لم أكن أعرف
أدوارد سعيد شخصياً. ولكنني كنتُ أسمع صوته المتميّز. كان صوته
يصلني هادراً ثائراً بنبراته القوية، وإيقاعه المثابر، ونغمته
الحزينة؛ فينفذ إلى قلبي وعقلي بلا تأشيرة دخول، ويخلّف في نفسي
الأسى وفي روحي الأمل. كان صوتُ أدوارد سعيد صوتَ مَن لا صوت لهم.
فقد أعار أدوارد سعيد صوته للبائسين والمحرومين والمظلومين
والمضطهدين في كل مكان. وهبَ أدوارد سعيد صوته للمخنوقة أصواتهم من
النساء والشيوخ والأطفال، والمشردين واللاجئين في الخيام.
لم أكن أعرف
أدوارد سعيد. ولكنني كنتُ أقرأ بعض كلماته الرائعة التي بثها
باقتدار وسخاء في عشرين كتاباً على مدى ما يقرب من أربعة عقود من
الزمن، من كتاب (جوزيف كونراد وقصة السيرة الذاتية)
الذي صدر عام 1966 حتى كتاب (تأملات حول المنفى) الذي نُشر
عام 2000. وكلا الكتابين ـ أول كتبه وآخر كتبه ـ يتناول مشاعر
الاغتراب والنفي والتمزق الداخلي. فجوزيف كونراد كان بحاراً
بولونيا هاجر إلى فرنسا ثم استقر في إنجلترة وكتب رواياته باللغة
الإنجليزية، لا بلغته الأم، تماما مثل أدوارد سعيد. وكلا الرجلين
عانى مشاعر الغربة المزدوجة والصراع بين لغتين: واحدة عاش فيها
طفولته وفتوته وأخرى عبّر فيها عن تجارب تلك الحياة. وهذا ما دعاه
أدورد سعيد بـ " إعادة بناء عالمٍ بمصطلحات عالمٍ آخر".
كانت كلماته
تجمع بين رصانة الباحث الأكاديمي، ورقة الشاعر المرهف الأحاسيس في
آن واحد. كانت كلماته تخاطب العقل بالمنطق، وتداعب العاطفة
والوجدان بالأخوة الإنسانية، لأن أدوارد سعيد كان طيب القلب جداً
وصلب الإرادة جداً، كما قال عنه جمال الغيطاني. لم تكن كلماته تضيء
الطريق في هذا العصر المظلم فحسب وإنما كانت تشعل النيران أيضاً.
كانت كلماته تصوّر أيمانه بقيم الحق والعدل والجمال، وتمسُّكه
بحقوق الإنسان أينما كان. فالكتابة، في نظر أدوارد سعيد، ليست مهنة
وإنما مشروع، إذ يصب الكاتبُ نفسَه في عدد من الأعمال، وهي بدورها
تعرّفنا به وتحدد هويته.
لم أكن أعرف
أدوارد سعيد. ولكنني كنتُ أعجب بخصلة الوفاء في شخصيته. غادر
أدوارد سعيد فلسطين وهو فتى وعاش في أمريكا بقية العمر، أي أنه عاش
(خارج المكان)، ولكن فلسطين لم تغادر وجدانه أبداً وإنما
بقيت داخل سويداء القلب. فقد ظل دائما يخبِّئ بين الجوانح أجراسَ
كنائس القدس، ومنائرَ مساجدها، وزغاريدَ نسائها. وبقي يحمل مأساة
الشعب الفلسطيني ومعاناته بين الضلوع وفي بؤبؤ العين، وامتزجت دماء
الشهداء الفلسطينيين بمداد قلمه. واستطاع أدوارد سعيد بنضاله
الفكري أن " يضع فلسطين في قلب العالم ويضع العالم في قلب فلسطين،
"، كما قاله زميله الشاعر الفلسطيني محمود درويش.
كان من بواكير
أعمال أدوارد سعيد كتاب (القضية الفلسطينية) الذي صدر عام
1979 ، وكانت آخر محاضرة له في جامعة أكسفورد عن فلسطين كذلك. في
كتابه المتميز في النقد الأدبي الموسوم بـ ( البدايات )
والصادر عام 1975، يستعرض أدوارد سعيد روائع الحداثة الأدبية وآخر
الأعمال النظرية، ويجادل بأن "البداية" تختلف عن "الأصل" وأفضل
منه، لأن البداية يمكن أن يختارها المرء، في حين أنه لا خيار له في
أصله، وكل ما يقدر عليه هو أن يعترف بأصله. وفي ضوء هذا التمييز
الفذ أستطيع أن أقول إن أدوارد سعيد لم يكن وفياً لفلسطين لأن أصله
منها، ولكنه كان وفياً لها لأنه أختار أن يكون فلسطينياً. لقد مارس
أدوارد سعيد حريته في اختيار هويته. وما الحرية إلا اختيار وإرادة.
لم أكن أعرف
أدوراد سعيد. ولكنني كنتُ أتهيب شجاعته. فقد رفع أدوارد سعيد راية
مقارعة الصهيونية في عُقْر دراها، في الولايات المتحدة الأمريكية
ذاتها، حتى تعاطف معه أحرار المثقفين ونوابغ المفكرين. كانت شجاعته
لا حدود لها. ذات مرة، رتبت إحدى محطات التلفزة الأمريكية مناظرة
بينه وبين نتنياهو سفير إسرائيل في واشنطن آنذاك، فاشترط نتنياهو
أن لا يجلس في غرفة واحدة مع أدوارد سعيد، بل يجلس في بناية
مختلفة. وعندما قال المذيع في تقديمه: " إن نتنياهو لا يريد أن
يجتمع بأدوارد سعيد، وأدوارد سعيد لا يريد.." قاطعه أدوارد سعيد
قائلا: " لا، أنا مستعد لمناظرته وجهاً لوجه." كيف يخشى أدوارد
سعيد ذلك القزم الذنب، وهو الذي لم يخشَ عمالقة الاستعمار ورؤوسهم
فهاجمهم بكتابين من كتبه: ( الثقافة والامبريالية ) و (
القومية، والاستعمار، والأدب)؟ كيف يهاب أدوار سعيد شخصاً مثل
نتنياهو، وهو صاحب كتاب ( القلم والسيف ) الصادر عام 1994.
لم أكن أعرف
أدور سعيد. ولكنني كنتُ منبهراً بروعة تسامحه ورحابة أفقه الذي
يتسع للإنسانية أجمع. كان أدوارد سعيد ينتمي إلى أقلية دينية
بروتستانتية داخل أقلية أرثودوكسية داخل أغلبية مسلمة من الشعب
الفلسطيني. ولكن انتماءه إلى أقلية دينية في فلسطين لم يمنعه من أن
ينغمس في ثقافة الأكثرية، ويتفهّمها، ويتمثّلها، ويدافع عنا
ببسالة. وهكذا نجده يدافع عن الإسلام في اثنين من روائع كتبه (
الاستشراق ) عام 1978، و ( تغطية الإسلام ) عام 1981.
في الكتاب الأول، الذي يعدّه بعضهم أروع مؤلفاته، أظهر زيف العالم
الذي " ابتدعه" المستشرقون وجلا حقيقة الإسلام التي طمسوها. وفي
عنوان الكتاب الثاني تورية ذكية، فهو يشير إلى أن المستشرقين
والباحثين الغربيين الذين يفترض فيهم أن يقوموا بتغطية أخبار
الإسلام والتعريف بها، يعملون في الواقع على تغطيته وإخفاء حقيقته
الرائعة. وذات يوم، أجرى الروائي البريطاني سيئ الصيت سلمان رشدي
المتخلي عن هويته الهندية وعقيدته الإسلامية، حواراً صحفياً مع
أدوارد سعيد بعد صدور كتابه (بعد المساء الأخير) 1986 الذي
حدّد فيه خصائص الهوية الفلسطينية الواحدة على الرغم من أن
الفلسطينيين كانوا يعيشون تحت الاحتلال الإسرائيلي أو مشتتين في
المنافي، فقال رشدي : " أرغب في أن أطرح عليك بعض الأسئلة الشخصية.
أنتَ تقول بأن الإنسان حين يحدد هويته كفلسطيني، فإن ذلك يعني أنه
قادم من الثقافة الإسلامية. مع ذلك، أنتَ لستَ مسلماً، فهل هذا
يطرح مشكلاً؟ وهل هناك خلافات بشأن هذه المسألة؟" كان جواب أدوارد
سعيد ببساطة: " لا مشكل لدي وليس لي أية تجربة في خلافات من هذا
النوع." كان أدوارد سعيد صادقاً فقد كان " مسيحيأ ديناً مسلماً
وطناً " على حد وصف الزعيم المصري مكرم عبيد لنفسه.
لم أكن أعرف
أدوارد سعيد. ولكنني كنتُ مفتوناً بحدة ذكائه وسرعة بديهته. كان
يستطيع أن ينتقل بالتجارب الفردية إلى مدار الحقائق الشمولية،
ويستخلص من القضايا الوطنية معانٍ إنسانية ذات طبيعة عالمية،
وينتقل بسهولة من غموض التجريد بعيد المنال إلى وضوح التشخيص
المألوف. كان أدوارد سعيد يزور فلسطين المحتلة في الثمانينات بصفته
الأمريكية، فمرّ بمجموعة من الجنود الإسرائيليين يطردون بعض
الفلاحين الفلسطينين من أرضيهم. فسأل أدوارد سعيد الضابط
الإسرائيلي لماذا. أجاب الضابط: " إن هذه أرض إسرائيل ولا يحق لهم
البقاء فيها". فقال له أدوارد سعيد: " هكذا كان يقول الألمان الذين
طردوا اليهود من منازلهم في ألمانيا ووضعوهم في المعتقلات."
وشاهدته ذات مرة في برنامج ( كلام قاسٍ) في فضائية الـ بي بي سي
البريطانية. فقال له مقدم البرنامج المعروف بشدة دهائه وسلاطة
لسانه: " ألا تتفق معي أن الفلسطينيين يستخدمون موت أطفال
الانتفاضة في الدعاية والعرض على التلفزيون.؟" أجابه أدوارد سعيد
قائلاً: " أنا لا أفهم ما تعني. هل تقصد أن أولئك الفتيان يموتون
من أجل أن يلتقط لهم مصورو التلفزيون صورة أو اثنتين؟"
لم أكن أعرف
أدوارد سعيد، ولكن ما أعرفه حق المعرفة هو أن أدوارد سعيد كان
مثقفاً لا مثيل له ولا بديل. كان أكاديمياً مرموقاً ، مناضلاً من
أجل شرف الكلمة، وملتزماً برسالة المثقف ذي الضمير الإنساني الحي.
كان يقاوم بشاعة الظلم وظلاميته بسلاح العقل الجبار، ومصباح الكلمة
الفاعلة، وومضات الرأي الصائب، وحسام الشجاعة الأدبية والإقدام
الفكري.
لم أكن أعرف
أدوارد سعيد، ولكن ما أعرفه حق المعرفة هو أننا مهما تحدثنا عن
أدوارد سعيد، فإننا لا نعطيه حقه من العزاء والوفاء، لأنه ظاهرة
فريدة في تاريخ أمتنا الثقافي. وسنبقى نتساءل حائرين: كيف نكوِّن
جيلاً جديداً من المثقفين لهم بعض ما لأدوارد سعيد من حصافة الرأي،
وفصاحة اللسان، والتفاني في حب الأمة والوطن والإنسانية جمعاء،
ولهم بعض ما لأدورد سعيد من رقة القلب وصلابة الإرادة.
لم أكن أعرف أدوارد سعيد،
ولكن ما أعرفه حق المعرفة هو أن أدوارد سعيد جاء كالحلم، وكالحلم
مضى؛ قاوم الموت بإباء وكرامة سنين طويلة، ثم مات منتصباً مرفوع
الجبين، كما تموت النخلة واقفة محملة بالثمار، وعلّمنا كيف ينبغي
أن يعيش المرء بكرامة ويموت بكرامة. لقد مات أدوارد سعيد وشعبه
الفلسطيني، ووطنه العربي، وجميع المستضعفين في الأرض أشد ما يكونون
حاجة إليه وهم يتعرضون لغطرسة القوة وشراسة الهجمة الإمبريالية.