أهكذا تُورد الإبل..!؟

عدنان كنفاني

        ونحن كما نحن.. نفترس لحوم بعضنا بسهولة شربة الماء، نكفّر ونخوّن ونتهم دون حجة ودون دليل، العصبية القبلية متغلغلة حتى عظامنا إلى درجة نفقد معها التبصّر والحياد والحكمة.

نعم.. وها أنا ذا أبدأ مقالتي بعصبية، فما قرأته وتابعته منشوراً على حبال غسيل الشبكة العنكبوتية وعلى صفحات منتديات ومواقع عربية أدبية وإبداعية وعلى الورق وقد يصل إلى وسائل الإعلام المرئية أمر يندى له الجبين..

فما هذا الذي حدث.؟

كاتب (إسرائيلي) كتب تعليقاً تافهاً على قصّة في أحد المواقع العربية، وختم تعليقه بأن سطّر اسمه وتوقيعه ومكان إقامته (إسرئيل)..

ولو إنني ذهبت إلى أبعد وقلت بأن ذلك الكاتب (الإسرائيلي) لم يسء لي، ولو كتب في أمّة العرب مديحاً..! أو كتب سفراً من أسفار التكوين.! فهل يلغيه كـ (إسرائيلي)..؟

أنا أعرف صاحب الموقع الذي تسرّب التعليق إلى صفحات موقعه، وأعرف أنه وطنيّ وعروبي ملتزم، وأنه من خلال موقعه قدّم الكثير من أجل دعم مسيرة الثقافة العربية، وقرأت أيضاً ردّه الأول على الموضوع وكفاني بأن الاختراق حدث سهواً.. وكان يمكن أن يكفي الجميع ويؤكد المصداقية والشفافية لحسم الموضوع وبيان حسن النيّة، لو أنه حذف التعليق ذاك فوراً، واعتذر.. وكلنا يعرف بأن صاحب أو مشرف أي موقع يملك مفاتيح التحكّم كاملة.

فلماذا تواصلت الحملات.؟ ولماذا تواصلت الردود والتعليقات الشاتمة من هنا وهناك ومن كل من هبّ ودبّ ممن ليس لهم علم تصف هذا بالخيانة والعمالة، وتلك بالسطحية والجهل.. وهم من انتبهوا أولاً لهذا الأمر وهذا الاختراق.؟

وهذه افتراءات بعيدة عنهم وعنهن، فهم مناضلون حقيقيون ولو لم تتح لهم فرصة حمل السلاح والقتال على الحدود.! وهم شرفاء وكثيراً ما قدّموا من جهد وعرق ووقت في سبيل الدفاع عن قضاياهم، ولا يعيشون في بروج عاجية ولا في قصور بل يتجرّعون بؤس التشرد والشتات والغربة.. فليتنا لا نلقي بالتهم جزافاً ونسيء من حيث ندري ولا ندري إلى طلائعنا.

مما لا شك فيه أن صاحب الموقع (والمصفقين حوله من غير علم بتعليقاتهم الظالمة) تمادى كثيراً في تجنّيه الظالم على من اتهمهم بأقسى العبارات وبتهم هم براء منها وأنا على يقين من ذلك، وقد سرّب أيضاً بعض معلومات مغلوطة وغير صحيحة عنهم، وعرض عضلاته على مدى واسع إلى درجة أصبح الأمر استعراضا للقوّة وتمسكاً بشعارات مللناها، وتمادى أكثر عندما اتسعت دوائر اتهاماته ونرجستيه لتطال من يعرف ومن لا يعرف حتى وصل إلى دائرة شعب بأكمله.. ولن أخوض في تفنيد كل كلمة وجملة وردت، ولكنني أعرّج على مسألة بسيطة جداً وأنا أعتقد يقيناً أن لو فتحت الحدود المحروسة بإحكام من قبل دول السوار لمن يسعى للنضال لكنا جميعاً في ذلك الخندق، هم وهو، ومن في حكمهم وفي حكمه فكلنا نحمل الدم نفسه والقيم والمبادئ نفسها..

فهل هكذا تورد الإبل.؟ وهل يعرف من اتهم وخوّن وكفّر حقيقة ومصداقية ما يقول.؟ وأنا أعرف بأن الكل "صاحب الموقع والذين لفتوا انتباهه لاختراق ذلك (الإسرائيلي) موقعه" يمارسون كتابة الكلمة بشرف وشفافية، ويبذلون أيضاً من أجل قضاياهم الوطنية والقومية وليس هناك من يزاود أو يبالغ أو يستعرض.

وكي أكون منصفاً فأنا لم أجد في تصدي من تصدى لذلك التعليق ولدخول الكاتب (الإسرائيلي) غير المبرر تحت أي عنوان كان أو أي تبرير أو أي ادعاء شيئاً من شتيمة، ولم أجد غير توعية ولفت انتباه، ورغبة في توصيل رسالات كي نأخذ جانب الحذر، فالعدو أخبث مما نتصوّر، ولعل في هذه الواقعة ما يدعم فكرتي. فقد حدثني صديق فلسطيني ما زال يقيم على أرض فلسطين 48 وهو مخرج مسرحي مبدع تقدمّ بطلب إلى وزارة الثقافة (الإسرائيلية) بطلب للموافقة على عرض مسرحية فاستدعاه وزير الثقافة هناك إلى مكتبه وقال له:

(إن وزارتنا على استعداد لتمويل أي عرض مسرحي عربي أو أجنبي ترغب في إخراجه وعرضه تمويلاً كاملاً وعلى مستوى خمس نجوم، ولك مطلق الحرية في أن تقول وتعرض ما تشاء ولو كان ضدّنا بكل المعايير ولكن لي شرط واحد فقط.. أن تكون بين شخصيات المسرحية شخصية يهودية واحدة إيجابية وإنسانية في كل عرض مسرحي ولو كان دور تلك الشخصية دوراً ثانوياً)

انتهت المقابلة ورفض المخرج عرض الوزير.

نعم هناك عملاء كثر، وهناك ساقطين، وهناك انهزاميين، وهناك من يتاجر بالدم الفلسطيني، وهناك من يتخفى وراء شعارات النضال والوطنية وهو ألد الخصام، وهناك خونة، ولا أعتقد أن أي مجتمع من مجتعات الأرض يخلو من هذه المتناقضات.. فهل يبرر ذلك كله أن نكون جميعاً في ذلك الأتون.؟ ومن سيحمل همّ القضية إذن.؟

إنها مسؤولية، ومسؤولية ثقيلة جداً يقع جلّها على المثقفين طليعة كل أمّة، أن يكونوا السياج الحامي في وجه تغلغل الأفعي تحت شعارات وعناوين قد تغيب عن كثير منا، فلا ضير أن ينبّه واحدنا الآخر فالأمر أخطر مما نتصوّر، وأكبر من تبادل سباب وشتائم واتهامات ما أنزل الله بها من سلطان.

وها أنا ذا أجدها مناسبة لأطرح تصوّري لمثل هذه المسألة "التطبيع العلني أو التطبيع الخبيث" التي باتت مسار جدل بين راض ورافض وكل يأتي ببرهانه، فقد يبدو الأمر للبعض بأنه عادي وحيادي وعادل، فهذا الذي يكتب تعليقاً أو خاطرة، أو يعرض خدماته لنشر نتاجات الأدباء أو لإيصالهم للشهرة أو ليتقاسم معهم حبة القمح، وفنجان القهوة تبدو في ظاهرها بريئة وغير مسيئة وأدبية وبعيدة عن السياسة، وفيها السمّ الزعاف.

كيف أعترف بمن يلغي حتى وجودي وحقي بالحياة.؟

كيف أمد يدي لمصافحة من أوغل في دمي قتلاً وتمزيقاً وقهراً.؟

كيف أجد تبريراً لممارسة أي فعل يقرّبه مني وهو يقيم الحواجز والجدران والمسافات والأسلاك ليطمس وجودي وكياني وهويتي.؟

هذا الذي أدّعى أنه مجرد كاتب لم يسء لي بكلمة كتبها في تعليق عابر يسكن في بيتي، يتنفس هوائي، ويأكل ما زرعته يداي، وينعم بما هو حق شرعي تاريخي لأطفالي.

هذا الذي يقال بأنه أديب وليس للأدب علاقة بالسياسة يحتلني.. يقاطعني حتى في لقمة عيشي، يرفض أن يقيم أي نوع من الحوار أو الاعتراف بي او بحكومتي التي تمثل إرادتي.

هذا الذي أقول بأنه إنسان هل يعترف بي كإنسان.؟

وفوق ذلك كله فهو يحمل تحت معطفه كأي مستوطن وافد سلاحاً وترخيصاً بقتلي وقتل عائلتي وشجري وترابي، وشهادة ثناء على ما تقترف يداه..

إن مقولة المدني والعسكري، والمسالم والمتطرّف في الكيان الصهيوني مقولة بلهاء ليس لها غير وقعها في آذان الجهلاء.

عندما سؤل الشهيد الكاتب غسان كنفاني وكان وقتها ناطقاً رسمياً في تنظيم مقاوم لماذا لا تقتصر العمليات الاستشهادية أو القتالية أو المقاومة على العسكريين في الكيان الصهيوني، أجاب، نعم يمكن أن نعد بذلك لو قدموا لنا قوائم بمن هو مدني ومن هو عسكري في الكيان.؟

إنهم يسرقون ماءنا وهواءنا وثمارنا وأرضنا وبيوتنا وشجرنا وتراثنا وأزياءنا وأغانينا ودبكاتنا، يسرقون ثفافتنا وأدبنا.

سامي ميخائيل كاتب صهيوني يدّعي أنه أديب وإنسان يساري ومسالم وهو يقيم مع قوافل المحتلين على تراب فلسطين سرق فكرة رواية عائد إلى حيفا لغسان كنفاني، وبدّل فقط في العنوان إذ حمّّل روايته عنوان (حمائم في ترافلجار) وبدّل فكرة تبدو عابرة ولكنها أس البلاء إذ كتب بأن تلك الصهيونية التي تبنّت الطفل الفلسطيني المنسي تحت وطأة الموت، بعد أن هربت أسرته من بيتهم ونسوه من شدّة الخوف والهلع من موت محقق قادم مع عصابات الهاجانا والأرغون، يصبح البيت لامرأة يهودية مهاجرة من أوروبا، وزرعت في الطفل العربي سموم الفكر الصهيوني فشب صهيوني الروح والفكر، يقول الكاتب (الإسرائيلي) السارق إنها امرأة يهودية اغتصبها النازيون تكراراً إبان الهولوكست وفقدت إنسانيتها وقدرتها على الإنجاب لتجد في الطفل أمومتها وإنسانيتها..

فهل أرقى من ذلك وصفاً إنسانياً..؟

وهل يمكن أن يعطينا هذا "المفبرك" المبرر لنقول بأنه محايد وإنساني ولم يسء لي.؟

إن الغزو الثقافي هو أخطر صنوف الغزو، فهو يقتل الإنسان والروح والأصالة إلى حدّ التلاشي.

نعم يا سادتي أنا لا أقبل أن أمد يدي أو حتى نظري إلى صهيوني، ولن أقبل تحت أي ظرف وأي عنوان أن يحدث اختراقاً مهما كان ومهما حاول أن يوحي بأنه يشبه الأنبياء ويحمل قيماً أو أدباً أو إنسانية ما دام يفرض علي الحوار وهو يحتلني، ويقيم على ترابي ويمارس قتلي ويستبيح مقدساتي، فالأمر في أن أكون أو لا أكون.

ولعلها مناسبة أن أقول بأن الرسوم الكاريكاتيرية التي نشرتها الصحف الدنمركية ليست الحديثة في الإساءة لرسولنا الكريم محمد ولا لله سبحانه فهناك على الأرض والممارسة اليومية وعلى الشبكة عشرات المواقع الصهيوينة التي تسيء يومياً لله سبحانه وللقرآن الكريم وللرسول محمد عليه الصلاة والسلام..

فهل هذا هو الإنساني الأديب المحايد المدني.؟؟؟

لو كان حقاً يحمل أدنى درجة من درجات الإنسانية فليخرج من بيتي وأرضي ومن كل فلسطين ويخاطبني من البلد التي كان ينتمي إليها ويعترف بي كفلسطيني أنتمي إلى فلسطين روحاً وجسداً ويعترف بحقي ومشروعي الثقافي والوطني والقومي، يومها سأقبل أن أحاوره وأن أحتسي معه فنجان قهوة.

وربما أقبل أيضاً أن يكتب تعليقاً على قصّة على أن يوقع في ذيلها بأنه يدين باليهودية لكنه عاد يقيم في بلده الأصلي ويعترف بحقي الكامل في فلسطين.

غير ذلك فإن قبول أي (يهودي إسرائيلي) يقيم في فلسطين مهما كان، وتحت أي مسمى أو أي تفسير أو أي تبرير، أعتبره انهزاماً وتفريطاً سواء كان بحسن أو سوء نيّة.