أقـــل الخسائــر الممكنــــة


 جـلال الخوالـــــدة19/4/2004م

متى يأتي اليوم الذي يتمكن فيه الإعلام من وضع خطط جديدة للحديث عن المعضلات الاجتماعية والقضايا التي لا يبدو أنها تتراجع.. أعتقد أن طرح قضايا مزمنة مثل التدخين والإدمان والعنوسة والمراهقة وقضايا المرأة عموماً .. أصابت فشلاً ذريعاً بدأ مع بدايات الامتداد الإعلامي على اختلاف وسائله منذ السبعينات، واستمر حتى تفجره في نهايات التسعينات من القرن العشرين، بإنطلاقة ضخمة للفضائيات العالمية، وفتح الباب على مصراعيه لتجارة الإعلام البرامجية المعتمدة على الحوارات ولقاءات برنامج المشاهدين الذي يضم محاورين مختصين وضيوف للتعليق ونماذج من موضوع الحلقة.

الصحافة المكتوبة نفسها لم تتعاون لإعادة النظر في وسائل وأساليب الطرح، الطريقة ذات الطريقفة، إنما من وجهات نظر مختلفة، مع أن الجميع يلاحظ أنه لا تغيراً قد أحدث على هذه المعضلات، وسائل الإعلام عموماً تدرك أن القضايا آخذة في التزايد، ولذلك يتم إعادة طرح المواضيع حسب الحماس لها دون مخطط أو استرتيجية جديدة.

أظن أن لابد للإعلام، العربي خاصة، أن يعيد التفكير، من خلال المؤتمرات والندوات وورش العمل، في آلية الخطاب وتوجيهه بالنسبة للقضايا المتأصلة في أركانه، وحتى لا يبدو موضوعي هذا، يشبه أسلوب الطرح القديم، فإنني سأعرض نموذجاً يتعلق في مشكلة العنوسة مثلاً.

كنت مُعداً لبرنامج تلفزيوني يطرح قضايا اجتماعية، وقمت بعمل بحث عدد من القضايا كان منها، مشكلة تأخر الزواج لدى الفتيات، كنا وكان الجميع نطرح المشكلة اجتماعياً، من العمق الاجتماعي، بإعتبار أن الحل يبدأ هناك، وتابعت فيما بعد كثير من المقالات والبرامج الإعلامية تطرح الموضوع، الذي يعتبر ساخناً متأزماً في قاع الوجدان العربي، وبدأت أعيد ترتيب الفكرة من جديد.

تأخر زواج الفتيات، يحتاج إلى مفهوم خطاب جديد ليس للفتيات أنفسهن، بل في الحديث المتعمق عن الزواج من اللواتي بلغن أعماراً متقدمة تبدأ من نهايات العشرين وحتى الأربعين، الزواج من هاتي الفتيات اللواتي تنفسن عبق الحياة، وبلغن النضج والوعي وصرن أكثر شمولية في التطلع للحياة، اللواتي خبرن الحياة العملية والاجتماعية، وتكونت لديهن نظرية حقيقية ونقية لما يعنيه مفهوم الزواج والأسرة، صارت الواحدة منهن مهيأة فعلاً لخوض الحياة أكثر تأملاً وتقبلاً، ولسن متحمسات مندفعات عصبيات عنيدات، يرين جانباً أحادياً مزاجياً من تفاصيل الحياة.

لا تريد امتداحهن، حتى لا يبدو الخطاب الإعلامي قصيدة شعرية لا يتعدى تأثيرها قراءتها، بل تعميم فكرة منهج خطابي مؤثر، يبلغ الجانب الآخر، الواقعي والعملي، عسى أن يحرز تأثيراً لدى المجتمعات، بأقل الخسائر الممكنة.