|
أتهم المثقفين بانهيار العراق |
الدكتور علي القاسمي*
فشل
الحكم الوطني:
قبل
تسعين عاماً تقريباً، وفي سنة 1914 تحديداً، احتلت القواتُ
البريطانية العراقَ، وسط مقاومة شعبية، وذلك ضمن عملياتها العسكرية
ضد الإمبراطورية العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى (1914 ـ
1918). وأعلن قائد القوات البريطانية الجنرال فردريك ستانلي مود
عند دخوله بغداد: " إننا أتينا إليكم محررين لا فاتحين." ( وقد
توفي هذا الجنرال في بغداد بعد شهور قليلة على إثر إصابته
بالكوليرا، كما توفي قبله في بابل مصاباً بالملاريا عام 323 ق.م.
الإسكندر الأكبر، أعظم ملوك الإغريق، الذي جاء هو الآخر "لتحرير"
بلاد الرافدين من حكم الإمبراطورية الفارسية).
وبعد
أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، وتبين للعراقيين أن
البريطانيين جاءوا محتلين لا محررين، وأنهم كانوا يخططون لحكم
العراق حكماً عسكرياً، اندلعت الثورة العراقية سنة 1920، فتكبدت
القوات البريطانية عشرة آلاف إصابة وخسائر مالية باهظة
أثارت انتقادات حادة في مجلس العموم، فاضطرت الحكومة البريطانية
إلى التراجع ومنح العراقيين حكماً وطنياً.
ولكن،
بعد أكثر من ثمانين عاماً من الحكم الوطني، وفي سنة 2003 تحديداً،
تعود قوات عسكرية أجنبية، أمريكية وبريطانية هذه المرة، لتحتل
البلاد، ويعلن قائدها الجنرال الأمريكي تومي فرانكس أن قواته جاءت
لتحرير الشعب العراقي وإعادة بناء العراق. فكيف نفسر ذلك، خاصة إذا
ما علمنا أن أقطاراً أخرى في القارة الآسيوية نفسها، مثل ماليزيا
وكوريا وسنغافورة التي لم تستقل إلا حوالي سنة 1960، أي بعد أربعين
عاماً من استقلال العراق، حققت في خلال جيل واحد طفرة نوعية في
تنميتها نقلتها إلى مصاف الدول الصناعية المتطورة، واستنبتت
الديمقراطية فيها بنجاح، وأنجزت وحدتها الوطنية؛ في حين أنها لا
تمتلك ما للعراق من تراث حضاري غني وثروات طبيعية غزيرة؟ كيف نفسر
ذلك؟ ومن هو المسؤول؟
من
السهولة بمكان إلقاء اللوم على الاستعمار البريطاني والأمريكي،
ومؤامرات ربيبته الصهيونية، بل ومؤامرات حتى بعض دول الجوار. وعلى
الرغم من وجود شيء من ذلك، لا بد من البحث عن أسباب أخرى تتعلق
بالبلاد ذاتها وأهلها، لتشخيص المسؤول عن فشل الحكم الوطني وعن
الدمار الذي أصاب العراق.
مسؤولية المثقفين عن دمار العراق:
بعد
إعمال الفكر وإنعام النظر في الكارثة، أجدني مضطراً إلى توجيه إصبع
الاتهام إلى المثقفين وإلقاء مسؤولية انهيار العراق عليهم. وقبل أن
أذكر الأسباب التي دعتني إلى ذلك، لا بدّ من تعريف للمثقف. فالمثقف
ـ في نظري ـ هو مَن تلقّى تعليماً عالياً ـ رسمياً أو ذاتياً ـ
وأخذ يؤثر في الرأي العام ومسيرة البلاد، بأفكاره وتوجهاته وهو
خارج السلطة، أو بأعماله وسياساته وهو في السلطة. فالمثقف ليس هو
فقط ذلك الشاعر الذي ينظم قصيدة رنانة، أو الموسيقي الذي يضرب على
الطبل في فرقة موسيقية، أو الفنان الذي يرسم وردة حمراء، وإنما
كذلك ذلك الإنسان الذي يمارس المسؤوليات العامة. فهناك المثقف الذي
يصنع القرار السياسي ويهيئ له بما يقدمه من أفكار، وهناك المثقف
الذي يتخذ القرار وينفذه بحكم موقعه في السلطة. فأصحاب القرار
السياسي هم أيضاً، في الأصل، من الكُتّاب والصحفيين والمعماريين
والمهندسين والاقتصاديين وبقية أنواع المثقفين.
في
عام 1921، تُوّج فيصل بن الحسين ملكاً على العراق. وهو رجل يشهد له
الأعداء قبل الأصدقاء بالحكمة والتجربة والإخلاص. فبذل الرجل
جهوداً حثيثة لإرساء دعائم دولة حديثة على أنقاض ولاية عثمانية
مخرَّبة، وأصدر دستوراً حديثاً يضمن الحرية والمساواة لجميع
المواطنين بغض النظر عن جنسهم وعرقهم ودينهم ومذهبهم، ويفصل بين
السلطات التشريعية والتنفذية والقضائية؛ وأقام مجلساً للنواب،
وأنشأ جيشاً لحماية البلاد، وانتزع استقلال العراق الناجز وأدخله
عصبة الأمم، ورفع شعار " الدين لله والوطن للجميع "، وأتى ببعض
المثقفين العرب وبمثقفي العراق ـ وهم نخبة قليلة آنذاك ـ ليشكلوا
الوزارات، ويؤسسوا الأحزاب ويصدروا الصحف، وأرسل البعثات الطلابية
إلى لبنان ومصر وبريطانيا وأمريكا لإعداد أجيال جديدة من المثقفين
الذين سيشاركون في بناء البلاد.
ولكن
سياسات النخبة المثقفة التي تولت السلطة في البلاد أدت إلى الإطاحة
بذلك النظام الذي قام بجهود الملك فيصل الأول وسقوط البلاد تحت حكم
عسكراتي استبدادي لأكثر من أربعين عاماً كانت حصيلته قتل ما يقرب
من مليون مواطن في حروب عبثية طائشة، وإعدام حوالي مليون إنسان آخر
ودفنهم في قبور جماعية، وتشريد ما يقرب من ثلاثة ملايين عراقي،
جلّهم من المثقفين، في جميع منافي العالم من السويد إلى نيوزلندة،
والقضاء على أكثر من عشرة ملايين نخلة عراقية، وإغراق البلاد في
ديون خيالية، وتحويل العراقيين إلى شعب بائس فقير في بلاد غنية
بمواردها وتراثها. فأين يكمن فشل أولئك المثقفين؟
سياسات المثقفين الفاشلة:
يمكن
تلخيص الأخطاء الكبرى للنخبة السياسية المثقفة التي تولت الحكم
الوطني بعد استقلال العراق عام 1921 في ما يلي:
أولا،
الأنانية:
لم يمتلك أولئك المثقفون ـ إلا ما ندر ـ منظومة خُلقية متكاملة
تمكّنهم من تقديم مصلحة الوطن على مصالحهم الشخصية. كان همّهم
الاستئثار بالسلطة والاستيلاء على الأراضي الزراعية الجيدة وإفادة
أقاربهم ومحسوبيهم. ولم يمتلكوا منظومة معرفية متكاملة تساعدهم على
إقامة مجتمع مدني يتمتع بحريات حقيقية في التعبير والتنظيم
والمشاركة في حكم البلاد حكما صالحاً وتنميتها. كان أولئك المثقفون
يتكالبون على تشكيل الوزارات والمشاركة فيها. وإذا تولى حزب منهم
الوزارة إثر انتخابات عامة، بادر زعماء الأحزاب الأخرى مباشرة إلى
الشروع في حبك الدسائس والمؤامرات والوشايات لإسقاط تلك الوزارة
بدلاً من دعمها بالنقد البناء والرأي السديد، حتى أن عدد الوزارات
التي شُكلت خلال الفترة من 1921 إلى 1933 (وهي فترة الملك فيصل
الأول) بلغ خمس عشرة وزارة، أي أن معدل عمر الوزارة الواحدة أقل من
عام واحد ما أفقد البلاد عنصر الاستقرار السياسي اللازم لتنفيذ خطط
تنموية متوسطة وبعيدة المدى. لم يدر في خلدهم أن المهمة الأساسية
للأحزاب السياسية هي نشر الثقافة الديمقراطية وتأطير العمل
الاجتماعي في البلاد.
ثانياً، قصر
النظر:
يُلام أولئك المثقفون لعدم سعيهم إلى بناء وطن واحد موحَّد يشعر
فيه الناس بالانتماء إلى الوطن بدلاً من الانتماء إلى مجتمعات
منعزلة أو قبائل مختلفة أو مناطق متباينة. لقد شجع أولئك المثقفون
ـ بصورة مباشرة أو غير مباشرة ـ النزعات الطائفية، والروح
الإقليمية، والانتماءات العشائرية والقبائلية، والمحسوبية الشخصية،
والمحاباة الحزبية. فقد استغل بعض رؤساء الأحزاب الطامحين إلى تولي
الوزارة علاقاتهم المصلحية بعدد من شيوخ العشائر لتفتعل تلك
العشائر الاضطرابات والعصيان من أجل إسقاط الوزارة القائمة، كما
حدث في الرميثة وسوق الشيوخ عام 1935. لم يعملوا على تبديل
الولاء للوطن بالولاء للقبيلة أو الطائفة.
ثالثاً،
الجهل بمتطلبات التنمية:
لم تتصف نظرة أولئك المثقفين إلى كيفية تحقيق التنمية بالعمق
والشمول والعدل، إن لم نقل أن التنمية لم تكن همّهم الشاغل،
باستثناء فترة الخمسينات عندما أُنشئ مجلس الأعمار. كانت موارد
الميزانية العامة تأتي من جميع أنحاء البلاد، ولكن جلّ الخدمات
العامة كانت تجري في بغداد والمدن الكبيرة فقط، أما الأرياف والقرى
فكانت محرومة من الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة والماء
والكهرباء. كانت القرى والأرياف تعيش في العصور المظلمة ما أدى إلى
هجرة مئات الآلاف من الفلاحين إلى المدن، فتدنّى الإنتاج الزراعي
وتفاقمت مشكلات السكن اللائق في المدن.
لقد
تحدثت إلى واحد من المثقفين الذين تولوا الوزارة في ذلك العهد حول
هذا الموضوع، فشرح لي ـ وهو على صواب ـ أن ميزانية العراق حتى
أوائل الخمسينات من القرن الماضي كانت ضئيلة لم تكن تسمح بمشروعات
إنمائية كبيرة. ولكنني عندما راجعت المصادر المتعلقة بوجوه صرف
الميزانية خلال السنوات العشر الأولى من الحكم الوطني (1921 ـ
1930)، حينما كان 60 بالمائة من الشعب العراقي يعيش في القرى
والأرياف، و80 بالمائة منه في عداد الأميين، وجدتُ أن المسؤولين
خصصوا واحداً بالمائة فقط من الميزانية لتطوير الزراعة، وثلاثة
بالمائة لوزارة المعارف، وخمسة بالمائة للصحة، و25 بالمائة لوزارة
الداخلية والشرطة والسجون.
رابعاً، عدم
توظيف التربية والتعليم توظيفاً منتجاً:
لقد وضع أولئك المثقفون، ومساعدوهم من مثقفي الجيل الثاني، مناهج
التعليم في مدارس البلاد، ولكن تلك المناهج لم تنبني على نموذج
معرفي متفتح مستنير يضمن إعداد أجيال تؤمن بالديمقراطية، وتحترم
حقوق الإنسان، وتحتفي بالتنوع الثقافي، وتقر حق الاختلاف في الرأي،
وتنفتح على الثقافات الإنسانية الأخرى. كانت تلك المناهج لفظية في
مجملها لا تساعد على قيام مجتمع المعرفة ، وتوطين العلم، وبناء
قدرات ذاتية في البحث والتطوير التقني. أذكر أننا ونحن في المدرسة
الابتدائية أمضينا وقتاً طويلا في حفظ وقائع قبائل العرب في
الجاهلية وحرب داحس والغبراء وقصائد شعرائها، أطول بكثير من الوقت
المخصص للرياضيات والعلوم الطبيعية.
خامساً، زج
الجيش في السياسة:
يُشكَّل الجيش لحماية البلاد من العدوان الخارجي، وليس
لتسيير مرافقها الاقتصادية والقضائية والإدارية والمرافق المدنية
الأخرى، ولا حتى الأمن الداخلي الذي تتولاه عادة قوات الشرطة
والأمن. ولكن عدداً من أولئك المثقفين السياسيين لجأ إلى استخدام
الجيش في قمع أية معارضة لهم ولو كانت مجرد مظاهرة بسيطة وإعلان
الأحكام العرفية وتعطيل الدستور وحل البرلمان. استخدموا الجيش في
قمع تحركات العشائر المفتعلة سنة 1935، وفي سحق الآثوريين
المطالبين بإنصافهم عام 1936، وغير ذلك. ومن الأمثلة المؤلمة،
تحالف جماعة الأهالي ـ المكونة من مثقفين ديمقراطيين ويساريين من
الجيل الثاني ـ مع الجيش لإسقاط الوزارة القائمة عام 1936، وهو ما
يعرف بانقلاب بكر صدقي، الذي يوصف بأنه فاتحة الانقلابات العسكرية
في البلاد العربية قاطبة في العصر الحديث. وتكرر هذا الأمر عندما
تحالف سياسيون مدنيون مثقفون مع ضباط عسكريين طامحين في السلطة
وهم ليسوا مؤهلين لها لاختلاف الاختصاص للقيام بانقلاب عسكري عام
1941 وهو ما يُعرف بحركة رشيد عالي الكيلاني.
جميع
تلك الأخطاء القاتلة فسحت الطريق أمام الانقلاب العسكري عام 1958
الذي قضى على الملكية رمز وحدة البلاد، وعلى المؤسسات الدستورية
ومحق بذور الديمقراطية. واستمر الحكام الجدد في التناحر فيما
بينهم، وتقديم المصلحة الشخصية والحزبية الضيقة على مصالح البلاد،
وإثارة النعرات الطائفية والروح العشائرية، وحبك الدسائس
والمؤامرات على بعضهم البعض، حتى أن الولد في العائلة الحاكمة يطلق
النار على عمه، ويقتل الرجل ابن أخيه وزوج ابنته تكالباً على
السلطة، ويهدّم الحاكم مدناً كاملة على رؤوس أهلها.ومن العجيب حقاً
أن يقرر الطاغية إيداع 5% من موارد البترول العراقي في بنوك
سويسرية وأوربية ويابانية باسمه بحجة الاحتفاظ بها للحزب الحاكم
عندما يحتاجها، ويبلغ مجموع ما أودعه في الفترة من 1973 إلى 1990
أكثر من ثلاثين مليار دولار،( طبقاً لمذكرات وزيره في الاقتصاد
جواد هاشم التي نشرها في جريدة الشرق الأوسط الشهر الماضي)، وكأن
الشعب وموارده في خدمة الحزب وليس العكس. إضافة إلى قيام الطاغية
ببناء 55 قصراً فارهاً مليئة بالغزلان والملاعب والمنتزهات في حين
كان أطفال العراق لا يجدون الحليب ولا الدواء ولا الغذاء.
ولقد
كان موقف معظم المثقفين من الطغيان مخجلا: زمرة تصفق وتزمّر وتلمّع
صورة الطاغية وتماثيله، وتكتب الروايات الجنجلوتية وتنظم القصائد
الملحمية في وصف انتصاراته الوهمية في معارك خاسرة دمّرت البلاد؛
وفريق لم يتصف بالشجاعة الأدبية للإفصاح عن رأيه أو السعي للتغيير،
بل آثر السلامة وهجر البلاد واحتمى بالملاجئ، وأنا منهم، وظل فريسة
وخز الضمير لتخليه عن رسالة المثقف ومسئوليته. وقليل أولئك هم
المثقفون الذين التزموا بشرف الكلمة فقضوا في غياهب سجون التعذيب.
شلة من السكارى في عرس شعبي:
قال
الصحفي الساخر خالد القشطيني في معرض حديثه عن ساسة العراق: " وعلى
امتداد الثمانين سنة الأخيرة أساؤوا مهمتم وتصرفوا كشلة من السكارى
في عرس شعبي، قضوا وقتهم في العراك مع بعضهم البعض، وفي التناحر
والتقاتل والانقلابات والاغتيالات بين فريق منهم وآخر حتى أوصلوا
البلاد لهذه الكارثة."
وأتفق
معه تماماً، بيد أن تشبيه أولئك الساسة بشلة من السكارى تشبيه
فاسد، لبطلان أحد ركني التشبيه. فالمُشبَّه به ينبغي أن يكون أعظم
من المشبَّه وأشهر (زيد شجاع كالأسد). في حين أن الأمر على العكس
هنا، فالضرر الذي تُحدثه شلة من السكارى لا يقاس بالتدمير الذي
أحاقه أولئك الساسة بالعراق؛
وممارسة السلطة وتدبير شؤون الوطن ليس عرساً شعبياً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*
كاتب وباحث عراقي يقيم في المغرب، عضو مجمع اللغة العربية
بالقاهرة.