|
ليس
من جدار واحد أحمد الخميسي حين أفكر في قضية الجدار الإسرائيلي الفاصل ، أو العازل ، لا أتمالك نفسي فأتساءل : وكم من جدار آخر عربي - غير الإسرائيلي - فاصل ، وعازل ، ينبغي إسقاطه ؟ . ليس ذلك بهدف وضع كل الجدران الفاصلة في سلة واحدة ، والمساواة بين جدار إسرائيلي وآخر عربي . كلا . ولكن من باب التفكير أسأل : لو كان الجدار الإسرائيلي يعزل الفلسطيني عن الفلسطيني ، والأم عن وليدها ، والبيت عن أشجاره ، فكم من جدار عربي يعزل العربي المصري والسوري واللبناني والأردني عن الفلسطيني ؟ . عندما قامت اللجنة المصرية لدعم الانتفاضة ذات يوم بتشكيل قافلة تحمل الأرز والقمح والدواء والغطاء واتجهت بها من القاهرة إلي الحدود عند رفح ، نهض جدار فاصل ، عازل ، بأيدي قوات الشرطة المصرية . وأوقف الدعم . يرتفع الجدار الفاصل الإسرائيلي عشرة أمتار . كم يبلغ ارتفاع الجدران العربية وطولها ؟ وحينما تدافع آلاف المصريين إلي الشوارع خلال الاجتياح الإسرائيلي لجنين ، ألقت السلطات القبض علي بعضهم ، ومازالت فئة منهم في السجون إلي اليوم ، ومنها المهندس أشرف إبراهيم المعتقل من أجل تضامنه مع فلسطين . أليس هذا جدار فاصل يعزل الشعب المصري عن أخوته هناك ؟ وكم من جدار سوري فاصل يرتفع بين الشعب هناك والشعب الفلسطيني من أحجار المعتقلات وأسلاك الحدود ؟ وكم من جدار أردني يعلو من رصاص الشرطة لقمع المتظاهرين من أجل القدس وغيرها ؟
إن كانت فكرة
الجدار الإسرائيلي هي العزل وتكريس احتلال المزيد من الأرض ، فهل أن هذه
الفكرة بعيدة عن فكرة الجدران العربية الأخرى ؟ ألا تستهدف هذه الجدران عزل
الجماهير العربية عن الفلسطينية ؟ وألا تؤدي تلك الجدران في نهاية الأمر إلي
مساعدة إسرائيل في احتلال المزيد من الأراضي بقطع الدعم عن الفلسطينيين ؟ .
أقول إنني أتساءل ولكني لا أضع الجدران كلها في سلة واحدة . فالجدار
الإسرائيلي يستحق أن يكون في صدارة القضايا الجديرة بالمواجهة لأنه استمرار
للمشروع الصهيوني الذي بدأ في مطلع القرن العشرين، وهو المشروع الأكبر لكسر
الإرادة العربية ومنعها من بلوغ الاستقلال السياسي والاقتصادي ، ومن ذلك
المشروع وفي ظله يبنى الجدار الإسرائيلي وتمتد له كالظلال جدران أخرى أصغر
هنا وهناك في بلادنا على اختلاف أحجارها وأطوالها . والجدار الإسرائيلي يتألف
في واقع الأمر من جدارين يتوغلان في الضفة الغربية ، واحد في الجزء الشرقي
ويبتلع (9ر21 بالمائة من مساحتها) أي حوالي الخمس ، والثاني في الجزء الغربي
ويبتلع ما يعادل ( 4ر23 بالمائة من مساحتها ) أي حوالي ربع أراضي الضفة !
وإجمالا ينتزع الجدار الإسرائيلي ويصادر 3ر45 بالمائة من أخصب أراضي الضفة
وأغناها بالمياه وذلك بحجر واحد ! وسيحمي الجدار عند انتهائه أكثر من 343
ألف مستعمر سيظلون جاثمون على صدورنا . وستكون إحدى نتائج بناء الجدار التحكم
في حركة مئات الآلاف من الفلسطينيين ليلا ونهارا . فلا يمرون ولا يخرجون إلا
بالتصاريح العسكرية . وستكثف إسرائيل من بناء المستوطنات واستجلاب المرتزقة
ليصبح نصف مخزون المياه الجوفية في الضفة الغربية مخصص للمدن الإسرائيلية !
بينما يحصل الفلسطينيون على حاجتهم من الماء من الآبار دون السماح لهم بحفر
آبار جديدة في مناطق أخرى . ويبلغ ارتفاع هذا الجدار الأسمنتي نحو عشرة أمتار
مع عشرات من أبراج المراقبة ومنطقة عازلة على اتساع ما بين ثلاثين إلي مائة
مترا توضع فيها الأسوار الكهربائية وآلات التصوير وتحفر فيها الخنادق . سيفصل
الجدار الفلاحين عن أرضهم ، والعمال عن أماكن عملهم ، والتلاميذ عن مدارسهم ،
والمرضى عن الأطباء ، وسيقتلع مائة ألف شجرة زيتون ويحبس شعب بأكمله داخل 64
معزل . وأسأل نفسي : ألا يفصل البؤس وقلة الأجر الفلاح المصري والسوري
والأردني عن أرضه ؟ ألا يفصل البؤس وتفاهة الأجور العمال عندنا عن مصانعهم ؟
ألا يشعر الجميع بتلك الغربة ؟ حتى أولئك الذين لا يشاهدون الجدار .. ألا
يحسون ظله الملقى في الهواء ؟ . قرأت نداء جاء في نهايته : " فلنشارك جميعا و
كل بطريقته في إسقاط هذا الجدار اللعين " . نعم إنه جدار لعين . لأنه ليس
جدارا واحدا . إنه جدار كالأخطبوط بألف رأس حجري . إنه جدار من الأسمنت ( بعض
بلادنا تصدر الأسمنت لإسرائيل ) لكنه ليس من الأسمنت فقط ، بل ومن الرقابة
على الصحف في بلادنا ، ومن مصادرة الكتب ، ومن السياسات الاقتصادية التي تصنع
الفقر كل يوم ، والسياسات الثقافية التي تخلق الجهل خلقا وتكرسه ، ومن
الأحجار التي ترتفع منها مباني السجون لكل صاحب يا إلهي .. أيعقل أن يكون ارتفاع كل هذا الجدار عشرة أمتار فحسب ؟! ينشع الدم الفلسطيني ليس من جدار واحد . ينشع ، وكلما حاولوا طمس حروفه ، أج في الظلماء كالنار ، ليس فوق جدار واحد .
|