أرنو إلى ذلك اليوم
الذي أتوقف فيه عن الرحيل … سئمت الترحال من بلد إلى آخر، أبحث عن ملجأ
يحميني من التعسف والمطاردة، من السلطة المستبدة؛ سلطة أبي وسلطة
مجتمعي اللتان سلبتا كل درّة صغيرة من حقوقي كإنسان لا تريد سوى العيش
بسلام …
يا أهلي ... يا شعبي
...يا من أنا منكم أنتم لستم إلا وحوشا بشرية لا تُعيرون اهتماما إلا
للجمال الخارجي الزائف ... أنتم تحبون الدنيا وهي فانية... حياتكم
حلم... تسيرون في درب لا عودة منه ولا إياب... كل أفراد عائلتي لقوا
حتفهم على يد مجموعة مسلحة .... بنت الجيران اختطفت وعمرها لا يزيد عن
ستة عشر سنوات ... لماذا؟ ما دخل لفتاة في سنها في سياساتكم ...ما دخل
للنساء والأطفال في صراعكم...؟ اغتصاب وقتل للأبرياء كل يوم في بلدتي
وفي كثير من مدن وطني .... في الأزقة ... في الأسواق .... سيارات مفخخة
....قنابل محلية الصنع تهددنا بين ثانية وأخرى .... رعب يضلل سمائنا
....السلام أصبح حلما خلف السراب ... أطفال يتامى ... نساء أرامل ....
عذراوات مغتصبات ... أروي حكايتي في كل مفترق والليل في النهار حولي
يطوي شجوني ... بالأمس كنت مغامرة ... أتساءل الآن من أين أبدأ رحلتي
....وكيف أقتحم البحار ... يئست أشرعتي فظلت معلقة بجفن الأفق تلتهم
المسار ... حلم يداعب مقلتي ... لكن كابوس العنف والقتل يلبسني في
النهار والليل ... يمتد كالشريان في صحراء أوردتي .... أخي الوحيد الذي
نجي من الموت مات هو أيضا فأصبحت وحيدة بلا سكن يحميني وبلا وطن
....جدران المنزل شفاف وجدران الوطن محطم ... لا جدران يحميني إني أعيش
بلا وطن ... ماذا فعلنا ...ولماذا ....؟ تنهدت هيفاء تنهدة حارة، زفرت
بها الهواء المكتوم في رئتيها وكأنها تنفض عن نفسها أعباء الحزن
والألم. حزن عميق بداخلها ... تتأمل المكان الذي تجلس فيه .... تتأمل
الناس ... كل يسعى إلى غايته... أما هي فقد سافرت في البر ومشت في
البحر وسبحت في الصحراء تطير مع العاصفة وتسابق الريح، تغوص في الماضي
وتصارع أمواج الحاضر والخوف يتملكها من تيارات المستقبل... آه يا زمن!
إلى أين أوصلتني؟ أصبحت كالجمل الهائج كالفرس التائه في الصحراء ...هل
هنا سأحط رحالي بهذا البلد القريب من القطب؟ فليكن، من المؤكد سأتأقلم
معه. على الأقل أنا بعيدة ... بعيدة جدا من البلد الذي قدمت منه ....
هذا الذي كلما سعيت إليه .... خرجت منه متشردة وظننت أنني وجدت طريقي
ولن أتراجع أبدا .... بصيرتي رأت كل شيء. أصوات النساء الفاقدات
أولادهن وأطفال بلا منازل تتعثر حافية على أحجار ... أحجار لا تتوقف عن
الصراخ .... الجدار الذي يفصل بين هذا وذاك يتنهد حسرة ... كل الشوارع
تبحر وسط الليل ... أرض وسماء ومد لا يكف وتيارات تلبس ثوب المجون ....
لم أجد في ذلك الجسد جيلا ولا في شمسه غابة ولا في ليله زورقا فها أنا
ذا ابتعدت عن حرارته وعن حرِّ كلِّ من فيه. حانت منها التفاتة بعد
غيبوبة طويلة في بحر أفكارِها، فانبهرت لتلك الطبيعةِ الخلابة بُعيدَ
الغروب ولذلك النسيم العليل، هواء صيف أسلو، فخفق قلبها، خفق بقوة
وأحست وكأن تلك الطبيعَة الخضراء تعتصر شغاف فؤادها المحزون برمته. طفح
وجهُها نورا دون أن تشعر، ثم ما لبثت أن تحركت شفتاها الورديتان. ماذا
تريد مني أيها الزمن لقد نفذت نقودي ولم أعد أستطيع المكوث في الفندق
الذي كنت أقيم فيه، كما أنني لم أقبل في الجامعة بسبب تأشيرة
السياحة... ماذا سأفعل الآن؟ تبدَّدت أحلامي للدراسة ... هل أستطيع أن
أجد عملا؟ لكن، كيف ... هذا مستحيل. بعدما انتهت صلاحية تأشيرتي فلا
أدري أين أسير أإلى الوراء أو إلى الأمام ... إلى أي جهة أقصد
....اختلطت الجهات كلها في رأسي .... التيار يجرني ... يعلو بي ويهبط
... أحاول جاهدة الوصول إلى البر طلبا للأمان فلا أجد إلا وحشا إنسانيا
أكثر ضراوة من الوحش البهيم. ارتعش جسمها المذعور من خوف مجهول يتكسر
على الخوف ... حلم وذاكرة تلبسها لكن الواقع جسرا منيعا يحول بينها
وبين الأحلام ....تحس بغربة تنهش لحم روحها ... غربة أقلعتها عن الزمان
والمكان فجعلتها أسطورة العصر المتعب والمتعب ...
وضعت يدها البضة على
وجهها الملائكي وكأنها تروم أن تستر ذاتها أمام الذكرى، وبعد سكينة
ممزوجة بالتأوه والأنين، قالت بنبرة عالية مليئة بالسخط، يغلي في
أعماقها الكثير من النقمة والحزن. لن أهزم ... لن أدعهم يطردونني من
البلد... سأمكث هنا. هذه أرض الله ... خلقها وخلقني فيها. إلا أنني
وجدت في مكان غير لائق بي. سأعمل ولو بطريقة غير قانونية" العمل
بالأسود" سأعمل بالأسود ريثما يحلها الحلال. استيقظ ضميرها وأجابت
نفسها بحدة بالغة: أي عملٍ أسودٍ ..... هذا ضدَّ القانون!؟ هذا يعتبر
جريمة... سقطت دموعا مالحة على خدها ... الجريمةُ الأكبر إن عدتُ من
حيث أتيت. بدأت تتوجع وتعتصرها آلامُ ُ في رأسها وكأنها قد فقدت
البيانَ وكأنها على حالها منذ زمن بعيد. ذكريات أمست بعيدةُ ُ عن
المنال ... شحبت وامتقع وجهها، اهتزت كما تهتز الأفنان العارية أمام صر
الشتاء. صرخت بصوت عال غيرَ مباليةٍ بمن حولها. القانون لا يحمي
المغفلين. وأنا لست مغفلة حتى أدعَهم يطردونني من البلد. سأعمل
بالأسود. وإن لم أجده سأبحث عن الأبيض أو الأحمر أو الأزرق ... المهم
أن أجد عملا، وليكن لونه ما يكون ... المهم ألا أرجع إلى وطني الذي كان
يوما في غابر الزمان ... عقيم كان على ما أذكر ... قاسيا ... فأنا لا
أشعر بأي صلة رحم بيني وبينه .... غريب علي لا تربطني به صلة القرابة
... لم يترك لي شيئا ... أثرا يدل على انتمائي له ... إنني مقطوعة
الجذور... غريبة الديار ... يأسي وغربتي تقطع عمري ... أهتف ... أصرخ
... فما لبى الزمان ندائي ... أسهر الليالي ... يئن بدني من أوجاع في
روحي ... غيوم داكنة فوق جبهتي تربعت ... تمنيت أن أرتدي فستان الحقد
ولو لحظة لأمحو جروحا وسقما جاثيا ...
أخرجت جوازَ السفر
من حقيبتها،مزقته، ولم تترك أي شيء يدل عن هويتها. تنفست الصعداء...
الآن تحررت من هويتي الزائفة ... من كل شيء يربطني بتلك البقعة من
الأرض. منذ الآن أنا لست هيفاء ... أنا مجرد إنسان تبحث عن الإنسانية
في هذا العالم اللا إنساني. أمسكت حقيبة ملابسها وتأهبت لمغادرة
الحديقة العامة. كانت تمشي بتثاقل وعيناها مطرقتان في الأرض... طريق
بلا نهاية ... نحو الأفق المفضي إلى مملكة السحر ...وينبوع الضياء
....تنساب على أجنحة الأحلام .... مفتونة بأصداء بلا صوت ... مأخوذة
بتلويح ظلال بلا جسد ... تمشي وتمشي لا تعرف إلى أين... فما من طلل
تبكي عليه ... خطواتها متثاقلة كسلا ... لم تدرك تفاصيل الطريق... تعبر
الشارع كحد السيف بين المكان الذي قدمت منه عبر سنوات القهر والجفاف
... وزحف الرمال التي سرعان ما تتحركُ وتبتلعُ كل من تجرأ أن يتحدّاها
... تعبر إلى الطرف الثاني من الشارع ... تتابع سفر حياتها في درب لا
عودة منه ولا إياب .... تراه جنات النعيم .... صرخ أحدهم:" الضوء أحمر"
لم توقظ صرخته سباتهَا ... كانت تتراقص في ذاكرتها ... عيون دامعة
كينبوع أبدي ... تصدمها سيارة وتقع على الأرض مغمى عليها. ولم تفق من
غيبوبتها إلا بعد أسبوع في المستشفى. فتحت عينيها فرأت سِربا من
الأطباء والممرضات حول سريرها. نطق أحدهم:
_ حمدا لله على
سلامتك. لقد نجوت بأعجوبة. جرح صغير فقط في مقدمة رأسك ماعدا ذلك فجسمك
سليم.
تطلعت إليهم
باستغراب.
_ منذ متى أنا هنا؟
_ حسنا تتكلمين....
تحاول أن تتذكر، إلا
أن ألما يعتصرُها في رأسها ... شعرت بأنها غدت ورقة ًجافة في مهب رياح
عاتيةٍ عصفت بها وملأت وجدانَها وروحَها ظلاما في ظلام.
_ بلد ... لا أعرف.
_ ما اسمك؟
_ اسمي ... ما هو
اسمي ( تحاول أن تتذكر) لا أعرف.
نظر الطبيب إلى باقي
المجموعة وقال بلغة البلد:
_ يظهر أنها فقدت
الذاكرة.
نظرت إليهم والرعب
في عينيها:
_ أريد أن أذهب ...
أريد أن أغادر المكان حالا.
_ إلى أين؟
_ لا أعرف ... أريد
فقط أن أذهب من هنا.
_ يجب أن تمكثي هنا
فترة من الزمن حتى ننهي كل الفحوصات.
نظر الطبيب إلى ساعة
يده ثم غادر ولحقه من كان معه. ما زالت هيفاء تتآكلها نار الحيرة حتى
سمعت طرق الباب. التفتت فإذا بها ترى شابا وسيما، أشقر ذا عينين
زرقاوين كأنهما اليمّ في هيجانه ... هزةُ ُ أيقظت شعورها العميق الكامن
في كيانها. اختلج فؤادُها الرقيق وتجرع عقلها ذاك الشعور اللطيف مبتدعا
صورا من وحي خيالها ومشاهد حاكتها رغبتها في الأمان.
_ من أنت؟
تقدم الشاب ببطء نحو
السرير، ثم جلس على كرسي بجانبه ووضع باقة الورود على حجرها وقال
بارتباك وعيناه محدقتان في عينيها.
_ أ ... أنا الذي
... أنا الذي كنت ... لكن لم يكن خطئي ...أ ... أنت التي كنت تمشين في
مكان غير مسموح به للمشاة، ورأسك منحن وكأنك تبحثين عن شيء مفقود...
_ فلماذا جئت إذا
بباقة الورود؟
_ أريد أن أطمئن
عليك.
_ تطمئن علي! أغرب
عن وجهي ... لا أريد أن أراك ... أخرج من هنا حالا.
غادر الشاب غرفتها.
أما هي فقرفصت على السرير، تبكي وتندب حظها، وتمزق باقة الورود وتصرخ
من أنا؟ ما اسمي؟ من أين جئت؟ هل أنا عاقلة أم مجنونة... واحد أم اثنان
... هل أنا موجودة أو غير موجودة ... هل أنا في الواقع أو في الخيال
...إنني أحترق... إنني أطير ولا أسقط ... أغرق ولا أختنق ... هل أنا
مجنونة .... لا ... أنا ... أنا .... من أنا ....
لم تجد جوابا عن
أسئلتها .... دموع تسيل وعينين تجولان في تلك الغرفة البكماء إلى أن
غطت في نوم عميق بعد حقنة مهدئة. بعد أسبوعين قررت هيفاء الهروب. غيرت
ملابسها وتركت حقيبتَها، ثم تسللت من غير أن يراها أحد. بمجرد أن غادرت
المبنى، حتى أطلقت ساقيها للريح ... كانتشار الضوء خلف كسوف الأزقة
وبين عواصف البيوت ... كالرغبة ... كالشوق المثار ... تجري بين ثنيات
الزمان ...تائهة في لجة الأكوان والأفق ضبابي ....تمشي في موكب الشمس
على سجادة من الثلج الأحمر إلى مجد السعير ... رؤيته سراب .... ودربه
غيب ... سمعت صوت فرامل السيارة. أخرج السائق رأسه من النافدة صارخا.
_ الجواميس هي التي
تمشي بغير انتباه.
نظر إليها يتفحصها
مستغربا.
جحظ عينيه غير مصدق
ثم أضاف قائلا:
_ أ هذه أنت؟ ماذا
تفعلين هنا؟ المفروض ...
_ أريد أن أرحل من
هنا. من فضلك ساعدني.
نظر إليها مندهشا
وعلى محياه الاستسلام، لوجه بديع ... صبيح ... غادرته الأسقام. صارت
رقيقة وكأنها غصن بان. أو كأن البدر صورتُها ... وكأنها قضيب من ريحان.
ابتسم قائلا:
_ هيا اركبي بسرعة؟
ما زالت تلهث وتنظر
من زجاج النافدة إن كان أحدا يلاحقها ... اختفت بناية المستشفى ...
طريق طويلة ....أشجار وطبيعة خضراء من الشمال واليمين ... تغمض عينيها
... تسافر بعيدا إلى هروبها الكبير ... الهروب من الوطن .... تتنفس
الصعداء ... تفتح عينيها مرة ثانية ... تنظر إلى الشاب الذي كان يقود
سيارته في صمت ... ترى هدوءا في روحه ... سكينة ووقارا على محياه ....
تغمض عينيها مرة أخرى تفكر في هروبها الصغير من المستشفى ... تتساءل:"
إلى أين سينتهي هذا الهروب...؟!" جحيما من الأسى مفروشا في عمقها ...
ضاغطا على صدرها، يأبى الزوال ... سالت دموع كالغيم حسرة وفي صدرها من
الحزن غصة لأحلام تراها عابرة كل يوم في صحاري التيه تطير رغما مع
العواصف ... تهيم في حلبة الذكرى ... تشعر بالحزن لوجه الغروب ...
بالحزن للأحباب الذي رحلوا ... بجحيمها الموحش الذي يترقرق ... تتجوّل
في واعية الحلم .... إلا أنها ابتسمت رغم ذلك الإشراق المذعور الذي
يعاودها ... هناك أملا .... هناك أملا في البقاء ....
اختفت هيفاء مع ذلك
الشاب الذي كان سببا في فقدان ذاكرتها وسببا في منحها حياةً جديدة
تختلف عن التي كانت تعيشها. منحها حرية حلمها وحلم حريتها ... ولم
يُعرف حتى الآن من أين أتت وما هي عقيدتها. إلا أنه أصبح اسمها ماريانا
وتعيش مع ذلك الشاب الذي داس يوما بعجلات سيارته هيفاء الجزائرية.