القضايا الأدبية والتطور العلمي

أحمد الخميسي

 تصور أرسطو حينذاك مع رأى شائع - أن للنساء عددا أقل من الأسنان مما لدي الرجال ، ورغم زواجه مرتين إلا أنه لم يدقق ذلك التصور بنظرة على أسنان زوجتيه . واعتبر أرسطو أن الأجرام السماوية تتحرك فقط لأن الآلهة تدفعها . ولم يكن العلم زمنه قد اكتشف بعد المتواليات العددية ، أو غير ذلك من الاكتشافات المبكرة . ولم يكن للأدب أن يتطور بمعزل عن تلك الدرجة  المتدنية من المعرفة العلمية ، فظل يدور زمنا في فلك الأساطير بأبطال من أنصاف الآلهة . واعتبر قدماء المصريين أن بحيرة قارون " سماء سائلة " تختبئ فيها الشمس من البشر والأشرار . إلا أن التطور النسبي للعلم والتعرف العلمي لاحقا إلي السماء والأرض شطب تماما  إمكانية ظهور جديد لموضوع " ثلاثية أورست " التي تناول فيها " اسخيليوس " ثورة الأرض على السماء ثم الصلح بينهما ، وحذف العلم أبطال تلك الأعمال من قائمة المستقبل . وكلما تطورت معرفة الإنسان العلمية بالقوانين التي تحكم الكون والمجتمع تتطهر الأرض تتطهر أمام الأدب وتدفعه لمناطق أعمق . وفي مرحلة ما ظهر في الأدب المصري بطل " قنديل أم هاشم " عند كاتبنا العظيم يحيي حقي ، كما ظهر بطل " السراب " عند نجيب محفوظ ، وأبطال آخرون وقضايا أخرى مشابهة . لكن انتشار العلم وذيوع طب العيون والعلاج النفسي نحى جانبا الإمكانية الفعلية لظهور أبطال من هذا النوع ، ولم يعد من الممكن لقضية علاقة الشرق بالغرب أن تتخذ لنفسها من الناحية الفنية - الشكل الذي كتب به يحيي حقي . وهناك مثال أبسط يتعلق بكمية الروايات والأعمال الأدبية التي قامت عقدتها كلها على مأزق البطلة التي فرطت في أعز ما لديها ، كما هي الحال مع " هنادي " بطلة " دعاء الكروان " ، أو في " مدام بوفاري " لجوستاف فلوبير ، أو غيرهما من روايات كثيرة قامت عقدتها ، وتطورت أحداثها ، انطلاقا من الثمرة المحرمة للحب . لكن اكتشافا علميا بسيطا مثل حبوب منع الحمل نحي جانبا إمكانية ظهور جديد لدعاء الكروان ، ويلاحظ ذلك في السينما تحديدا التي احترفت ميلودراما " العذرية المفقودة  " أو " عود الثقاب الذي لا يشتعل سوى مرة واحدة " . فقد اختفى ذلك الموضوع الأدبي نهائيا تقريبا بفضل حبوب منع الحمل التي أكدت أن لأعواد الثقاب قدرة غير محدودة على الاشتعال . نحى العلم أيضا أبطال كثيرون من عالم الرومانسية مرضى بالسل ، يسعلون ، ويغطون في البرد وجههم بحواف المعطف ، يعشقون ويرحلون في نبل وصمت ، وذلك بعد اكتشاف دواء لذلك المرض . ونحي اكتشاف التليفون مواضيع روائية كثيرة اعتمدت كلها أن الخطابات والبريد كان وسيلة الاتصال الوحيدة ، بكل ما ينجم عن ذلك من سوء حظ وفقدان الخطاب المرسل إلي البطلة ، أو إخفاء بعض الأشرار له بالعمد ، مما يدفع بتطور الأحداث إلي مصير مأساوي وفرقة العشاق . وأخرج التلفون من جدول الأدب كل المآزق التي تجد الشخصية الأدبية نفسها فيها بسبب وجود الشخصية في مكان بعيد وعجزها عن الاتصال بالآخرين . وشطب العلم بذلك على صفحات مطولة خاصة بالعوائق التي تقف في وجه لقاء العاشقين . أما ظهور التلفزيون فقد دفع إلي الخلف ببطل مقامات عيسى بن هشام الذي قرر القيام بجولة للتعرف على أحوال الناس ، فلم يعد من الممكن الآن ظهور بطل أو موضوع كهذا ، بينما يمكنك وأنت جالس في بيتك أن تتعرف على الكثير بواسطة التلفزيون ، فما بالك بالانترنت ؟ . وقضى العلم بجغرافية العالم على كل روايات السفن المغامرة المبحرة في عالم مجهول ، أما اكتشاف المحمول فقد دفن " روبنسون كروزو" إلي الأبد ، فلم يعد من المحتم الآن على رجل يسقط على جزيرة أن يعيد بناء العالم وحده من جديد ، بعد أن أصبح من الأسهل بكثير أن يجري اتصالا هاتفيا بالمحمول بأية نقطة في العالم . وقضى اكتشاف أطفال الأنابيب على كل مآسي عدم الإنجاب التي كانت موضوعا للعديد من الأعمال الأدبية ، أو رافدا من روافدها . وأسقط العلم عن القمر صفاته الغامضة الشعرية . وعندما اكتشف العلم أن الأرض هي التي تدور حول الشمس وليس العكس ، نسف العلم إلي الأبد التعبير الأدبي الراسخ " أشرقت الشمس " ، بعد أن اتضح أن الأرض هي التي تشرق على الشمس ! . وأفضى التطور العلمي أيضا إلي الشطب على مفهوم عريق رافق الأدب رأى أن القلب هو مركز الإحساس ، بعد أن اتضح أن كل وجوه ردود الأفعال النفسية والعقلية تقع في المخ وحده ، ونفى ذلك ارتباط الذات بالقلب بعد أن تأكد أن معرفة الإنسان بالمزيد عن مخه تعادل معرفته بالمزيد عن ذاته . ومازال العلم يطرد في تطوره قضايا كثيرة من عالم الأدب .

  ومن غير المعروف بعد الأثر البالغ الذي سيتركه العلم بعد ظهور " الهندسة الوراثية " عندما يصبح من الممكن خلال ربع قرن وضع بطاقة شخصية لكل فرد بالعوامل الوراثية الخاصة به ، وما يمكن تفاديه منها ، وما يمكن تعديله .

   وبالرغم من كل ذلك ، فسوف يظل دور العلم كما رأى عالم وفنان هو ليونارد دافنشي هو الوصول إلي القوانين الكلية للأشياء ، وسيبقى للأدب الاهتمام بالخصائص الكيفية لتلك الأشياء . والمؤكد خلال ذلك - أن حرص الأدب سيتزايد على الإفادة من الطابع الموضوعي للعلم ، وصرامته ، وسعيه لاكتشاف الجديد ، وضربه عرض الحائط بكل ما هو غير علمي .