روايات الجـسـد

أحمد الخميسي .

لا يمكن أبدا أن تنفتح لك حجرة مسئول كبير فتجد مكتبه أمامك مباشرة ، سواء أكان من أولياء الأمور الثقافية أو السياسية . فالواضح أن هناك اتفاقا تاريخيا بين المهندسين وكل سلطة تبني بمقتضاه حجراتهم واسعة وطويلة . واسعة ليس لأن للمسئولين رئات أقوى مما لدي الآخرين  وبحاجة إلي كميات أكبر من الهواء ، لكن لأن الاتساع مقترن في اللاوعي بالمعابد ، وطويلة لكي يشعر المرء من سيره وحده أن عليه أن يقطع مسافة ليمثل بين يدي العظمة نفسها. إنه ترهيب مهذب لإخضاع الشخص مسبقا . وهكذا لا يتسم حتى المعمار بالحياد الموهوم . أغلفة الكتب غالبا ما تؤدي وظيفة مشابهة حين تحدثك عن " الكاتب العظيم والرواية التي أثارت ضجة وترجمت إلي كل اللغات " . وقد وقعت بين يدي مؤخرا ثلاث روايات سجلت أغلفتها كل نواحي المجد التي أحاطت بها لكي يذعن القارئ لأهميتها . الأولى : " الوله التركي " للكاتب الأسباني   " أنطونيو جالا " ، ثم : " في مديح زوجة الأب " و" دفاتر دون ريجو بيرتو " للأديب " ماريو بارجاس يوسا " من بيرو.وتنتسب الروايات الثلاث إلي ما يسمي " كتابة الجسد " الموجودة لدينا على مستوي رسمي يجد فرصة للنشر ، وغير رسمي أكثر صراحة أو بذاءة فرصته التداول في مقاهي القاهرة الأدبية .

    ويتناول ماريو يوسا في " مديح الخالة " حياة رجل مهووس جنسيا هو دون ريجو بيرتو ، الذي يعكف بعد وفاة زوجته الأولى على الاستمتاع بمختلف الملذات مع الثانية  ، ويصف المؤلف تلك الملذات بتفصيل شديد ، بل وتفلت منه عبارة في متن الكتاب عن " رواية إيروتيكية قصيرة " تلخص فعليا هدفه النهائي . لكن ابنه المراهق الصغير يغري زوجته بعلاقة جنسية ثم يشي بالزوجة لأبيه فينفصل عنها . ويتضح أن الولد كان ينتقم من زوجة أبيه لأنها حلت محل أمه . في الرواية الثانية يتتبع " ماريو بارجاس يوسا " استمرار الولد في علاقته بزوجة أبيه وخادمتها ، ولا يدع في كل ذلك شعرة من جسم المرأة ، ولا نزوة ، إلا ويصفها بإسهاب شديد . وقد عبر المؤلف عن خلاصة تيار كتابة الجسد بقوله على لسان البطل : " أقول لك إن كل حركة تسعى إلي تجاوز المعركة من أجل السيادة الفردية مقدمة عليها مصالح جماعية لطبقة ، أو عرق أو أمة أو كنيسة أو مهنة ، تبدو لي مؤامرة تريد فرض مزيد من القيود على الحرية البشرية ، هذه الحرية التي لا تصل إلي مغزاها الواسع إلا في مجال الفرد موطنها الدافئ الذي تجسدينه بعضوك وأجسده أنا بقضيبي " . أما الأسباني  " أنطونيو جالا " فيقول على لسان البطلة في روايته " الوله التركي " : " آه لو استطعت أن أجعل من القلب والرأس جنسا " ! . وتقول بطلته لنفسها : " مهما كثرت الذكريات فإن ذكريات الجسد هي التي لا تمحي ، فللجسد ذاكرة أفضل بكثير من الروح " .  

     وجوهر الروايات الثلاث أن حرية الإنسان هي حرية فردية لا تشتبك في مصيرها بحرية الآخرين ، ولهذا فإن كل بحث جماعي عن الحرية بمفهومها المشترك محكوم عليه بالفشل . وهي نظرة تيار فلسفي ينطلق من أن " الوجود الذاتي " هو الحقيقة الوحيدة المؤكدة . إلا أن مفهوم الحرية الفردية والوجود الذاتي لم ينحط عند فلاسفة مثل برجسون أو غيره -إلي درجة تقليصه وقصره على مساحة الجسد المحدودة . لكن ذلك تبدى في نظرات فلسفية ترجع للقرن الرابع والخامس قبل الميلاد كما هي الحال في " الأبيقورية " التي اعتبرت أن السعادة الإنسانية في اللذات الضرورية الطبيعية كالطعام والجنس وما شابه ، وأيضا لدي المدرسة الكلبية التي أنكرت " الوجود العام " و " الخير العام " وحسبت أن السعادة الممكنة هي سعادة كل إنسان بمفرده ، والحياة المثلى هي التي ترجع بالإنسان إلي الحياة الطبيعية والحرية الفردية المطلقة ، وأن كل ما يسعنا إدراكه هو " ممثل فردي للنوع " ، لا " النوع بذاته " ، ولهذا يستحيل الحديث مثلا عن مصالح الأمة ، لأن الممكن فعليا هو الحديث عن فلان تحديدا ، وهكذا أسقطت هذه النظرة كل إمكانية للاستقراء أو التعميم الذي تطور بفضله المجتمع والفكر الإنساني والأدب أيضا الذي يصبح عالميا حين يجد ما هو مشترك بين البشر وليس ما هو فردي .

والاعتقاد بالحرية الفردية عامة ، ثم الانحطاط بهذه الحرية إلي حدود الجسد فقط ، هو حجر الزاوية الذي تقوم عليه " كتابة الجسد ". وخطورة هذه النظرة أنها تغرس في كل فرد أنه جزيرة منفصلة ، سعادته كلها في متع الجسد ، ومن ثم تقصف كل وجود لشبكة العلاقات والمصالح الموضوعية التي تربط البشر وتشق باجتماعها طرق التطور . وانظر أي هوس وتدهور حين تصبح كل أمنية بطلة " الوله التركي " أن تجعل من القلب والرأس جنسا ؟!  أي أن تغدو كل أمنيتها أن ترتد بالوعي والشعور أرقى ما بلغه الإنسان إلي مراحله الحيوانية الأولى ، وأن تصبح ذكريات الجسد كذبا أقوى من ذكريات الروح ؟!

    والمشكلة أن النظرة إلي العالم باعتباره مملكة الجسد تشد المعرفة بالعالم إلي الخلف ، بل  وتقطع الطريق حتى على إدراك تلك الذات الفردية التي يجتهد الروائيون للتعرف إليها ، لأن هذه الذات لا تحيا بمفردها ولا تتعرف إلي جوهرها خارج واقع وعلاقات ومكان وزمان محدد .