السند

قصة قصيرة بقلم :

أحمد الخميسي 

  قبل الغداء اشتد حر الظهيرة . صعد الصبي إلي سطح البيت بفانلة داخلية بيضاء وسروال قصير قديم . راح وجاء على السطح دون هدف . إجازة الصيف طويلة وليس ثمة ما يفعله . تفحص عن قرب كاوتش دراجة قديمة كانت لخاله فؤاد مرمية في ركن بين براميل خشبية . انتقل ببصره إلي علب  الصفيح الكبيرة التي يجمع جده فيها زبل الحمام .  تأمل الوجوه الصامتة التي تسكن عناقيد العنب المتكتلة في فروع التكعيبة الصاعدة من أسفل البيت . شب على أطرافه معتمدا بمرفقيه على حافة سور السطح . مد بصره إلي النخيل المترامي في الغيطان خلف الترعة .

   كل يوم يقف هكذا على السطح حتى تعشى عيناه من جداول الضوء المنسكب نحوه ، ويطن رأسه من السكون والهواء الملون من وهج الشمس الأحمر وزرقة السماء . 

   ظلل عينيه بحافة كفه متطلعا يساره لنهاية الطريق المحاذي للترعة . لا أحد . تأتي أمه لزيارتهم مرة في الأسبوع ، تلوح له من بعيد نقطة صغيرة على الطريق   تمشي نحوه . يطل رأسها من هبوة غبار بضوء الشمس ، ثم قدماها ، ويتأرجح وراءها ظلها الغامق بين كلاب الظهيرة .  تمشي نحوه وحقيبة يدها ترتطم بساقها . يخمن في خضم سعادته ما يعرف أنه في الحقيبة : القميص الذي تنام به في المدرسة في القناطر مطوي داخل كيس بلاستيك ، وبرتقالات قليلة .  تخض الفرحة قلبه بشدة عندما تصبح أمه قريبة واضحة وترفع عينيها إلي السطح لأنها تتوقع أنه يقف هناك يتطلع إلي الطريق ولا يفقد الأمل . تبيت معهم ليلة الجمعة يتكلم معها بالساعات عن أي شيء، وتنصرف هي عن أي شيء منصتة إليه باهتمام شديد . 

   نظر الصبي أسفل البيت . في الناحية اليمني قرفص السند بجلابيته وفوقها البالطو الخفيف الذي لا يفارقه . أحاطت رأسه عصابة رمادية . اعتمد بظهره على  جدار الكوخ الذي بناه في الخلاء بمحاذاة بيتهم . 

بعد فترة نهض السند وعلى كتفه عصا غليظة معلق بها دلوان فارغان ،  مشى بهما إلي منحدر في  الشط ، وأخذ  يملأ الدلوين من ماء الترعة العكر . عاد إلي موقعه وهو يوازن ثقليهما بمهارة مع خطوات قدميه العاريتين وقرفص أمام  الصحون الفخارية التي يبيعها ،  بينما أخذ عياله الثلاثة يزحفون  بذباب عيونهم إلي رقع الظل .

   في شرفة الطابق الأول ظهرت جدة الصبي بثوبها الأسود المرسل الذي رسم خطا ظاهرا في النهار . انحنت بوهن ترفع قميصا يشر ماء من طست الغسيل ونشرته على الحبل . ثم استدارت عائدة إلي الداخل وهي تسحب الطست خلفها .

   يترقرق الماء في الترعة بطيئا عكرا و يتحرك سطحه بفروع شجر محطمة وعلب صفيح صغيرة فارغة .

   مال بوجهه يسارا وألقى نظرة على الطريق . بان له عصام الألفي أحد الأبناء الثلاثة للواء الألفي صاحب الفيللا غير البعيدة التي تربض الكلاب تحت أشجارها وقت الظهيرة . كان يتقدم نحو بيتهم في عنفوان قوته مفعما بالثقة والغضب . وما أن شاهدته زوجة السند ذات الجسم الناحل والصدر الممسوح حتى لمت عيالها من على الأرض وجرجرتهم إلي داخل الكوخ . السند أيضا لمح عصام الألفي بنظرة جانبية ، لكنه تظاهر بأنه لم يبصره . 

  دق قلب الصبي ، وضغط بطنه إلي سور السطح وشب بأصابع قدميه ليتسع المشهد لعينيه ثم  طاشت مشاعره في انتظار ما سيحدث .

  زم السند شفتيه وارتجفت عضلات وجهه وهو يركز بصره بإرادة فولاذية على الأواني الفخارية أمامه . دنا عصام الألفي إلي أن وقف أمام السند الذي تظاهر بانشغاله بتقليب صحن فخاري وهو يكتم رجفة كالكهرباء .  

   انفلت الصبي من وقفته وانطلق عبر باب السطح إلي السلم يطوي كل ثلاث درجات عتيقة بقفزة واحدة حتى وصل إلي الطابق الأول حيث يقيل جده . اندفع إلي غرفة جده ، وفتح بابها بجرأة ، ثم توقف بأنفاس مبهورة عند طرف السرير . حدق برهبة في وجه جده المتراخي تحت الناموسية . وسقط بصره على الإبريق الذي يواريه جده تحت حافة السرير لكي لا يغادر الحجرة إذا أراد التبول . ثم ارتفعت عيناه إلي آلة العود الملقاة  مع  منشة الذباب على كرسي قرب السرير . أحس جده بأنفاس الصبي في فضاء الحجرة فانفرجت جفونه عن نظرة صارمة . سارع الصبي يبرر جرأته :

- السند  يا جدي !  والنبي تلحقه  !

   تمتم جده يبتلع ريق النعاس :

-  عملها ثانية .. الصعيدي الحمار .

  ارتد الصبي من الغرفة يطوي السلالم إلي السطح وقلبه يدق في صدغيه كالطبل .

  الآن كان الألفي ينحني بجذعه كما في المرات الثلاث السابقة ليشد السند من شحمة أذنه بقوه آمرة لأعلى . تملص السند وتلوى جسمه في الهواء قليلا حتى انصاع مجبورا واقفا . انهال الألفي على صفحتي الوجه الأسمر المجدور بصفعات مدوية متلاحقة من كف واحدة متصلبة كالحجر . مال وجه السند يمينا ويسارا مع الضربات وهو يبذل جهدا يائسا للإفلات . ضربه الألفي حتى  بض خيط دم دقيق من ركن عين السند اليسرى . أحس الصبي فوق السطح أن وجنتيه تلتهبان مع كل لطمة واندفع الدم إلي رأسه ، وجاشت روحه بالمهانة والخوف ، ودعا لليوم الرابع على التوالي أن يصل جده بأسرع ما يمكن .  

   نجح السند في التملص أخيرا ، وقعد على الأرض بلهوجة ، وأمسك كما من قبل بأقرب صحن فخاري إليه يديره بأصابع مرتعشة أمام عينيه المحتقنتين في وجه معذب متهيج . أولاه الألفي ظهره بهدوء بالغ دون أن ينبس بحرف عائدا إلي الفيللا على نفس الطريق . وعندما تأكد السند أن الألفي ابتعد غطى رأسه كما في المرات السابقة براحة يده اليمنى وأطلق زفرة من صدره .

  كان جده يصل متأخرا .. دائما !  ظهر وهو يعرج على عصاه فخرجت له زوجة السند من الكوخ وقدمت له الكرسي الخشبي الوحيد لديهم . جلس وفرد ساقه اليمنى في ظل باب الكوخ . بعد لحظة قال جده :

- يا سند دول ناس كبار مالك ومالهم ؟ إذا كانوا أهانوك مرة فأنت تبرزت أمام مدخل فيلتهم عدة مرات . كفاية . لكن أن يستيقظوا فيصطبحوا بخرائك كل يوم قبل انصرافهم للعمل فهذا كثير . 

    لم يقل السند شيئا . دارى انفعاله بصياحه على امرأته بصوته الجنوبي الغليظ  " الشاي لعم يوسف " . رجاه الجد وهو يرتشف الشاي : " عدني ألا تتبرز أمام باب الفيللا مرة أخرى " . أجاب السند " أهانوني يا عم يوسف . أهانوني جامد ".

صاح جده مستنكرا " أهانوك ؟! وخراؤك كل يوم حلو يعني ؟ " . طرقع السند بلسانه على سقف حلقه : " كل واحد وقدرته " .

  ركز جده بصره لحظة على رأس السند ، وقام صامتا بيأس يعرج نحو مدخل البيت متذمرا لاعنا الصعيدي ودماغه الناشف . فوقف السند مقوسا كتفيه وراحتاه مبسوطتان لأسفل يصيح في أثره بنبرة عتاب : " أنت الخير والبركة يا عم يوسف. زعلت مني ؟ " .

  ظل الصبي واقفا ملتصقا إلي السور بقوة مجهولة . مكث هكذا إلي أن ارتخت ذراعاه وأفرغت ركبتاه شحنة التوتر في رعدة . ألقى نظرة أخيرة على الطريق . كان السكون والحر يعتصران النهار  والكلاب ترقد بضجر على جوانبها تزحر بحنك مفتوح . أخذ الهواء الساخن  يلطمه بدوائر براقة متوهجة ونقاط مضيئة بلا نهاية ، فلم يعد  بوسعه تركيز بصره على النقطة الصغيرة التي ستمشي نحوه وحقيبة يدها ترتطم بساقها ، النقطة التي ترفع عينيها إلي السطح لأنها تتوقع أنه هناك لا يفقد الأمل .