|
قرب الفجر قصة قصيرة لا . لم ينقطع الحديث . وكان الجميع يتجاذبون أطرافه بحيوية وهم يدخنون ويشيحون بأيديهم من مختلف جهات ومقاعد الفسحة . ولم يكن ليخطر لك – لو أنك طرقت الباب ودخلت – أننا كنا في انتظار أحد . فلم تكن علامات الترقب أو القلق ظاهرة على أي منا . بالعكس كانت الأصابع تمتد إلي سطح المنضدة الزجاجي الشفاف وتلتقط المكسرات والعصائر ، والعيون تلمع بالاستجابة السريعة للتلميحات ، وتدمع من القهقهة للنكات المرسلة . كان لابد لك أن تكون من ذلك النوع من البشر ذوى القدرة على الملاحظة الدقيقة ممن يثقبون بنظراتهم المتفحصة هالات السطح البراق وينفذون إلي ما تحته لكي تلحظ أن من بيننا من يسترق النظر بسرعة خاطفة إلي ساعة معصمه ، وأن أحدنا ينهض كأنما تعب من جلسته واعتماده على الوسائد الصغيرة ، ثم يخلع جاكتته ويذرع الفسحة محركا جسمه ورقبته ، لكنه يبطئ خطوه لأقل من ثانية حين يدنو من الباب ويرتجف زغب خفيف بأطراف أذنيه يتنصت على هواء السلالم وراء باب الشقة ، ويمد منه سمعه إلي الطابق الأول ومدخل العمارة حتى حلق الشارع الذي يلمع بالأضواء أمام المحلات . ظللنا نترقب مقدمه طيلة الليل حتى عندما فرشت السفرة بالأطباق . لكنه لم يأت. ولم أعبأ بذلك . إلا أني أحسست بكدر خفيف . قيل لي إنه من الأفضل أن أتعرف إليه ، قد ينفع أولادي ، وقد يساعدهم على شق طريقهم . استغربت حينذاك ، ولم أعلق بشيء . قلت لنفسي : " ربما تلوح فرصة غير مصطنعة لمقابلته " . والحق أني لم أسع إليه رغم شعوري بمنزلته ، ولم أجتهد كثيرا لتدقيق ما يشاع عنه . الكلام كثير والأصدقاء يخلطون بين الحقيقة وتصوراتهم الذاتية عنها ، وغالبا ما يصبغونها بلون قاتم من مشاعر شخصية نجمت عن وقائع خاصة . لكنهم استثاروا فضولي بإجماعهم على أنه شخصية ذات شأن ، لابد - سواء اتفقت أو اختلفت معه – من أن تحسب له حسابا . مرة واحدة لمحت جانبا من وجهه عندما لمحه صديق فأشار إليه بسبابته من بعيد ليريني إياه هاتفا : ها هو ! . لكنا كنا في زقاق ضيق يلتوي كالأفعى يعج في جانبيه بمنصات مفروش عليها ملابس من كل الأنواع ، وصياح ، اخترقه موكب جنازة صغير مضى فيها صبي بجلابية ينط في الهواء رافعا يديه إلي أعلى ، ثم يرجع إلي الأرض كأنما بنابض . قلت إني لمحت جانب وجهه ، ولكني في الحقيقة لست واثقا من ذلك . ربما خيل إلي من انفعال صوت محدثي وثقته وارتجاف سبابته أني أيضا لابد أن أكون قد رأيت شيئا قبل أن يتوارى بسرعة في عتمة بمنعطف جانبي على ناصية محل تسالي . ولم تبق في ذاكرتي من صورته سوى ذيول من ظلال تغيب في الظلام . لكني حمدت الله حينذاك أني لا أرتب حياتي على علاقة به أو اعتماد عليه ، كما فعل بعض أفراد عائلتي ممن لا يكفون عن ذكر اسمه باحترام . كان بيت عمتي نفيسة – هي عمة والدتي لكن جرت العادة أن يناديها الجميع ب " عمتي" – من البيوت التي تكثر من استقباله . فسرت أمي لي ذلك يوما بقولها : " لأن عمتك نفيسة كانت تستضيفه مع المرحوم جدك في المناسبات ، وهو على مشاغله وترحاله لم يقطع حبل الود " . كانت عمتي هذه تسكن في الزيتون ، وتعيش وحدها بعد وفاة ابنها بسيوني . أدهشني وأنا صغير أنها تقريبا فاحمة السواد مع أن جدي كان شاهق البياض . وقالت لي أمي إن جد جدي كان متزوجا من تركية أنجب منها جدي ، ومن حبشية أنجب منها نفيسة . وكنت ألزم نفسي بزيارتها إذا تصادف وكنت ناحيتها . جلست كعادتها دائما بالقرب من صينية صفراء نحاسية عليها موقد سبرتو فوقه كنكة قهوة صغيرة مطروقة بالفضة . تهلل وجهها الطيب وأنفها الضخم وحنكها الواسع من السرور لمقدمي . كانت تمشي بصعوبة و تحيا على معاش زوجها وابنها إلا أن شقتها كانت نظيفة دائما يجري هواؤها متجددا . قالت لي بصوتها المسلوخ المرتفع : " عمتك عجوز صحيح لكن الناس لا ينقطعون عني لأن جلستي ترد الروح ، كما أنه – واكتفت برفع حاجبها إشارة إليه - قد يزورني ولا بد أن يكون المطرح نظيفا ". صدرت عني كلمة عابرة وأنا أشرب القهوة ، فأشاحت بذراعها مستنكرة : " لا تصدق كلام الناس . إنه لم يدع أحدا في ضائقة دون أن يشمله بعطفه . لا يكرهه إلا من يخافونه لدناءة في نفوسهم أو حسد " . فكرت أنه لابد من مقابلته إن حانت الفرصة لأرى من يكون . ولما دعيت تلك الليلة إلي العشاء وقيل لي إنه سيحضر ذهبت إلي هناك بأمل . كنا جميعا نترقب قدومه دون أن يظهر أحدنا علامة على ما بداخله . لكنه لم يأت . وغادرت المكان حوالي منتصف الليل . انتظرت الأتوبيس طويلا في الشارع تحت رذاذ مطر ، وعدت إلي بيتي وزوجتي التي سألتني ما أن فتحت لي الباب : " قابلته ؟ " . قلت وأنا أنفخ ضجرا : " كلا . لم يحضر ولم يكلف نفسه الاعتذار بالهاتف ". قررت بعد تلك الليلة ألا أصدع رأسي به . جاشت نفسي بغضب : من يكون ؟ مجرد دخان كلمات وآمال وجزع واحترام ونظرات أشخاص آخرين . وقلت لروحي بحزم : " أيا كان سلطانه ومنزلته فلنفسه وليزدرد كل ثرواته في وحدته دون أهل أو صديق " . طردت طيفه من خلايا عقلي . وساعدني على قراري أني وأنا في عملي ذات صباح فتحت جريدة فوجدت خبرا في صدر إحدى صفحاتها عن سفره إلي إيران ومنها إلي أرمينيا . وأبديت دهشتي من رحلته إلي أرمينيا فعلق زميلي الجالس أمامي بقوله : " أشغاله تملأ الدنيا " . قلبت شفتي السفلى من حسد خفيف ، فأشاح بيده : " أنت عجيب . قريبك ، ولا تستنفع منه بشيء ؟! " . لكن سفره خارج البلاد لفترة طويلة أمدني بقدرة على إبعاده عن ذاكرتي ، أو هكذا خيل إلي وقتها . وانغمست في شئون متعددة من حياتي إلي أن لمحتني زوجتي ذات يوم وأنا أخرج من مطعم فلفلة متأبطا ذراع زميلة من العمل . لم أعلم أنها شاهدتني إلا حين دخلت البيت فارتطمت بها ثائرة في الردهة . جذبت شعر رأسها واستعدته علي منذرة بأنه سيأتي بنفسه غدا وساعتها يكون الكلام . ومضت إلي المطبخ حانقة تنعي حظها في الحياة . همس لي ابني الأوسط بأنها اتصلت بوالدتها في الفيوم وكلمتها عن الطلاق ، فوعدتها أمها بفتح الموضوع معي . تعمدت في اليوم التالي أن أرجع إلي البيت في ساعة متأخرة من المساء لكي تعي أنني لا أخشى أحدا أيا كان . وأنا أفتح باب الشقة أمضني أمل خفي أن يكون جالسا في الصالة عندنا فأراه وأتمعن فيه . لكني لم أجده ، فلزمت الصمت . قالت لي ابنتي في الصباح وهي تغسل وجهها في الحمام إنها نامت بالأمس مبكرا كعادتها ، ولا تدري إن كان أحد زارنا أم لا . استأنفت حياتي لا أقيم له اعتبارا حتى دعيت بعد نحو شهرين إلي منزل خالي عبد الرازق في الروضة . فوجدت سرادقا كبيرا منصوبا من أول الشارع قرب العمارة ، وكلوبات معلقة ، ورجال بأحزمة سوداء على خصورهم يروحون ويجيئون بصوان بين الجالسين . أول من قابلني خالي عبد الرازق ، راح يضمني بين ذراعيه وعيناه تدمع بوجد وفرح . سألته وصوتي مكتوم من عناقه : " ما الخبر ؟ " . أطلقني ونظر إلي بتأثر : " لن تصدقني إن قلت لك إنه قادم إلينا هذا المساء . لقد وعد فاجلس وانتظره معنا " . ظللنا ننتظر في شقة خالي إلي أن شعشعت أولى أنوار الفجر ثم صبغت السماء من وراء نافذة الصالة . أصاب الإرهاق بعضنا فقام ومدد جسده على الأرائك وعلا شخيره . ونهضت زوجتي بعد أن تساقط رأسها مرات على صدرها ، واعتذرت بأنها لا تستطيع أن تترك الأولاد وحدهم في البيت طويلا . بنظرة من ركن عينيها أدركت أنها تحثني على البقاء متفهمة دواعيه . كانت الحركة هدأت في السرادق وخفت اللغط الذي كان يتناهى إلينا . لم يحافظ على يقظته قرب الفجر كما كانت أول المساء سوى خالي عبد الرازق الذي ظل مفعما بثقته في قدومه ، فلم يخب بريق الوجد في عينيه . قاومت النعاس طويلا واستعنت عليه بفناجين القهوة المرة المتكررة ، لكني غفوت لحظة بعد أن ظلت عيناي مفتوحتين ساعات دون أن تبصرا . وعندما هززت رأسي بشدة لأطرد النعاس رأيته وهو يدخل بهدوء دون أن يسمع لقدميه صوت . قطع غرفة الجلوس بعرضها متجها إلي خالي مباشرة . مد يده إليه يصافحه بود ووقار لطيف ، وقعد بجواره على الأريكة . تجمد بصري عليه . بسط ذراعه اليمني على امتدادها بكمها المنسدل ، وتموج في الهواء يملأ ناظري كالفضاء . ثم تهيأ لكي يفضي بشيء ما ، لكن دخان السجائر العالق ضايقه فنهض وسار نحو النافذة الكبيرة بصدر المكان ومد يده يفتح مصراعيها فتناثرت من تكسرات ثوبه الحريري دوائر براقة كالأصداف أمام عيني . تابعت مشلول الإرادة رجوعه الصامت إلي أريكة خالي . ودفعت صدري إلي الأمام محاولا من مقعدي أن أتنصت على ما كان يهمس به هناك . وأرهفت أذني لا أدري كم من الوقت في المكان الأصم الشاغر. |