائيلي غارق بدمنا حتى النخاع، لم يقم أحد ويقول وماذا عن عشرة آلاف معتقل فلسطيني في سجون الصهاينة بلا ذنب اقترفوه غير وطنيتهم وحبهم لبلدهم.؟
يقول أنه سيدمّر البنى التحتية في غزة وفي أي مكان، وسيغتال قتلاً مع سابق إصرار وترصّد زعماء فلسطينيين كبار، سياسيين وبسطاء ومدافعين وعمال وفلاحين، قافزاً فوق الحدود ليهدد سورية التي لم تخضع للعار يوماً، ولم ترضخ لإرادة الغزاة، فهل من معارض.؟ سكتت الأقلام وجفت الصحف.
نفهم مواقف أمريكا وأوروبا، فكيف يمكن أن نفهم مواقف أبناء العمومة.؟
ناطق باسم رئيس دولة عربية كبيرة وقف ذات يوم وصرّح بخيلاء أن حكومته لن تسمح لقطعة سلاح واحدة تصل إلى أيدي الفلسطينيين.
وتلك الدولة التي نشرت 2500 رجل أمن على حدودها هل يجرؤ أحد ويقول لماذا.؟
هل حشدوهم لنصرة الشعب الفلسطيني الأعزل.؟ أم تراهم توضّعوا لمنع أي فلسطيني من مغادرة موسم الهلاك.؟ وبمعنى أفضح مساهمة في حصار وقتل الشعب الفلسطيني.
وماذا عن ذلك الحالم الذي تبادل الأنخاب مع أولمرت منذ أيام ومساعيه "الحميدة"..!
هل نقول بأن بشائر الغزو القادم هي واحدة من نتائج تلك المساعي الحميدة.؟
أما عن ذلك اللاهث وراء مفاوضات المفاوضات، فهو الآن يدفع أيضاً فاتورة عدم وفائه بما وعد الصهاينة به، لأن هذا الوفاء خارج من يد وسطوة زبانيته الفاسدين، وصار بيد الشعب.
أولمرت الآن يرغي ويزبد، يتوعد ويحشد، يهدد فلسطين والفلسطينيين في الداخل والشتات، ويتوعد المقاومة في لبنان ويضع سورية والجميع تحت منظار التهديف، فهل من صوت عربي أطلق صافرة خطر، أو على أقل اعتبار قال كلمة.؟
لقد أرغى وأزبد ذات يوم "عمرو بن ود العامري" ونادى وهو الكافر رهط المؤمنين: هل من مبارز، هل من منازل. فلم يقم لمبارزته أحد، فنادى من جديد: فارس لفارس اثنان لفارس ثلاثة لفارس.. ثم شط واستعلى ونادي: كلكم لفارس.
فهل يقوم له "عليّ" جديد يشطره نصفين.؟
أم جفّت أرحام النساء التي تنجب صفوة الحكّام عن إنجاب الرجال.
تغرقون بالعار، وتظهرون علينا بوسامتكم، ونظافتكم، وزبانيتكم.
فهل حقيقة لا تنظرون إلى شخوصكم في المرايا لتدركوا كمّ القبح الذي يكتنفكم.
أما الشعب الفلسطيني العظيم فالله معه، وقلوب الأحرار معه، وسيبقى.. وسيقاتل بأسنانه وأظافره دفاعاً عنكم، وعن دولكم، وعن شعوبكم، وربما ذات يوم يضخ في شرايينكم دماً أحمر يعيد إليكم الصحوة وتنصرون أبناء عمومتكم.
|