نظريات النقد

تحت مطرقة النقد

بمناسبة صدور " في ضيافة القصيدة " للدكتور رشيد برهون*

 الدكتور علي القاسمي

        يحقّ للأدباء المغاربة أن يفخروا بأنهم تبوءوا في العقدين الأخيرين مكانة سامية في مشهد الأدب العربي، خاصة في النقد الأدبي والتجريب في الأشكال الكتابية.  فالنقّاد المغاربة هم الذين قدّموا إلى القارئ العربي معظمَ المدارس النقدية الحديثة، كالبنيوية والسيميائية والتفكيكية والموضوعاتية ونظريات جمالية القراءة والتلقّي والتأويل والنص المترابط ، وغيرها. فصارت دور النشر المشرقية تحتفي بالكتاب المغربي، وسيطر إبداع المغاربة على المجلات الأدبية في المشرق. وأصبحت أسماء كثير من النقّاد المغاربة مثل الخطيبي وكليطو ومفتاح وبرادة واليابوري والعوفي والخطيب وعقار وبنحدو وبوحمالة ويقطين وبنكراد والقمري والشاوي والحمداني وفرشوخ والزاهي وغيرها كثير، معروفة متداولة في أقطار المشرق، ومُنحَت جائزة الملك فيصل السعودية في النقد، لناقد مغربي هو الدكتور سعيد علوش.

 

        تضافرت عوامل عدّة لتمكين الأدب المغربي من تبوأ مكان الصدارة في الأدب العربي خلال المدّة الأخيرة. أول هذه العوامل أن الجامعات المغربية أخذت تعطي ثمارها من أجيال الباحثين، فأولى هذه الجامعات، وهي جامعة محمد الخامس بالرباط، تحتفل هذا العام بمرور نصف قرن فقط على تأسيسها. وثاني هذه العوامل جوّ الحريّة النسبية الذي يتمتع به المغرب عموماً، والصحافة المغربية خصوصاً، ما يشجّع على الإبداع وإطلاق الكلمة. والعامل الثالث تمكّن الأدباء المغاربة من اللغة الفرنسية وصلاتهم المستمرة مع أوربا، ما يؤهلهم للاطلاع على الاتجاهات الأدبية والنقدية الجديدة.

 

        بفضل هذه العوامل مجتمعة تمكّن الكتّاب المغاربة من التفوّق في مجال النقد الأدبي المعاصر ونظرياته، وفي الأشكال الكتابية التجريبية. لكن المتتبِّع للمشهد الأدبي المغربي، يفاجَأ اليوم بارتفاع أصوات شابة عديدة راحت تهاجم جبهتين: التجريب، من جهة، والمقاربات النقدية المدرسّية، من جهة أخرى. وشُنَّ هذا الهجوم بصورة متزامنة من جنوب المغرب وشماله .

 

        ومن نماذج هذا الهجوم، ما كتبه الناقد حسن مودن، الكاتب العام السابق لاتحاد كُتّاب المغرب ـ فرع مراكش، الذي يحضّر رسالة دكتوراه في النقد، وقال فيه:

       

        "إنّ جنس القصة بالمغرب قد عرف نوعاً ملحوظاً من الازدهار وخاصة مع الدينامية التي خلقها التجريبيون في العقود الخيرة... لكني كنتُ دائماً أسجّل أن الإغراق في التجريبية قد تضع بعض التجارب خارج هذا الجنس، وأنه حان الوقت للعودة إلى طرح أسئلة قديمة لا يعيرها التجريبيون الكثير من الاهتمام، فهم انشغلوا بسؤال كيف نكتب؟ وأهملوا سؤال لماذا نكتب؟ بحجة أنه سؤال إيديولوجي لا فنيّ."

 

        وبعد مدّة، هاجم محررُ جريدة "العَلم الثقافيّ" الشاعر محمد بشكار، النقدَ التنظيري المدرسي، في إحدى افتتاحياته قائلاً:

 

        " القراءة العاشقة، بقدر ما تسترشد باللذة في استبطان مكامن الجمال الثاوية في النصّ، بقدر ما تعمل القلق المعرفي الذي يجد سنده المرجعي من حيث الحجة والتعليل في الفكر وشتى الخطابات السياسية والتاريخية والسوسيولوجية، بالإضافة إلى الحقول الخصبة لعلم الجمال... وهذا المسلك الجمالي في المقاربة والاستقراء، سيحرر الناقد من أعباء إسقاطات التنظير المدرسي، كما يغدو النص الإبداعي مفتوحاً للمحاورة الداخلية."

 

        ويأتي الهجوم الكاسح اليوم من شمال المغرب حيث كتب المترجم الناقد الدكتور رشيد برهون، الكاتب العام لاتحاد كُتّاب المغرب ـ فرع تطوان، في مدخل كتابه الجديد " في ضيافة القصيدة " قائلاً بكثير من المرح وبشيء من السخرية:

 

        " ...من النقّاد من يحلّ ضيفاً ثقيلاً على النصوص المقروءة، هكذا تطالعك الجداول والإحصائيات والترسيمات والخطاطات، وترهبك المصطلحات المتراصة المتعاضدة لخلق جو متعالم لا تملك معه إلا أن تسلم لصاحب النقد بالعلم الوفير.

        قد نسلم لذلك الناقد أنه تلميذ نجيب حفظ عن ظهر قلب النظريات وآخر التقليعات، وكشفت له النصوص عن أسرارها، وأسلمت له معناها قيدة منطاعة، وقد روضتها مصطلحاته وقدرته على قياس علل البياض والسواد، وما بينهما من علامات لا تدركها إلا مساطره الدقيقة. ولكننا مع ذلك، نحتفظ لأنفسنا بالحق في عدم متابعة ما يكتبه، ربما عجزاً عن استيعاب خطابه الفذّ العلمي الرصين، أو لأننا نقرأ التماساً لشيء لا تدركه الخطاطات ولا تسجّله الخانات، إنه متعة الكتابة."

 

ويشاطره هذا الرأي ابن مدينته القاص الناقد خالد أقلعي، الحائز على دكتوراه في النقد، فيتحدّث عن " ركام النقد الأدبي المعاصر المترع بسياجات من الغموض والكبر والتعالم، والمثقل بخردة من المفاهيم النقدية والاصطلاحات المستنبتة قسراً من حقل إبداعي برّاني عن تراب الإبداع العربي، المخصوص بقضاياه الفكرية، وأسئلته الجمالية، وطرق تعبيره الفنيّ."

 

وفي الوقت الذي أحسب أن للنظريات النقديّة وتطبيقاتها موقعها الهامّ في الدرس الجامعي والبحث الأكاديمي وهذا يختلف عن مراجعة النصوص أو قراءتها قراءة عاشقة في الصحف، فإن للهجوم دلالة ذات مغزى مفادها أن الأدباء المغاربة عموماً، والنقاد منهم خصوصاً، أخذوا يرون ضرورة إدماج الأدب في محيطه الاجتماعي وتفاعله معه، ومخاطبة القارئ غير المتخصص بلغة يفهمها وتراكيب يدركها، لئلا يبقى الأدباء في برج عاجي يقرؤون لبعضهم البعض ويتخاطبون برطانة لا يفقهها إلا من أنتسب إلى حلقتهم المغلقة، وأنهم أزمعوا على أن يشارك الأدب بفاعلية في التنمية البشرية التي يشهدها المغرب حالياً.

 

* د.رشيد برهون، في ضيافة القصيدة (القنيطرة: مكتبة الفن 7، ماي 2006)