مخطوطة السراب


  قصة : زكية خيرهم*

بعد سنين طويلة  من غيبوبة، لم تكن هي سببها. غيبوبة فُرضت عليها ... فرضها أهل ذلك الزمن الذي تعيش فيه ... ربما القدر أيضا كان له نصيب في ذلك ... وأعراف وقوانين وشرائع حكمت عليها أن تعيش على ذلك النحو وإلا مصيرها جهنم ... النار ...  الحرق والتعذيب. كان الصمت يحف دائما دربها. حاولت أن تطوي ماضيها وحاضرها. إصفر الماضي بقلبها، ورأت فيما يبصر الغافون دنيا عبر هدبيها ورؤى غريبة، كئيبة، حزينة في جفنيها ومدائن شُدّت إلى آزالها بوشاح سُحبِ صفراء يوصل بينها درب من الظلام . درب من الماضي إلى المجهول من غيب لغيب، ومن ذكرى ومستقبل غامضين كأحلام مرت لياليها القصار، وما تركن شذى بعشب، إلا دروبا للنجوم والغيوم تستأنس بها.  تاهت (كفاح) في تلك الغيبوبة. كانت تؤلمها ... تعذبها ... تحزنها ... تتساءل داخل نفسها:" أليس الإنسان هو خالق هذه الأعراف؟ أليس هو صانع هذه التقاليد؟ أليس الإنسان الذي جعل نفسه يعيش تناقضات وأكاذيب وأقاويل ... بعضها يؤمن بها، بعضها يضحضها، بعضها يقبلها مادامت تخدم مصالحه. الإنسان هو الذي وضع وسنّن أفكارا كثيرة لافكرية، بل لا تمثّ إلى العقل بصلة. كانت (كفاح) تتألم من ذلك الهاجس ... تُحِسّ أنها جزءا منه، ومن ذلك المجتمع، ومن أهل تلك الديار. مغسول دماغها بكل أو بأغلب تلك الأفكار ... تنام وتستيقظ معها ...تدثرها ...  تصاحبها في كل مكان ... عبر الحدود وعبر الدول .... أفكار وتقاليد تلبسها أينما حلّت وارتحلت. ودوما على النقيض رغم هذا وذاك، تطير كحمامة بيضاء، تنتظر بنفادِ صبرِ ربيعا عجزت عن وصفه الأحلام. إبتعدت عن ذلك العالم ... عالمها،  لكنه معها ... يتبعها ووحش جهنم يهدّدها بالبطش إن حادت ولو قيد أُنملةٍ  عن تلك الأعراف ... ورغم ذلك استمرّت (كفاح) تبحث وتتساءل ... تريد جوابا لمعضلتها .... لم يرهقها  البحث ... تريد فهم ذاتها وروحها أولا ... لكي تفهم ما يحيط بها. شرعت تعدو على السكة وقطار الحياة يبتلع خط المسير.  صدفة تقع يدها على مخطوطة قديمة جدا ... حديثة جدّا ... أثارَها عنوانها.... تصفحتها .... قلبت الصفحات ... تقرأ السطور بسرعة خائفة أن تهرب منها السطور... ترجع مرة ثانية إلى بداية المخطوطة ...  تقرأ سطرا سطرا بتمعن ... تبكي حينا وحينا تضحك. وتشعر أحيانا بالغيظ  من تلك الأفكار والوقائع التي كانت تتراقص بتبرّج وشجاعة من غير حياء أو خوف داخل الصفحات. إن صاحب هذه الكلمات يشرح ما لم يستطع غيره أن يقوله أو يبوح به ولو لنفسه. من هو هذا الرجل ...؟! هل هو من كوكبنا ...؟ هذا الكوكب الذي تنعدم فيه حرية التعبير ... لو كان من جنسنا لما كتب ما كتب ...

كتبت (كفاح) وعبرت وصرّحت لكن، كل ذلك  الصراخ والنقد والتعليق كان فقط بداخلها ... يمزق أحشاءها ... جبانة ... فريسة الندم والإحباط يلبسها ... مقذوفة بالحمم والأسقام تعصرها ... موجوعة حتى القدم ... تخاف من مجتمعها وتخاف من ذلك الذي كان وراء صنع هذا المجتمع المقوقع بين قرون جاهلية مظلمة .... زالت، لكن، مازال هو متشبث بها. تخاف من الله ... ذلك الله الذي صوّره الإنسان بطريقة أفكاره العمياء غولا كي نخافه والله يريدنا أن نُحبّه.

"لا أريد أن أحترق في جهنم .... لا أريد أن تكون حياتي الأبدية في السعير!! حيرى هي  نفسي .. لا مرفأ يغريها فتَرسي، ولا هي مدركة أمري ... وعذابي نازفا من قلبي، يخنقني دوما ويرهقني ويُثبط ثورة أنفاسي" كانت تلك المخطوطة نورا خلّصها من ديجور الجهل الذي كان يُكفنها. مخطوطة صغيرة في الحجم، ضخمة في الأفكار. أيقظتها من غيبوبتها الطويلة ومحت من ذاكرتها شيئا إسمه جهنـّم ... أعجبت بصاحب تلك المخطوطة .... إنه لم يطرح أفكارا جديدة، ولكنه فضح فقط ما بين وتحت السطور ... سطور نتغنى بها ... نؤمن بها ....نحترمها ... نخاف منها. لم يؤمن بتلك الأفكار يوما لم يصدّقها ولم تدخل إلى منطقه منذ الطفولة ...

من هو هذا المتمرّد المجنون ...؟ من هو هذا البطل ... من هو هذا الفارس بلا جواد ...؟  إنني أعرفه .... نعم، أعرفه  ... التقيت به عدّةَ مراتِ في لقاءات أدبية. إنه هو نفسه الذي التقيت به بمحطة القطار ... تلك اللحظة التي كنت فيها في أمس الحاجة أن أتكلّم مع إنسان، يفهمني. كنت أجد نفسي وحيدةً، غريبة، فقلبي فقد راحته  حتى لم يعد يشجيه نَكئُ جراحه. إقتربت منه بحذر، مخاطبة قلبي لا تقلق، إنك بمأمن من كلّ خوف ... كنت أتحدث إليه  بصمت. ما كان يرعبني سوى صدأ أجفاني. وكان هو ينظر إلي بكل جدية وتحفظ وصدق. كنت ألمس ذلك ... أحسسته ... لم يكن يوما صديقا لي. لكن، لم أفهم نفسي لماذا تحدثت إليه!! كان ينظر إلي وعيناه يَنبعث منهما بريق من الصدق والخوف علي من أن أقع في هاوية صانعي الأعراف . إقترب مني ... مسافرا في عينيَّ التائهتين ... المعذبتين ثم  قال وكأنه يأمرني بشدة:

_ قولي ما تشائين ... دعي تلك الأنامل الناعمة  تحضن القلم وتكتب بخط التاج ما تحت الشقاء فينا ... اكتبي ... لا تخافي ... قولي ... منافقين ... كذابين ... أصحاب غرائز .... جبناء .... ماتت في عروق قلوبهم وضمائرهم همم الرجال ...

منذ تلك اللحظة أعجبت به، دخل قلبي الكبير، الذي يحب كل الناس. قلبي الذي لا يعرف الكره. فأرسلت له رسالة على الجوال فصُعِقت من جوابه." شكرا على رسالتك يا (كفاح) .... أنت صديقتي لكن (رغدة) التي أحب؟" لماذا يردّ على رسالتي هكذا ...؟! هل يظن أنني أستجدي حبّه ... هل الحب فقط ما يكنه عاشق لمعشوق... هل هناك نوع واحد من الحب فقط ....  أهذا صاحب تلك المخطوطة النادرة ... هل يعتقد أنني أريده أن يحبني حب الذكر للأنثى... الحب لا يشترى ولا يوهب ولا يغتصب ... لماذا يرسل لي هذه الرسالة وهو الذي قال لي يوما: إنني أحبك يا كفاح ... نعم، أتذكر جيدا إنه نطق تلك الكلمة. كنا في لقاء أدبي. ذهبت خارج الصالة لكي أدخن سيجارة. لحقني وقال بكل أدب:

_  هل يمكن أن تضيفيني سيجارة؟

أجبته مبتسمة:

_  بكل فرح.

كان واققا قربي، يحدثني ثم فجأة يقول لي:

_ (كفاح) إن إحتجت أية مساعدة فأنا رهن الإشارة.

_ شكرا جزيلا ...

_ أعنيها إنني أحبك ...

أجبت مبتسمة:

_ وأنا أيضا. 

لكن، هل فهم ما تقصد (كفاح) بعبارة و"أنا أيضا"؟

إن الحب أنواع وأشكال ... لم تفهم (كفاح) تلك الرسالة. ولم تفهم معنى الصداقة في تفكيره. هل الصديق لا يحب صديقه .... هل الإنسان لا يحب الإنسان ...

راحت أيام بل أسابيعُ على تلك الواقعة. نسيت (كفاح) أو تناست تلك الجملة التي أثـّرت بنفسيتها، إلى أن التقت به وكان ذلك اللقاء بشقته. زارته ذلك اليوم ونادرا ما تزوره تلبية ًلدعوته من أجل مراجعة مقالة ٍ ستقرأها وهو الذي قام بتعديلـِها وتنقيحها. زيارة ستكون قصيرة وخاطفة كالعادة. فهو مشغول إلى أخمص قدميه. وهي تقدر ذلك لأنها ليست أقل منه انشغالا بمسؤوليات كثيرة. كانت تنظر إليه بحذر .... بقدر ما كانت ترتاح للتحدث إليه بقدر ما كانت متحفظة.

كـُتبُ ُ في كل مكان ... منها مبعثر على الأرض ... في الصالون على الطاولة وراءها خزانة مليئة بالكتب .... وأمامها أخرى في غرفة الإستقبال .... في المطبخ خزانة بها كتب ... في الحمام ... كتب .... كتب ... في كل مكان تجول بعينيها ترى كتبا ... كتبا تراها تتطاير في الهواء .... يمكن للمرء أن يستنشقها وربما يأكل منها ... في كل الشقة تتكثف رائحة أليفة، رائحة تجمع الدفء الشتوي على الجدران ... تمتزج بالسكون الذي يسود الممر وأبواب الغرف المفتوحة، فتذكي في النفس شعورا رخـِيا بالأمان. كان الجو هادئا ومما زادها سكونا موقعها في ضاحية المدينة بعيدة عن صخب السيارات. كان يجلس على أريكة غير التي تجلس عليها. يحدثها بهدوء ... بوقار ... شعرت بالإطمئنان إليه. كانت تحدث نفسها. لقد كان يربطها به نفس الإهتمام .... الكتابة وكان هو يشجعها .... يريدها أن تشارك  ... أن تكتب وتستمر في الكتابة رغم كل العقبات. لذلك احتل مكانا في قلبها الذي يكبر كلّ المحيطات في المساحة والعمق. نظر إليها وقال بنبرة يملأها الدفء:

_ (كفاح) لك موهبة ُ ُ رائعة في الكتابة ... استمري.

كان في عينيها سكون يرفّ إثر سكون، شردتا بشكوى من الماضي وأعراف الماضي، وخيال من الطفولة الذي انصهر واختفى في ضباب من الأسى. الأسى من ذلك الهم الذي أمسى في حياتها بين ثنيات غيابات عالم مجنون ... تنظر إليه وتأثير " صدقه" جعلها تتجرد من عالم الزيف ... جعلها تتحدث وكأنها تناجي نفسها ... هل كان يفهمها ... لقد كان يستمع إليها بجد وينظر إليها وكأنه لا يريد أن تفوته كلمة. كانت حزينة، تتكلم وتشكو أعراف عالمها وهو لا يخفى عليه ذلك.  كانت تفرغ ذلك السمّ من معاناتها خارجا ... نزلت دموعُ ُ ساخنة ... مسحتها بسرعة لكي لا تربك الجو. أما هو فوقف متجها إلى غرفة نومه كانت تنظر إليه مستغربة ... استلقى على السرير ... فتح حاسوبه الصغير محاولا انزال برنامج يعرف جليا أنه لن يفلح في تنزيله. نادى (كفاح) وأقبلت وفي يدها فنجان القهوة... جلست على حافة السرير، موجهة نظرها إلى الحاسوب .... أما هو فأشعل السيجارة ومدها إليها. أمسكت بالسيجارة وظلت تحدثه وتسأله لماذا لم يغير ذلك الحاسوب. نظر إليها  ... ثم غطى نفسه باللحاف. كان يشعر بالبرد ... مد يده إليها وقال:

_ إنني أشعر بالبرد.

كانت يده باردة وكانت يدها ساخنة، بل كل جسمها ساخنا رغم لباسها الخفيف والغير الصوفي. ضحكت ضحكة متحفظة ثم قالت:

_ أنا لا أشعر بالبرد ...

لم يردّ على  تعليقها ولكنه  بادر بسؤال كرّره مرات.

_ خبريني عن المرأة وعن أحاسيس المرأة.

عن أي امرأة أرادها أن تتحدث ... عن نفسها الحزينة دائما، رُغم الإبتسامات التي تتراءى على شفتيها. كانت تحدثه وتقول له:

_ إنني أعي كل ما أقول له لك ... ولست مهتمة بالحديث عن المرأة فأنا أتحدث إليك عن المرأة التي بداخلي وعن موقعها في هذا المجتمع الغريب الأطوار ...

لكن، هل فعلا كانت تعي ما تقول.

تعتقد ذلك ....لا، إنها متأكدة من ذلك. كانت تمعن في هروبها ... مهما غفت على إدراكه. فهو يرصد لها دروبها ...كانت لها دنيا وما زالت تبني من الرمال قصورا على شاطىء  شفة الشروق ... أحلاما تراها كوابيس ... فيها رؤى بسواد الظلام ...

كان هو يكرر سؤاله وهي كانت تكرر الجواب.  ذلك الجواب الذي لا يعني  سواها. تتحدث بحسرة وألم. نزلت دموع ساخنة ... أحرقت وجنتيها ... في تلك اللحظة، لم تكن تريد إلا أن يُهدئ من روعها. نظر إليها وقال:

_ هذه آخر مرة  تأتيني إلى بيتي ... أحس أنني أقترب منك أكثر.

جحظت عيناها ...  لم تفهم ... أو ربما فهمت أو كانت تتغابى أو لا تريد أن تفهم. ما كانت تريد منه سوى الصداقة  .... لأنها تشعر بغربة .... غريبة في كل مكان ... رُغم  أن معارفها لا عدّ لهم ولا حصر. لا تريده أن يبتعد عنها .... هل هو صديقها .... هل هي صديقته .... لم تكن تبحث عن مكان في قلبه ... كانت فقط ترتاح للحديث إليه ... لأنه ليس كغيره ... إنه صاحب المخطوطة النادرة ... إنه المتحدث بالفكر وليس بالأحداث ... إنه صاحب العقل الكبير .... لم يكن لديها صديق  يتكلم لغتها ... يفهم لغتها ... ... يعي معاناتها ....ذاك الذي كان يعذبها وستتعذب أكثر إن أوقف التواصل معها. إنفجرت تبكي ... إقتربت منه ... أغطست رأسها في تجويف صدره ... كان يهدئها ويمسح على شعرها الأشقر الطويل ... بدأ يقبلها ... بادلته تلك القبلات.

لماذا فعلت ذلك ... لماذا هو فعل ذلك ... لماذا .... إنه يحب (رغدة)  وأنا صديقته كما يدعي .... أيعقل أن يحب المرء شخصا ويسبح في الفضاء مع الصديق ...؟ لم أفهم ... كيف ... لا أعرف شيئا .... تحدث نفسها ويربكها ارتداء معطفها ...

جلس هذه المرة  قربها في الصالون ... نظر إليها .... كان جسمه يلامس جسمها.

_ أنت جميلة يا (كفاح) إلا أنك لا تعرفين قيمة نفسك ... يسكب لها القهوة ... ترشف منه.

_ إشربي منه مرة أخرى وضعي منه شيئا في فمي ..... قبلته ... رشف من فمها ذلك الشراب الذي صار أطيب مذاقا  في فمه.

كانت وكأنها لم تكن. لم تستوعب ما حصل. لكنها كانت تتجاوب مع ذلك الخيال الحقيقي ... ذلك الخيال الذي لم ترده أن يكون حقيقيا. لم تكن ترد إلا أن يضمها إلى صدره ... يشعرها بالدفء ... بالإطمئنان ... بالحب الإنساني ... تريد  صديقا عزيزا تلجأ إليه عندما تحس بالوحدة وتشعر بدفئه عندما تحس ببرودة غابة الإنسان المتوحشة.

لماذا حصل ما حصل ....

أيعقل أن يحب غيرها ويطير إلى الفضاء معها ....

أيعقل ذلك ...

أنا لا أعتقد ذلك ...

لكن، لماذا ....

كيف أسأل نفسي وأنا أصلا لا أعرف الجواب .....

تسائلت كفاح وهي خارجة من شفته أين  الجواب  ..