سَنُعيدُ إلى الأرضِ الإرث


 قصيدة ألقاها الأديب عدنان كنفاني في مهرجان الشعر، والذي جرت فعالياته في قاعة المحاضرات في مبنى اتحاد كتاب مصر على هامش المؤتمر العام لاتحاد الكتاب والأدباء العرب في القاهرة
 

داهَمنا الوَقت

وكنتُ على مقعدِ صَفٍّ في مَدرسةِ التاريخ

أتعلّمُ كيفَ أُهجّي الحَرف..

تعلّمتُ بأن الشاطئَ لي

والنهرَ وما بينهما.. إرثي

وتعلّمت كثيراً أن العدلَ رِياء  

 

تعلّمتُ مُعايَشةَ القَهر

وفنَّ الصَبر

وكيفَ أصلّي وأطيعُ أولي الأمر

وكيف تُوالي كَفّايَ الشُكر

وأنا في رَكبِ الفُقراء..

 

أذكرُ أنَّ الرايةَ كانت خَضراء

مثلَ مرابِعنا في الأوراس

وفي دلتا النيل

في شطِّ العرب

وفي "مكّةَ" عند البيت الراعي لمفاخرنا

وفي القُدسِ.. وجنّتنا الفَيحاء

 

هذي أمَتُنا

نحسبُها ما زالت تحتَ عباءةِ من كانوا

خُلفاءَ على باديةٍ

صَيّرت السَعفَ وروداً وسيوفاً

ومناراتِ إباء..

يوم أطلّت خيلُ النصرِ فوق ذرى "طوروس"

وعلى أبوابِ فَرَنسا

وعلى مرمى من داسوا حفنةَ تِبرٍ من أرضِ الصين

نجترُّ مفاخِرَهم

نرفعُ ما زلنا رايَتَهم

 

الآنَ.. على مدِّ الوقتِ

منذُ تَنامت فينا الشهوات

ما بقي لنا غيرَ جفافِ الصحراء..

 

نجترّ التاريخ

ولكن لا تعنينا تلك الأيام

ليست غيرَ مراسمَ عيدٍ نذكُرها

كي نتذكّرَ أنّا كنّا

لا أكثر..

نتذكّرُ لا أكثر.!

 

أين الفاروقُ وعثمان

والصدّيقُ وفاطمةُ وأسماء

أين عليٌ والسيفُ البتّار

والسبطانِ.؟

وخالدُ والجيشُ الجرار

والرايةُ تحمِلُها الخنساء

أمّ الشُهداء..!

 

هل نحن من الصُلبِ الـ كان..؟

أم طحنتنا أقوامٌ غُرباء

فاستسلمنا للغَزوات.!

 

وهماً صِرنا

بين كؤوسِ النشوةِ نتباهى

لا شيءَ سوى

خمرٍ.. وطعامٍ.. ونِساء.!

فتلاشَت من بين حُروفِ معاجِمنا

كلُّ ملامِحنا

وتفاصيلِ الأسماء.

 

منذ تربّعتِ النجمةُ سقفَ الكون

وانغرسَ الخنجر في ظَهر الساجدِ عندَ المِحراب

تناثرت الأنواءُ لترمينا بالشُهبِ الصفراء

لم نُبدِ حِراكا..

فتسمّرتِ الأقمارُ على وجهِ الأرضِ الآخرِ

وعلى الوجهِ الزاحِفِ فينا

غلّفتِ العَتمةُ كلَّ الأشياء.

 

وصارت دورتُنا من مركَزِنا

حتى مركَزنا

نتصارعُ كذئابٍ لا نأكلُ غيرَ اللحمِ الطازجِ فينا

أنيابٌ

ما كفّت يوماً عن تمزيق خرائِطِنا

نبحثُ عن قوتٍ يملأُ جوعَ مدامِعِنا

بين الأشلاء..


 

لا مجدَ سوى جيفٍ تتعتّقُ فوقَ كَراسي تَحكُمنا

لا بأسَ.. نواصلُ نشدو ونُغني ونُصفّقُ طَرباً

ما دامت تلكَ الجيف العمياء

تطعِمنا وترفّهنا وتسلّينا

 

أتساءلُ.. بل تتساءلُ كل المفجوعاتِ بنا

هل نحنُ السُفهاء.. أم هم..!

من سرقوا منا حتى قولَةِ لا.؟

وبنوا في صدرِ الواحدِ منّا

قضباناً.. سجناً.. جلاداً ليُحاسبنا

هل نحن صنعناهم كي نهربَ منّا.؟

وجعلنا منهم أصناماً تتوالدُ

كيَغوثَ ونَسرا.؟

 

قد كبُرَ الوهمُ علينا

وطوانا في منظومَتهِ الأبدَية

فتنادينا نشبهُ أقواماً بادوا

نتقاتلُ دهراً

لا نعرفُ..

هل ما زالت قائمةً حربُ الداحِسِ والغَبراء.؟

 

لا نعرف من يَدهُ لم تخنُق عَبراتِ الصادقِ منّا

من صافحَ مَن أوغَل قَتلاً فينا

من قطّعَنا إرِباً

من وقّعَ صكَّ الذُلِّ

وأوقَعَنا في مجرى أقدارٍ ما عادتْ تلتَفتُ إلينا

من يَدهُ لم تتلوّثْ بِدماءِ الأبرارِ..

الشُهداء

 

والكلّ يدور

ومنابِرُنا ما زالت تزخرُ بالخُطباء.. وبالحِكَم الجَوفاء

والكلُّ يصفّونَ حُروفاً.. وَكلاماً

يلقونَ علينا خُطباً.. عَصماء

 

وقبل ختامِ القَولِ يتمَنونَ عَلينا

زحمةَ تصفيقٍ..

وولائِمَ جودٍ..

وجوائزَ..

وَهدايا

ونقولُ.. قد صاروا رَغماً عنّا.. حُكماء   

 

سرقوا حتى البَسمةَ مِنّا

داسوا كل القيمِ الـ كانت

باعونا كشياهٍ في أسواقِ العُهر

وعلى شاشاتِ مضاجِعهم

قبضوا الثمنَ خرائِطَ ما أبقتْ غيرَ فُتات

تركونا في ساحاتِ الشِعر نقولُ كَلاماً

نبكي شقوتنا

نعلّنها صارخة.. إنّا تُعساء..

أما أشباهُ النُبلاء

من باعوا للغَربِ غُصونَ الحُلم

ورملَ البادِية الأصفَرِ

والنفطَ الأسوَد

وتِلالَ الماس

ومناجمَ زاخِرةً بالذَهبِ وبِالفِضَة

وبحيراتٍ في باطِنِها تِبرٌ

معجونٌ بالخَير

وجبالاً طَحَنتها ذاكِرةُ الآثارِ

ومعاجِمَنا

وبيادِرَنا

وزهورَ النَرجسِ

وتباكوا.. وتنادوا..

قالوا نستَسلم..؟

 

لَم يبقَ لنا إلا أن نستَسلم

فَنحنُ أمامَ جَحافِلَ من جاؤوا

ضُعفاء..!

 

وكَرامَتُنا

صارت بين أياديهِم ثمَناً.. أوراقاً

وحساباتٍ خَلفَ حُدودِ الوَهم

مُتخمَةً برصيدٍ لا نَعرفُ كَمّ

وإذا ما طَفَح الكيلُ بنا

يتباكونَ على حالِ الأُمّة

ويقولوا: ماذا نفعل.؟

من كثرةِ ما نَرصِفُ للأمّة من طُرقاتٍ

ومواخير

أصبَحنا فُقراء.!

 

لو قلتم نستسلم للغرباء

إفكاً نَرفُضُهُ..

وسيعلنُ طِفلٌ أن لا.. لَن نَستسلم

ويثورُ الطوفان..

نُلقيكُم في رَكبِ النِسيان.. ونمضي

نصنعُ من بُؤسِ مَضاجِعنا نَصراً

ونعيدُ إلى الأرضِ الإرث..

 

مَهما مرَّ الوقتُ عَلينا وعَليكم

نَنتظِرُ صَباحَ الطفل الآتيَ

يحملُ كلَّ دُروسِ التاريخِ

ولا ينسى..

أن لو داهَمَنا الوقتُ قَليلاً

كَنتُ على مقعدِ صَفٍّ في مدرسةِ التاريخ

أتعلّمُ كيفَ أهجّي الحَرف

تعلّمتُ بأنَّ الشاطِئَ لي

والنهرَ وما بينَهُما.. إرثي..