بطاقة لطفل فلسطيني
عام جديد .. يا حبيبي

 أحمد الخميسي

  عام جديد يقبل ، ومازالت أطفالنا تذبح في المخيمات الفلسطينية . عام جديد وملابسنا قديمة ، وخبزنا قديم ، وكل الجدران من حولنا تنشع بدماء الأهل والأحبة . عام جديد يقبل ولا ألعاب لدينا نهديها لأطفالنا ، ولا حلوى،  لا دراجات ، ولا كتب ملونة ، لا بالونات ، ولا ملابس جديدة . عام جديد وخيامنا عتيقة ، عام جديد ، وليس عندنا قليل من طمأنينة نمنحها للطفل الوليد ، عام جديد وليس عندنا سوى سماء محترقة ، وأرض مشتعلة ، ودوي رصاص . أهمس لك يا صغيري ، يا ولدي .. يا حبيبي ، هذا هو العالم الذي لم يترك لك سوى لعبة الموت . عام جديد والدم الفلسطيني يلف الأرض ، ويجوب الدنيا ، ويسقط على كل رقعة فتزهر خريطة حمراء تتشابك عليها خيوط الضمير البشري . عام جديد ، فلنسرع يا حبيبي ، ولننظر في أعين بعضنا البعض قليلا مادمنا أحياء ،  قبل أن يغتالنا صاروخ من الجو ، أو قذيفة من الأرض ، أو الفزع إذا غمرنا النعاس قليلا . عام جديد وليس بين يدي ما أهبه لك سوى أبدان الشهداء ، وملابسهم ، وإغماضهم العيون على هذا الوطن . عام جديد يا صغيري ، فلا تنسى شيئا ولا تغفر لأحد . فكل ما لنا الآن ذاكرة ، تسير كالضوء ، وتخترق كل شيء : الهواء ، والزرع ، والماء ، والسماء ، والنجوم ، والحصى ، وحتى بنادق الغزاة وصلب طائراتهم . عام جديد يا حبيبي وليس لدي حكاية أقصها عليك لتنعس على وقع كلماتها عن الأمير ، والأميرة ، والنهر ، وقصة الحب الجميلة . حكاية واحدة عندي : لا تغفر ولا تنسى . لا تنسى ولو ذراعا بترتها القنابل ، أو عينا أغمضت ، ولا تغفر لأحد : جثث الشهداء التي ظلت في مخيم جنين أياما كاملة داخل البيوت تتحلل معالمها أمام أعين محبيها. لا تنسى ولا تغفر للنازية الإسرائيلية أنها لم تدع مجالا للحياة ، ولا مجالا للموت ، وأخلت فضاء وحيدا للمجازر والأصوات  المفزعة . عام جديد فلا تنسى يا صغيري بحث آبائك الفلسطينيين عن أطفالهم  ورفاقهم  وأمهاتهم ، بين أنقاض عملية أوسلو ، وخريطة الطريق ، واتفاقيات جنيف ، وهرولتهم تحت وهج الصواريخ الأميركية بأبدان النازفين بين أسنانهم ، كما تهرول القطط بأبنائها بين النيران . عام جديد لا تنسى يا حبيبي ولا تغفر للنازية الجديدة إطلاقها الرصاص على كل طيف هرع لنجدة جريح على الرصيف ، ومنعها سيارات الإسعاف ، وتدميرها العيادات الطبية ، وجرفها البيوت والذكريات بالدبابات على رؤوس من فيها في رفح ، وجنين ، ونابلس. عام جديد فلا تغفر لمن قوضوا المساجد ، وأضرموا النار في كنيسة مهد المسيح الذي باعوه من قبل . عام جديد فلا تنسى أنهم رصفوا أزقة المخيمات بضلوع وأعين أطفال مثلك ، ولا تغفر لمجتمع  بأكمله عنصري يتحدث بألف لسان من ألف بلد،  ويضرب بقبضة أميركية إسرائيلية واحدة . عام جديد يا حبيبي وأنا وأنت لن ننسى ، لا نبتة اقتلعت ،  ولا شهيدا ، ولا نظرة قبل الرحيل . نحن معك لن نغفر ، لا لطائرة ، ولا لحبل قيدت به يدان ، ولا لبيان دولي مخادع أو زنزانة أو عصا .

عام جديد يا صغيري أقول لك : لقد دفقنا دمنا من أزقة المخيمات إلي العالم كله ومازلنا ننتظر أمام خيمتنا . عام جديد يا حبيبي ، وليس بين يدي هدية سوى هذا الموت الصغير ، أو هذا الموت الكبير ، موت مفاجئ ، وموت بطئ ، موت مؤلم ، وموت ناعم . عام جديد يا حبيبي . لعنة الله على هذا العالم ، وهذا العام . أما زلت تسمعني يا حبيبي ؟ أم أنك صرت تلك السحابة الصغيرة البيضاء هناك ؟ فاسمعيني أيتها السحابة إذن : عام جديد يقبل ، وليس بين يدي أرض أهديها لك لتمطري . هل تسمعينني ؟ أم أنك صرت تلك النجمة البعيدة  ؟ فاسمعيني أيتها النجمة النائية : عام جديد .. وليس معي نافذة بيت أهديها لك لتنيري عبر زجاجها . هل تسمعينني ؟
 عام جديد ، أينما كنت يا ولدي وكيفما كنت : ريحا أم شجرا أم زهرا أبيض أم لونا عابرا : عام سعيد يا ولدي . عام سعيد .